تحليل

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو بين الاعتراف والمراوغة: كيف تحوّل إخفاق 7 تشرين الأول إلى مشروع حرب مفتوحة؟



واشنطن – سعيد عريقات – 12/5/2026


تحليل إخباري


في مقابلته مع برنامج "ستون دقيقة 60 Minutes"، حاول رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أن يقدم نفسه بوصفه قائداً واجه "لحظة وجودية" بعد هجوم السابع من تشرين الأول 2023، لا بوصفه المسؤول السياسي الأول عن الانهيار الأمني والاستخباري الذي هز إسرائيل. وبينما أقرّ للمرة الأولى بصورة شبه مباشرة بأن المسؤولية "تقع على الجميع، من رئيس الوزراء إلى أسفل الهرم" ، فإنه سرعان ما حاول نقل النقاش من سؤال الإخفاق إلى سؤال "ما بعد الإخفاق"، أي إلى الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ ذلك اليوم ضد غزة ولبنان واليمن وإيران.


هذا التحول في الخطاب ليس ارتجالياً، بل يعكس محاولة واضحة لإعادة صياغة الوعي الإسرائيلي والدولي: من محاسبة القيادة السياسية والعسكرية على الكارثة الأمنية، إلى تصوير نتنياهو كقائد حرب تاريخي يقود معركة "إنقاذ إسرائيل" من "الطوق الإيراني". وبهذا المعنى، فإن الاعتراف المحدود بالمسؤولية لم يكن سوى مناورة سياسية لتخفيف الضغوط الداخلية، لا تمهيداً لمحاسبة حقيقية.


الأكثر دلالة أن نتنياهو رفض مجدداً تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، مفضلاً لجنة ذات طابع سياسي يمكن التحكم بنتائجها. وهذا الرفض يكشف جوهر الأزمة: فالرجل لا يخشى فقط نتائج التحقيق، بل يخشى أن يتحول التحقيق إلى لحظة انهيار لمشروعه السياسي كله، خاصة بعد سنوات طويلة من تقديم نفسه باعتباره "السيد الأمني" القادر على حماية إسرائيل وردع خصومها.


وتكشف تصريحات نتنياهو عن معضلة عميقة داخل النظام السياسي الإسرائيلي: فالنخبة الحاكمة تريد الاعتراف بالفشل دون دفع ثمنه السياسي. لذلك يجري تعميم المسؤولية على الجميع حتى تضيع المسؤولية الحقيقية. وعندما يصبح الجميع مسؤولين، لا يعود أحد مسؤولاً فعلياً. هذه الصيغة تسمح لنتنياهو بالبقاء في السلطة رغم أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل الحديث. لكن المشكلة أن المجتمعات لا تستعيد ثقتها عبر توزيع اللوم جماعياً، بل عبر محاسبة واضحة وشفافة تبدأ من رأس السلطة، لا من الجنود أو الموظفين الأدنى رتبة.


في المقابلة ذاتها، حاول نتنياهو أيضاً تبرير التحول الإسرائيلي نحو الحروب الإقليمية المفتوحة، معتبراً أن هجوم حماس لم يكن سوى جزء من مشروع إيراني شامل لـ"خنق إسرائيل". ومن هنا، برّر توسيع الحرب إلى لبنان واليمن، ثم المواجهة المباشرة مع إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة. لكن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية: أن السياسات الإسرائيلية نفسها، خصوصاً في غزة والضفة الغربية، ساهمت في إنتاج بيئة الانفجار المستمر.


لقد اعتمد نتنياهو طوال سنوات على إدارة الصراع لا حله، وعلى إضعاف السلطة الفلسطينية مقابل غض الطرف عن تعاظم قوة حماس، ضمن تصور يقوم على إبقاء الفلسطينيين منقسمين. غير أن هجوم السابع من تشرين الأول كشف انهيار هذه العقيدة بالكامل. ومع ذلك، يرفض نتنياهو الاعتراف بأن الأزمة ليست فقط أمنية، بل سياسية وأخلاقية أيضاً.


