تشهد أروقة مراكز الفكر الأمريكي نقاشاً محتدماً حول مستقبل الهيمنة العالمية، يقوده أكاديميون ومنظرون بارزون مثل روبرت كيغان، أحد أعمدة 'المحافظين الجدد'. يرى هؤلاء أن السياسة الخارجية الحالية تواجه مأزقاً استراتيجياً يعيد صياغة مفهوم القوة الإمبراطورية الأمريكية وتأثيرها على السمعة الدولية لواشنطن.
في مقال لافت بمجلة 'ذي أتلانتيك'، جادل كيغان بأن إدارة ترامب باتت عاجزة عن التراجع عن مسار المواجهة أو السيطرة على تداعياتها الكارثية. وأكد أن الفشل في انتزاع تنازلات حقيقية من النظام الإيراني رغم العمليات العسكرية المكثفة يعكس حدود القوة الصلبة في تغيير الواقع السياسي الإقليمي.
رغم القوة التدميرية التي استُخدمت في الحرب الأخيرة التي استمرت 37 يوماً، لم تنجح الجهود الأمريكية الإسرائيلية المشتركة في إسقاط النظام القائم. هذا الإخفاق دفع البعض للمطالبة بغزو بري شامل، وهو خيار يراه المحللون مستبعداً في ظل التوازنات الحالية والتعقيدات اللوجستية والسياسية.
تتقاطع هذه الرؤى مع مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسعى للاستحواذ على مخزونات اليورانيوم المخصب تحت الأنقاض. ويهدد الجانب الأمريكي بإعادة استهداف المنشآت النووية الإيرانية في حال رفض طهران تسليم المواد المشعة التي نجت من القصف السابق في يونيو الماضي.
انتقلت الاستراتيجية الأمريكية من المواجهة العسكرية المباشرة إلى الحصار البحري الخانق، حيث تفرض البحرية الأمريكية طوقاً على مضيق هرمز منذ أكثر من شهر. يهدف هذا الإجراء إلى شل الاقتصاد الإيراني ومنع تصدير النفط والغاز، في محاولة لفرض تنازلات في المفاوضات المتعثرة التي تجري بوساطة إقليمية.
إن صعود أثينا والخوف الذي زرعه ذلك في إسبرطة هو ما جعل الحرب حتمية.
على المقلب الآخر، تبرز الصين كقوة ندية ترفض الانصياع للإملاءات الأمريكية، حيث أكد الرئيس شي جين بينغ خلال لقائه بترامب على 'الخطوط الحمراء'. وترفض بكين التوقف عن شراء النفط الإيراني، معتبرة أن أمن الملاحة في مضيق هرمز مصلحة دولية لا تخضع للرسوم أو الابتزاز السياسي.
يبرز 'فخ ثيوسيديدس' كإسقاط تاريخي يحذر منه القادة الصينيون، في إشارة إلى الصراع الحتمي بين قوة مهيمنة (أمريكا) وقوة صاعدة (الصين). هذا المفهوم المستمد من حروب اليونان القديمة يشير إلى أن الخوف من فقدان المكانة هو المحرك الأساسي للنزاعات الكبرى التي تهدد السلم العالمي.
تقارير الاستخبارات والدفاع الأمريكية تؤكد أن الصين هي المنافس الوحيد القادر على تحدي الزعامة الأمريكية في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والفضاء. لم يعد الأمر يتعلق بمنافس يمكن احتواؤه، بل بقطب دولي يفرض حقيقة استراتيجية جديدة تتجاوز القدرات التقليدية للردع الأمريكي.
في غضون ذلك، تسعى طهران لترسيخ معادلة 'رابح-رابح' في المحافل الدولية مثل قمة البريكس، مستفيدة من الدعم الصيني والروسي. هذا التوجه يعكس رغبة إيرانية في كسر العزلة الدولية والالتفاف على العقوبات عبر بناء تحالفات اقتصادية قوية مع القوى الصاعدة في الشرق.
يبقى التساؤل قائماً حول قدرة المجتمع الدولي على تجنب الانزلاق نحو حرب شاملة، في ظل تراجع الثقة بالحليف الأمريكي. إن سوء إدارة التنافس بين القوى العظمى قد يقود إلى تكرار سيناريوهات تاريخية دموية، ما لم يتم تغليب لغة التعاون على منطق الهيمنة والصدام.





شارك برأيك
فخ ثيوسيديدس: هل تنزلق واشنطن وبكين نحو المواجهة الحتمية؟