تحليل

الأحد 10 مايو 2026 5:53 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاقات أبراهام: كيف قادت أوهام التطبيع إلى هندسة حروب الشرق الأوسط الجديدة

رسالة واشنطن




سعيد عريقات – 10/5/2026


تحليل إخباري


شكّل اتفاق أبراهام، الذي وُقّع في البيت الأبيض في 15 أيلول 2020 برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (في دورته الأولى)، نقطة تحول كبرى في بنية التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، بعدما جرى تسويقه باعتباره "بوابة السلام" بين إسرائيل والعالم العربي. لكن مقالاً تحليلياً نشره مات دص وزوري لاينتسكي في مجلة فورين بوليسي Foreign Policy  الخميس الماضي، قدّم صورة معاكسة تماماً، معتبراً أن الاتفاقات لم تؤسس لسلام دائم، بل ساهمت في إنتاج مرحلة أكثر عنفاً واضطراباً في المنطقة، ووفرت غطاءً سياسياً وعسكرياً لتوسيع الحروب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وإيران.


ويرى الكاتبان أن إدارة ترمب، ثم إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لاحقاً، تعاملتا مع الاتفاقات بوصفها إنجازاً استراتيجياً قادراً على تجاوز القضية الفلسطينية عبر بناء تحالف أمني واقتصادي بين إسرائيل ودول الخليج. غير أن ما جرى عملياً، بحسب المقال، كان نقل مركز الثقل من "السلام مقابل الحل السياسي" إلى "السلام مقابل التحالف العسكري"، وهو تحول عمّق الاستقطاب الإقليمي بدل تخفيفه.


لم يكن اتفاق أبراهام مجرد عملية تطبيع دبلوماسي بين إسرائيل وبعض الدول العربية، بل كان إعادة صياغة كاملة لأولويات المنطقة وفق رؤية أميركية إسرائيلية مشتركة. جرى التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها عبئاً يمكن تجاوزه عبر التحالفات الأمنية والاقتصادية، لا باعتبارها جوهر الصراع في الشرق الأوسط. هذا التحول فتح الباب أمام إسرائيل لتوسيع سياساتها الاستيطانية والعسكرية دون خشية من عزلة عربية حقيقية. كما عزز الاعتقاد داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن التطبيع مع الأنظمة العربية أهم من أي تسوية مع الفلسطينيين، وهو ما أدى لاحقاً إلى انفجار أوسع للعنف وعدم الاستقرار في المنطقة بأسرها.


ويشير المقال إلى أن الاتفاقات ارتبطت منذ البداية بهدف استراتيجي واضح يتمثل في بناء محور إقليمي مضاد لإيران، وهو ما تجسد لاحقاً في القوانين التي أقرها الكونغرس الأميركي لتعزيز التعاون الدفاعي بين إسرائيل ودول الخليج، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي. كما أدى نقل إسرائيل إلى نطاق القيادة المركزية الأميركية إلى تسهيل التنسيق العسكري والاستخباراتي مع الإمارات والبحرين ودول أخرى.


وبحسب الكاتبين، فإن هذه البنية العسكرية الجديدة لم تقتصر على الدفاع، بل أسهمت في جعل العمليات العسكرية الإسرائيلية بعيدة المدى أكثر سهولة، سواء عبر المجال الجوي الخليجي أو عبر منظومات الرصد والتعاون الأمني. كما ارتفعت صادرات السلاح الإسرائيلية إلى الدول الموقعة على الاتفاقات بشكل غير مسبوق، لتتحول العلاقات الجديدة إلى شراكة عسكرية متكاملة تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي.


تكشف التجربة أن التحالفات العسكرية التي تُبنى على تجاهل جذور الصراع لا تنتج استقراراً طويل الأمد، بل تؤسس لانفجارات أكبر لاحقاً. فبدلاً من استخدام التطبيع للضغط على إسرائيل من أجل إنهاء الاحتلال، تحولت العلاقات الجديدة إلى شبكة حماية سياسية وعسكرية لها. هذا الواقع شجع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تصعيد سياساتها في الضفة الغربية وغزة، لأنها شعرت بأن علاقاتها العربية لم تعد مرتبطة بأي ثمن سياسي تجاه الفلسطينيين. ومع غياب المحاسبة الدولية، تحولت القوة العسكرية الإسرائيلية إلى أداة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية بالقوة، وليس عبر التسويات السياسية والدبلوماسية.


