واشنطن – سعيد عريقات- 17/5/2026
كشفت تقارير صحفية وشهادات مسؤولين عراقيين وإقليميين عن وجود قاعدتين عسكريتين سريتين أقامتهما إسرائيل في عمق الصحراء الغربية العراقية، في تطور يسلط الضوء على هشاشة السيادة العراقية، ويثير تساؤلات خطيرة بشأن الدور الأميركي، وحدود النفوذ الإيراني، وطبيعة الصراع الإقليمي المتصاعد بين إسرائيل وطهران.
وبحسب المعلومات التي نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأحد، فإن إحدى القاعدتين اكتُشفت بعد حادثة مقتل الراعي العراقي عواد الشمري، البالغ من العمر 29 عاما، في آذار الماضي، بعدما صادف وجود قوات ومروحيات ومنشآت عسكرية قرب منطقة النخيب الصحراوية، الواقعة غرب العراق.
وذكرت الصحيفة أن الشمري أبلغ القيادة العسكرية العراقية بما شاهده قبل أن يُفقد الاتصال به لاحقا، ليعثر أقاربه بعد يومين على جثته محترقة قرب مركبته المدمرة في الصحراء، فيما أفاد شهود عيان بأن مروحية لاحقت سيارته وأطلقت النار عليها بشكل متكرر حتى توقفت.
ورغم أن إسرائيل رفضت التعليق على الحادثة أو على وجود قواعد لها داخل العراق، فإن مسؤولين عراقيين أكدوا للصحيفة وجود قاعدة ثانية أيضا في المنطقة الصحراوية الغربية، استخدمت لدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران خلال حرب حزيران 2025.
وبحسب مسؤولين أمنيين إقليميين، بدأت إسرائيل التحضير لهذه القواعد منذ أواخر عام 2024، عبر اختيار مواقع نائية تصلح كنقاط دعم لوجستي وجوي في أي مواجهة مستقبلية مع إيران، خاصة لتقليص المسافات التي تقطعها الطائرات الإسرائيلية أثناء تنفيذ عملياتها.
وقال مسؤولون إن القاعدة التي اكتشفها الشمري استُخدمت لتقديم الدعم الجوي، والتزود بالوقود، والإخلاء الطبي، خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية القصيرة التي استمرت 12 يوما العام الماضي.
صدمة داخل العراق
وأثارت هذه المعلومات موجة غضب واسعة داخل العراق، حيث اعتبر سياسيون وبرلمانيون أن وجود قواعد إسرائيلية على الأراضي العراقية يمثل انتهاكا صارخا للسيادة الوطنية، ويكشف ضعفا خطيرا في المنظومة الأمنية.
وقال النائب العراقي وعد القدو، الذي حضر جلسة إحاطة برلمانية سرية حول القضية، إن ما جرى "يعكس استخفافا واضحا بسيادة العراق وكرامة شعبه".
في المقابل، أقر قائد قوات الفرات الأوسط العراقية اللواء علي الحمداني بأن القوات العراقية كانت تشك منذ أسابيع بوجود نشاط عسكري "غير اعتيادي" في الصحراء الغربية، لكنها اكتفت بالمراقبة عن بعد دون الاقتراب من الموقع.
وأضاف الحمداني أن الجيش العراقي طلب توضيحات من الجانب الأميركي حول النشاط العسكري الغامض، لكنه لم يتلق أي رد.
وبعد يوم واحد من اختفاء الشمري، أرسلت بغداد قوة استطلاع إلى المنطقة، إلا أنها تعرضت لإطلاق نار وقصف أدى إلى مقتل جندي عراقي وإصابة آخرين، ما أجبر القوة على الانسحاب.
وفي أعقاب الحادثة، أعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية أن “قوة أجنبية” هاجمت القوات العراقية، فيما أشارت اتصالات لاحقة بين بغداد والقيادة العسكرية الأميركية إلى أن القوات المهاجمة “ليست أميركية”، الأمر الذي عزز الاعتقاد بأنها إسرائيلية.
