تتصاعد في الأوساط السياسية الإسرائيلية دعوات غير مسبوقة لإعادة صياغة العلاقة الدفاعية مع الولايات المتحدة، حيث يقود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو توجهاً يهدف إلى تقليص الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية بشكل تدريجي. ويرى محللون أن هذه الخطوة، رغم صعوبتها، تهدف إلى منح تل أبيب قدرة أكبر على تنويع مصادر تسلحها وتقليل القيود السياسية المرتبطة بالتمويل الأمريكي.
وتعتمد إسرائيل حالياً على حزمة مساعدات سنوية تبلغ 3.8 مليارات دولار، وهي جزء من اتفاقية استراتيجية وقعت في عهد إدارة أوباما عام 2016 وتستمر حتى عام 2028. وتشترط هذه الاتفاقية إنفاق معظم الأموال داخل السوق الأمريكية، مما يحد من قدرة إسرائيل على دعم صناعاتها الدفاعية المحلية بشكل كامل أو الشراء من أسواق دولية أخرى.
تصريحات نتنياهو الأخيرة التي أدلى بها لوسائل إعلام أمريكية، أكدت رغبته في الوصول بمستوى المساعدات إلى 'الصفر'. ويعتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي أن القوة الاقتصادية المتنامية لبلاده تسمح لها بالاستغناء عن الدعم المالي المباشر، خاصة مع تضاعف الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي خلال العقد الأخير ليصل إلى نحو 720 مليار دولار سنوياً.
وتشير البيانات التاريخية إلى أن إسرائيل كانت المتلقي الأكبر للمساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، بإجمالي تجاوز 300 مليار دولار. ومع ذلك، يرى خبراء عسكريون أن الاعتماد المالي تراجع نسبياً، حيث باتت المساعدات تشكل أقل من 8% من ميزانية الدفاع الإسرائيلية الضخمة التي قفزت بسبب الحرب المستمرة في غزة.
ويربط مراقبون هذا التوجه الإسرائيلي بتراجع الدعم الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين بات لديهم انطباع سلبي تجاه السياسات الإسرائيلية. هذا التحول يدفع القيادة الإسرائيلية للتحرك استباقياً قبل أن يتحول الدعم العسكري إلى ورقة ضغط سياسي قوية بيد الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
على الصعيد الميداني، كشفت الحرب الأخيرة عن ثغرات في سلاسل الإمداد، مما أثار قلقاً لدى هيئة مراقبة الدولة في إسرائيل. فقد انتقدت تقارير رسمية إهمال الإنتاج المحلي والاعتماد المفرط على الموردين الأجانب، خاصة بعد تعثر بعض أنظمة الاعتراض الجوي مثل 'مقلاع داود' ونقص مخزونات صواريخ 'سهم'.
إن التحول نحو نموذج 'دولة إسبرطة' الذي يطرحه نتنياهو يتطلب تعزيزاً هائلاً للصناعات العسكرية الوطنية لتغطية احتياجات الجيش. ورغم نجاح إسرائيل في تصدير أنظمة متطورة مثل 'آرو 3' لألمانيا، إلا أنها لا تزال تفتقر للقدرة على تصنيع منصات قتالية كبرى مثل الطائرات المقاتلة والغواصات بشكل مستقل تماماً.
الوقت قد حان لأن نستغني عمّا تبقّى من مساعدات عسكرية، ويجب أن تصبح إسرائيل أشبه بـ إسبرطة.
وتؤكد مصادر مطلعة أن العلاقة العسكرية بين الطرفين ليست من طرف واحد، بل تمثل ميدان اختبار حيوي للتقنيات الأمريكية. فإسرائيل توفر بيانات قتالية واقعية تساعد شركات الدفاع الأمريكية على تطوير أنظمتها، وهو تعاون يوفر مليارات الدولارات على البنتاغون من خلال تحسين كفاءة الأسلحة وتجربتها في ظروف حرب حقيقية.
من الناحية الاستراتيجية، يرى المؤرخون العسكريون أن فك الارتباط التدريجي قد يمنح إسرائيل حرية أكبر في اختيار شركائها الدوليين. فبدلاً من الارتباط الحصري بواشنطن، يمكن لتل أبيب تعزيز تعاونها العسكري مع دول مثل الهند أو اليونان، مما يقلل من تداعيات أي توتر سياسي محتمل مع البيت الأبيض في المستقبل.
ورغم هذه الطموحات، تحذر قيادات عسكرية سابقة من أن إنهاء التحالف الدفاعي بالكامل قد يمثل انتحاراً استراتيجياً في ظل غياب عمق جغرافي لإسرائيل. فالدولة العبرية تفتقر لتحالفات جماعية شبيهة بحلف 'الناتو'، وتظل المظلة السياسية والعسكرية الأمريكية هي الضامن الأساسي لأمنها القومي في منطقة مضطربة.
وتشير التقديرات إلى أن المفاوضات القادمة بشأن مذكرة التفاهم الجديدة، والمقرر بدؤها في الأشهر المقبلة، ستكون حاسمة في تحديد شكل العلاقة. ومن المتوقع أن تضغط إسرائيل لزيادة حصة الإنتاج المحلي من أموال المساعدات، كخطوة أولى نحو تقليص الاعتماد الكلي على المشتريات من المصانع الأمريكية.
إن الازدهار الاقتصادي الإسرائيلي هو المحرك الأساسي لهذه الرؤية، حيث لم تعد المليارات الثلاثة تشكل عصب الاقتصاد كما كانت في السبعينيات. ومع ذلك، يظل التحدي التكنولوجي قائماً، إذ لا يمكن لأي دولة صغيرة مهما بلغت قوتها الاقتصادية أن تستغني عن التكنولوجيا الفائقة التي توفرها القوة العظمى الوحيدة في العالم.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن دعوة نتنياهو هي مزيج من المناورة السياسية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. فهو يسعى لتحصين إسرائيل ضد تقلبات السياسة الأمريكية الداخلية، مع إدراكه التام أن الانفصال الكامل يظل هدفاً بعيد المنال في ظل التهديدات الإقليمية الراهنة وحاجة الجيش المستمرة لقطع الغيار والذخائر الذكية.
ستظل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تمر بمرحلة تحول جوهري، حيث ينتقل الطرفان من علاقة 'المانح والمتلقي' إلى شراكة أكثر توازناً. وسواء نجحت إسرائيل في الوصول إلى 'الصفر' مساعدات أم لا، فإن النقاش الحالي يعكس تغيراً عميقاً في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي والاعتماد على الذات في القرن الحادي والعشرين.





شارك برأيك
هل تستطيع إسرائيل فك الارتباط العسكري بواشنطن؟ طموحات نتنياهو وتحديات الواقع