ومن أكثر المقاطع إثارة في المقابلة، مطالبة نتنياهو الولايات المتحدة بإرسال قوات خاصة إلى داخل إيران لاستخلاص اليورانيوم الإيراني المخصب، معتبراً أن ذلك هو "الوسيلة الوحيدة" لإنهاء ما سماه "الطموحات النووية الإيرانية". هذا الطرح يكشف حجم التصعيد الذي بات يحكم التفكير الإسرائيلي، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على الضربات الجوية أو العقوبات الاقتصادية، بل انتقل إلى الدعوة لعمليات عسكرية مباشرة داخل الأراضي الإيرانية، بما تحمله من احتمالات انفجار إقليمي واسع. والأكثر لفتاً أن المقابلة لم تتطرق إطلاقاً إلى الترسانة النووية الإسرائيلية غير المعلنة، والتي تُعد من أكثر أسرار المنطقة وضوحاً وإنكاراً في آن واحد. وهكذا، بدا الخطاب وكأنه يطالب باحتكار نووي كامل لإسرائيل، تحت غطاء "منع الانتشار" و"حماية الاستقرار"، بينما تُستثنى إسرائيل نفسها من أي مساءلة أو رقابة دولية.


الخطير في خطاب نتنياهو ليس فقط تبرير الحرب، بل تحويل الحرب إلى عقيدة دائمة. فبدلاً من مراجعة أسباب الانفجار، يجري تقديم التصعيد العسكري باعتباره الحل الوحيد. وهذه الرؤية تجعل المنطقة بأسرها رهينة منطق القوة المفتوحة. فالحروب التي بدأت في غزة تمددت إلى لبنان واليمن وإيران، فيما تبدو الولايات المتحدة أكثر تورطاً في الحسابات الإسرائيلية. والنتيجة ليست استعادة الاستقرار، بل إنتاج شرق أوسط أكثر اضطراباً، حيث تتراجع السياسة لصالح الأمن، والدبلوماسية لصالح منطق العدوان والاحتلال.


وفي حديثه عن إيران، بدا نتنياهو أقل ثقة مما يحاول إظهاره علناً. فعندما سُئل عن توقعاته السابقة بشأن ضعف إيران وعدم قدرتها على تهديد مضيق هرمز، اعترف بأنه "لا أحد يملك رؤية كاملة". كما أقر بوجود "مخاطر وعدم يقين" في الحرب المشتركة مع واشنطن ضد طهران. وهذا الاعتراف مهم، لأنه يكشف حدود القوة العسكرية، حتى لدى إسرائيل والولايات المتحدة.


ورغم ذلك، واصل نتنياهو الرهان على فكرة انهيار النظام الإيراني تدريجياً، معتبراً أن سقوطه سيؤدي تلقائياً إلى انهيار حلفائه في المنطقة، من حزب الله إلى حماس والحوثيين. لكن هذا التصور يعكس فهماً تبسيطياً لبنية الصراعات الإقليمية، إذ يتجاهل أن هذه القوى لم تعد مجرد "أذرع" إيرانية، بل أصبحت جزءاً من واقع سياسي واجتماعي معقد تشكل عبر عقود من الحروب والاحتلال والانقسامات.


وفي جانب آخر من المقابلة، اشتكى نتنياهو من تراجع صورة إسرائيل عالمياً، معتبراً أن السبب يعود إلى "حروب الدعاية" ووسائل التواصل الاجتماعي. غير أن هذا التفسير يتجاهل مشاهد الدمار الهائل في غزة، وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتنامي الانتقادات الدولية لسياسات إسرائيل العسكرية. فالأزمة ليست فقط أزمة "صورة"، بل أزمة واقع سياسي وإنساني بات يصعب تسويقه حتى داخل المجتمعات الغربية الحليفة.


محاولة نتنياهو اختزال التراجع العالمي في شعبية إسرائيل بمشكلة "دعاية" تعكس انفصالاً متزايداً بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي والتحولات العالمية الجارية. فالأجيال الشابة في الغرب لا تعتمد فقط على الرواية التقليدية القادمة من الحكومات ووسائل الإعلام الكبرى، بل ترى مباشرة صور الحرب والدمار عبر المنصات الرقمية. لذلك، فإن الأزمة أعمق من مجرد معركة إعلامية؛ إنها أزمة شرعية أخلاقية وسياسية. وكلما استمرت الحرب بلا أفق سياسي، ازداد التآكل في صورة إسرائيل، حتى داخل المجتمعات التي كانت تاريخياً أكثر تعاطفاً معها.

دلالات

شارك برأيك

نتنياهو بين الاعتراف والمراوغة: كيف تحوّل إخفاق 7 تشرين الأول إلى مشروع حرب مفتوحة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.