الدور الأميركي تحت المجهر
وتضع هذه التطورات الولايات المتحدة في دائرة الاتهام، خاصة مع تأكيد مسؤولين عسكريين ودبلوماسيين أميركيين سابقين أن القيادة المركزية الأميركية لا يمكن أن تكون غافلة عن وجود نشاط عسكري إسرائيلي داخل العراق، نظرا للتنسيق الوثيق بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي.
كما أشار مسؤولون عراقيون إلى أن واشنطن طلبت من بغداد خلال الحرب الأخيرة إغلاق أنظمة الرادار العراقية لحماية الطائرات الأميركية، ما جعل العراق أكثر اعتمادا على المعلومات الأميركية لرصد أي تحركات عسكرية معادية.
ويرى مراقبون أن هذا الأمر يعزز الانطباع بأن واشنطن إما أخفت المعلومات عن الحكومة العراقية، أو أنها أبلغت بعض القيادات العراقية التي فضلت إبقاء الأمر سريا لتجنب أزمة سياسية داخلية.
وتكشف هذه القضية حجم التآكل الذي أصاب مفهوم السيادة العراقية منذ الغزو الأميركي عام 2003، إذ بات العراق ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، دون قدرة فعلية على ضبط حدوده أو قراراته الأمنية. فوجود قواعد إسرائيلية سرية داخل الأراضي العراقية، سواء بعلم بغداد أو من دون علمها، يعكس اختلالا عميقا في بنية الدولة العراقية. كما أن عجز القوات العراقية عن التعامل المباشر مع هذه المواقع، أو حتى الكشف عنها مبكرا، يبرز مدى تعقيد المشهد الأمني، حيث تتداخل المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية على حساب القرار الوطني العراقي المستقل.
تضع هذه التطورات حكومة ترمب أمام انتقادات متزايدة داخل العراق والمنطقة، خاصة إذا ثبت أن واشنطن كانت على علم بالوجود الإسرائيلي ولم تبلغ بغداد رسميا. فالإدارة الأميركية طالما قدمت نفسها كحليف يحترم سيادة العراق، لكن السماح لإسرائيل باستخدام أراض عراقية في عمليات ضد إيران قد يقوض هذا الخطاب بالكامل. كما أن الأمر يمنح الفصائل المسلحة الموالية لطهران ذريعة إضافية لمهاجمة الوجود الأميركي، ورفض أي دعوات لنزع سلاحها، بحجة أن الولايات المتحدة أصبحت شريكا مباشرا في تحويل العراق إلى منصة للصراع الإقليمي.
من الناحية الإسرائيلية، تكشف هذه القواعد عن تطور لافت في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، القائمة على توسيع نطاق العمليات بعيدا عن الحدود التقليدية. فإسرائيل باتت ترى أن مواجهة إيران لا يمكن أن تقتصر على الأجواء السورية أو الخليجية، بل تتطلب انتشارا استخباراتيا ولوجستيا أوسع داخل المنطقة. كما أن استخدام الصحراء العراقية يشير إلى اعتماد متزايد على المناطق الهشة أمنيا لإقامة بنى عسكرية مؤقتة يصعب اكتشافها. وهذا يعكس انتقال إسرائيل من استراتيجية “الضربات المحدودة” إلى بناء شبكات عمليات إقليمية أكثر تعقيدا واستدامة.
أما على المستوى الشعبي العراقي، فمن المرجح أن تترك القضية أثرا نفسيا وسياسيا عميقا، خصوصا مع مقتل الراعي عواد الشمري الذي تحول إلى رمز لما يصفه كثيرون بـ”الإهمال الرسمي”. فالقضية لم تعد مجرد ملف أمني، بل أصبحت مرتبطة بمشاعر الإهانة الوطنية، والشعور بأن أراضي العراق تستخدم من قبل قوى خارجية دون علم المواطنين أو حتى مؤسسات الدولة. وقد يؤدي تصاعد الغضب الشعبي إلى زيادة الضغوط على الحكومة العراقية لاتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه الوجود العسكري الأجنبي، سواء كان أميركيا أو غيره.





شارك برأيك
قواعد إسرائيلية سرية في صحراء العراق تثير عاصفة سياسية وأمنية