يبرز الدور الباكستاني الراهن كعلامة فارقة في محاولات لجم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تسعى إسلام آباد للتوصل إلى اتفاق شامل يعالج أزمات المنطقة المتراكمة. هذا التحرك لا يأتي بمعزل عن حراك إقليمي تقوده دول وازنة مثل قطر ومصر والسعودية وتركيا، مما يؤشر على دخول فاعلين جدد إلى ساحة القرار الدولي بعيداً عن الإملاءات التقليدية.
تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أننا بصدد مرحلة انتقالية كبرى ستغير وجه النظام الإقليمي، حيث تصطدم الرهانات الأمريكية والإسرائيلية الهادفة لنشر 'الاتفاقات الإبراهيمية' بحائط الصد الذي شكلته قوى المقاومة والدول الرافضة للهيمنة. إن مشروع 'إسرائيل الكبرى' يواجه اليوم تحديات وجودية مع فشل الأدوات العسكرية في فرض واقع سياسي جديد في طهران أو بيروت.
رغم المحاولات المتكررة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإحياء مسار التطبيع ودعوة دول إسلامية كبرى للانضمام إليه، إلا أن الاستجابة تبدو شبه منعدمة من قبل قوى إقليمية مثل السعودية وتركيا وباكستان. هذا الرفض يعكس وعياً متزايداً بأن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن أن يمر عبر تهميش القضايا الجوهرية أو تجاوز حقوق الشعوب في السيادة.
في لبنان، يظهر فشل العدوان الإسرائيلي في تحقيق هدفه الاستراتيجي المتمثل في إنهاء دور المقاومة، رغم سياسة 'الأرض المحروقة' والدمار الواسع في الضاحية الجنوبية وجنوب الليطاني. إن قدرة المقاومة على الاستمرار في تنفيذ عمليات نوعية واستخدام الطائرات المسيّرة بفعالية، حولت الجغرافيا اللبنانية إلى استنزاف مستمر لقوات الاحتلال بدلاً من أن تكون ساحة نصر سهل.
أما على الجبهة الإيرانية، فقد أثبت النظام في طهران قدرة عالية على استيعاب الضربات القاسية التي استهدفت بنيته العسكرية والصناعية وقياداته العليا. وبدلاً من التراجع، نجحت إيران في تحويل الهجوم إلى أزمة دولية عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز، مما عزز من تماسك جبهتها الداخلية ورفع من أسهم دورها في أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة.
لقد استطاعت طهران بناء شبكة علاقات استراتيجية متينة مع قوى دولية مثل روسيا والصين، وأخرى إقليمية كالسعودية وقطر وعمان، مما وفر لها حصانة ديبلوماسية ضد العزلة. هذه الشبكة من المصالح المتقاطعة ستكون الركيزة الأساسية في إقامة نظام أمني إقليمي جديد يعتمد على التوازن بدلاً من التبعية للقطب الواحد.
أفادت مصادر بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تحظَ بالغطاء الدولي المطلوب، بل قوبلت برفض واسع من معظم الدول العربية والإسلامية التي اعتبرتها مغامرة شخصية لترامب ونتنياهو. هذا الانقسام لم يقتصر على المنطقة فحسب، بل امتد ليحدث تصدعات داخل حلف شمال الأطلسي 'الناتو' ويوتر علاقات واشنطن مع حلفاء تقليديين.
إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وقوى المقاومة لم تحقق أهدافها، بل ستفرض وقائع جديدة تؤسس لنظام إقليمي ودولي يواجه الهيمنة المطلقة.
في قطاع غزة، لا يزال خيار المقاومة هو الثابت الوحيد رغم حرب الإبادة والدمار غير المسبوق الذي طال كافة مناحي الحياة. إن مشروع 'مجلس السلام' الذي حاول ترامب فرضه كبديل للإدارة الفلسطينية في غزة لم يجد طريقاً للتنفيذ، مما يؤكد أن تجاوز إرادة الفلسطينيين ميدانياً هو رهان خاسر في كل الحسابات السياسية.
بالتوازي مع ذلك، تبرز توجهات إسرائيلية يمينية متطرفة تهدف إلى تصفية اتفاقية أوسلو بشكل نهائي، مما يغلق الباب أمام أي مسارات تسوية سياسية تقليدية. هذا الانسداد سيدفع الشعب الفلسطيني، عاجلاً أم آجلاً، نحو تصعيد خيار المقاومة الشاملة كسبيل وحيد لانتزاع الحقوق الوطنية في ظل غياب أي أفق للعدالة الدولية.
على الصعيد العالمي، يتشكل تيار جارف مناهض للوحشية الإسرائيلية، يتجاوز الأطر السياسية الرسمية ليصل إلى الحركات الشعبية والمجموعات الدولية لكسر الحصار. هذا التحول بدأ يؤتي ثماره في تراجع النفوذ الصهيوني داخل مراكز صنع القرار في أوروبا وحتى داخل الولايات المتحدة، حيث بدأت الأصوات الناقدة لسياسات الاحتلال تعلو بشكل غير مسبوق.
إن نجاح الوساطة الباكستانية، المدعومة بزخم عربي وإسلامي، في إنهاء الحرب والتوصل لاتفاق شامل بين واشنطن وطهران، سيفتح الباب أمام ولادة عالم جديد. هذا العالم سيتسم بتعدد الأقطاب وتراجع القدرة الأمريكية على فرض الحلول الأحادية، مما يمهد الطريق لنقاشات جدية حول إصلاح المنظومة الدولية برمتها.
التضحيات الجسيمة التي قُدمت منذ انطلاق 'طوفان الأقصى' وحتى اليوم، لم تذهب سدى في ميزان التحولات الكبرى، بل أسست لوعي جمعي يرفض الظلم. إن هذه الدماء والدمار في غزة ولبنان وإيران باتت هي الوقود المحرك لتغيير موازين القوى، وفرض معادلات ردع جديدة لم تكن موجودة في الحسابات الإقليمية قبل سنوات قليلة.
في الختام، يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة 'ما بعد الهيمنة'، حيث تعيد القوى الإقليمية تعريف أدوارها بناءً على مصالحها الوطنية والقومية. إن النظام الدولي الجديد الذي يلوح في الأفق لن يكون من صنع القوى الكبرى وحدها، بل ستشارك في صياغته الشعوب والمقاومات التي أثبتت قدرتها على الصمود في وجه أعتى الآلات العسكرية.
إن المستقبل القريب سيشهد تبلور مبادرات إقليمية تهدف إلى تصفير الأزمات البينية، والتركيز على التنمية الاقتصادية والأمن المشترك بعيداً عن التدخلات الخارجية. وبإذن الله، ستؤدي هذه التحولات إلى ولادة واقع أكثر عدالة، ينهي عقوداً من التبعية والحروب المفروضة، ويضع حداً للمشاريع التوسعية التي استنزفت مقدرات المنطقة وشعوبها.





شارك برأيك
مخاض النظام الإقليمي الجديد: كيف أعادت الوساطة الباكستانية وصمود المقاومة رسم خارطة المنطقة؟