عربي ودولي

الثّلاثاء 05 مايو 2026 5:23 مساءً - بتوقيت القدس

إعادة تموضع جيوسياسي: هل تتجه العلاقات السعودية الإماراتية نحو قطيعة استراتيجية؟

تشهد المنطقة العربية تحولات دراماتيكية في خارطة التحالفات التقليدية، حيث برزت مؤخراً ملامح صدام مكتوم بين القطبين الخليجيين، السعودية والإمارات. هذا التوتر لم يعد حبيس الغرف المغلقة، بل بدأ يظهر بوضوح في ملفات إقليمية شائكة بدءاً من اليمن وصولاً إلى السودان والقرن الأفريقي.

يرى مراقبون أن تسمية الولايات المتحدة للإمارات كشريك دفاع رئيسي في عام 2024، قد منح أبو ظبي ضوءاً أخضر للتحرك بشكل أكثر استقلالية عن المظلة السعودية التقليدية. هذا التحول دفع الإمارات لتصوير نفسها كدولة 'خط أمامي' في مواجهة القوى الإقليمية، مما أثار حفيظة الرياض التي تسعى للحفاظ على وحدة الصف الخليجي.

في اليمن، تجلى الصراع في محاولات السيطرة على الموانئ الاستراتيجية ومضيق باب المندب، حيث عملت السعودية على تقليص النفوذ الإماراتي وحماية مصالحها الحيوية. وتؤكد مصادر أن هذا التنافس امتد ليشمل الساحة السودانية، حيث تباينت الأجندات حول دعم الأطراف المتصارعة هناك تحت غطاء حماية الاستثمارات.

القرار الإماراتي بالانسحاب من منظمة 'أوبك' و'أوبك بلس' والمنظمة العربية 'أوابك' شكل هزة قوية في أسواق الطاقة العالمية وفي أروقة القرار السعودي. هذا التحرك اعتبره محللون محاولة للتحرر من القيود التي تفرضها الرياض على إنتاج النفط، مما يتيح لأبو ظبي تمويل مشاريعها التوسعية بعيداً عن التنسيق الجماعي.

رد الفعل السعودي لم يتأخر كثيراً، حيث جاءت تصريحات وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان حازمة تجاه من وصفهم بـ'المقامرين' في سوق النفط. هذا الخطاب يعكس حجم الفجوة الآخذة في الاتساع بين الرؤيتين الاقتصاديتين للدولتين، وإصرار المملكة على قيادة دفة السياسة النفطية العالمية.

على الصعيد الدبلوماسي، قلل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من أهمية الخطوة الإماراتية، واصفاً إياها بـ'لا حدث' ومؤكداً أن السعودية تظل الركيزة الأساسية في منظمة أوبك. هذا الموقف يعكس اصطفافاً عربياً يميل نحو الحفاظ على الثقل السعودي في مواجهة التحركات الإماراتية المنفردة.

في نهاية أبريل الماضي، نظمت أبو ظبي تجمعاً ضخماً لشخصيات مؤثرة وصناع رأي لترسيخ 'السردية الإماراتية' الجديدة حول أحداث المنطقة. هذا المؤتمر لم يخلُ من تلميحات هجومية تجاه مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية، مما يشير إلى رغبة إماراتية في صياغة خطاب إعلامي بديل.

برزت السعودية في هذا الخطاب ليس كحليف استراتيجي، بل كطرف يتبنى مواقف 'مهادنة' تجاه بعض القضايا الإقليمية، وهو ما ترفضه أبو ظبي التي تتبنى خطاباً أكثر حدة. هذا التباين في الرؤى يضع مستقبل العمل الخليجي المشترك على المحك، خاصة مع تزايد الاتهامات المتبادلة بين المؤثرين في كلا البلدين.

التصريحات الصادرة عن بعض المقربين من دوائر صنع القرار في الإمارات بدأت تأخذ منحى غير مألوف، حيث يتم وصف السياسة السعودية بـ'الحذر المفرط'. في المقابل، يتم الترويج لصورة 'الصقر' الإماراتي الذي يحلق منفرداً في سماء السياسة الدولية، بعيداً عن قيود 'الأخ الأكبر'.

تاريخياً، كانت دول الخليج تحرص على عدم المساس بالرموز السياسية لبعضها البعض، إلا أن القواعد الجديدة للعبة السياسية كسرت هذه المحرمات. وباتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة لحرب كلامية تعكس عمق الخلافات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالعلاقات الثنائية.

تتجه الأنظار الآن نحو إمكانية خروج الإمارات من مجلس التعاون الخليجي، الذي قد تراه أبو ظبي حيزاً ضيقاً لا يتسع لطموحاتها الجيوسياسية. هذا الاحتمال، وإن كان مستبعداً في المدى القريب، إلا أن المؤشرات الحالية تدل على رغبة في بناء تحالفات بديلة تتجاوز الإطار العربي التقليدي.

التعاون العسكري بين الإمارات وإسرائيل، بما في ذلك نشر منظومات دفاعية متطورة، يمثل نقطة تحول جوهرية في التوازن الأمني الإقليمي. هذا التقارب يثير مخاوف السعودية التي ترى فيه اختراقاً قد يؤدي إلى فوضى شاملة في حال تصاعدت المواجهات العسكرية في المنطقة.

تسعى الإمارات لتقديم نفسها كجزء من تحالف تكنولوجي وعسكري جديد، معتبرة أن هذا المسار هو الضمانة الحقيقية لأمنها القومي. هذا التوجه يتصادم مع الرؤية السعودية التي تفضل الحلول الدبلوماسية والاحتواء في التعامل مع الملفات الإقليمية المعقدة، خاصة الملف الإيراني.

في الختام، يبقى التساؤل قائماً حول قدرة السعودية بخبراتها المتراكمة على احتواء هذه الطموحات الإماراتية المتصاعدة. إن الصراع الحالي يتجاوز مجرد الخلاف على حصص النفط، ليصل إلى جوهر القيادة الإقليمية وشكل التحالفات التي ستحدد مستقبل الشرق الأوسط في العقد القادم.

دلالات

شارك برأيك

إعادة تموضع جيوسياسي: هل تتجه العلاقات السعودية الإماراتية نحو قطيعة استراتيجية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.