ويؤكد المقال أن الفلسطينيين كانوا الخاسر الأكبر من اتفاقات أبراهام، بعدما جرى تهميش قضيتهم لصالح أولويات أمنية إقليمية. فرغم الوعود بأن التطبيع سيقود لاحقاً إلى تحسين ظروف الفلسطينيين، شهدت الضفة الغربية تصاعداً كبيراً في اعتداءات المستوطنين والتوسع والعنف الاستيطاني بعد توقيع الاتفاقات. كما تراجعت المساعدات الخليجية لوكالة "الأونروا"، في مؤشر واضح على تراجع مركزية القضية الفلسطينية في الحسابات العربية الرسمية.


ويلفت الكاتبان إلى أن حركة "حماس" رأت في مسار التطبيع تهديداً استراتيجياً مباشراً للقضية الفلسطينية، وهو ما يفسر، وفق وثائق إسرائيلية أشار إليها المقال، أحد دوافع هجوم السابع من تشرين الأول 2023، الذي سعى إلى تعطيل مسار التطبيع ومنع انضمام السعودية إليه قبل تحقيق أي تقدم سياسي للفلسطينيين.


ومع اندلاع حرب الإبادة على غزة، ثم اتساع المواجهة بين إسرائيل وإيران، برزت نتائج التحالفات الجديدة بصورة أكثر وضوحاً. فالدول الخليجية التي نسجت علاقات أمنية متقدمة مع إسرائيل شاركت، بدرجات متفاوتة، في تبادل المعلومات والرصد الجوي خلال المواجهات الصاروخية مع إيران، فيما واصلت واشنطن تعزيز البنية العسكرية المشتركة التي تأسست بعد اتفاقات أبراهام.


المفارقة الأساسية أن الاتفاقات التي قُدمت باعتبارها مشروعاً للسلام، تحولت تدريجياً إلى منصة لإدارة الحروب. فبدلاً من خفض التوتر، جرى دمج إسرائيل في منظومة أمنية إقليمية منحتها شعوراً بتفوق استراتيجي دائم، ودعمت نزعة الحسم العسكري داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية. وفي المقابل، شعرت إيران ومحور حلفائها بأنهم أمام تحالف يستهدفهم وجودياً، ما دفع المنطقة إلى سباق تصعيد متواصل. هكذا أصبحت المنطقة أقل استقراراً وأكثر عسكرة، بينما بقيت القضية الفلسطينية، التي يفترض أنها جوهر الصراع، دون أي حل حقيقي أو أفق سياسي قابل للحياة.


لم تحقق اتفاقات أبراهام "شرق أوسط جديداً" كما وعد ترمب، بل ساهمت في إنتاج واقع أكثر خطورة، يقوم على التحالفات العسكرية وصفقات السلاح وتهميش الحقوق الفلسطينية. وبحسب المقال، فإن تجاهل جذور الصراع الحقيقي جعل الاتفاقات عاجزة عن تحقيق السلام، لأن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يقوم على القوة وحدها، بل على معالجة القضية الفلسطينية باعتبارها المدخل الأساسي لأي تسوية إقليمية مستدامة.  


تكشف الوقائع المتراكمة منذ توقيع اتفاقات أبراهام أن أحد أهدافها كان إعادة صياغة القضية الفلسطينية بوصفها مسألة إنسانية وإدارية، لا قضية تحرر وطني وإنهاء احتلال. فقد جرى الترويج لخرائط ومشاريع اقتصادية وممرات تجارية باعتبارها بديلاً عن الحقوق السياسية الفلسطينية، في محاولة لصرف الأنظار عن الاستيطان والضم التدريجي للأراضي المحتلة. وفي الوقت نفسه، استمرت إسرائيل في تكريس واقع الكنتونات الفلسطينية المعزولة والمحاصرة في الضفة الغربية وغزة، بما يمنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة. هكذا تحوّل التطبيع، عملياً، إلى أداة لمنح الاحتلال شرعية إقليمية طويلة الأمد وتصفية جوهر القضية الفلسطينية سياسياً وتاريخيا.

دلالات

شارك برأيك

اتفاقات أبراهام: كيف قادت أوهام التطبيع إلى هندسة حروب الشرق الأوسط الجديدة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.