منوعات

الإثنين 13 أبريل 2026 2:27 مساءً - بتوقيت القدس

الظل السائر.. رحلة غريغ دوران في البحث عن الخلاص بين الفقد وإرث شكسبير

يقدم المخرج البريطاني الشهير غريغ دوران في كتابه الأحدث 'الظل السائر: الحب والفقدان وشكسبير' تجربة فكرية تتجاوز الأطر التقليدية للسير الذاتية. يغوص الكتاب في أعماق النفس البشرية عند مواجهة الفقد، مستنداً إلى قدرة الثقافة والمسرح على ترميم المعاني المكسورة أمام حقيقة الموت الحتمية.

وقد حظي العمل بمراجعة نقدية موسعة في الصحافة الدولية، حيث وصفه النقاد بأنه نص مركب يزاوج بين قسوة يوميات الاحتضار وبين رحلة البحث عن الخلاص عبر الأدب الرفيع. لا يتبع الكتاب مساراً زمنياً خطياً، بل يتشكل من بنية مزدوجة تربط بين الوجع الشخصي والتاريخ الأدبي العالمي.

يركز الجزء الأول من الكتاب على توثيق اللحظات الأخيرة في حياة الممثل الراحل أنتوني شير، شريك حياة دوران، ومعاناته مع المرض العضال. وتتجلى في هذه الصفحات مشاعر الفقد العميقة التي صاغها المخرج بأسلوب تأملي يبتعد عن الرثاء التقليدي نحو فهم أعمق لطبيعة الغياب.

أما الجزء الثاني، فينطلق فيه دوران في رحلة عالمية غير مألوفة، مقتفياً أثر نسخ 'الفوليو الأول' لمسرحيات ويليام شكسبير الموزعة في مكتبات العالم. وتتحول هذه الرحلة من مجرد بحث أكاديمي أو ببليوغرافي إلى مسعى وجودي لاستعادة التوازن النفسي بعد الصدمة.

يمثل 'الفوليو الأول' الذي نُشر عام 1623 حجر الزاوية في هذا العمل، كونه المجلد الذي أنقذ 36 مسرحية شكسبيرية من الضياع الأبدي. ويرى دوران في نجاة هذا النص من الفناء رمزاً لقدرة الإبداع البشري على مقاومة الاندثار والبقاء حياً رغم رحيل المبدعين.

ويطرح الكتاب تساؤلات جوهرية حول كيفية استمرار الثقافة في منح المعنى للحياة في ظل الفقدانات المتكررة التي يواجهها الإنسان. فالبحث عن النسخ القديمة للمسرحيات يصبح هنا نوعاً من البحث عن الاستمرارية والخلود في عالم يتسم بالهشاشة والزوال.

يُعرف غريغ دوران بكونه أحد أعمدة المسرح البريطاني المعاصر، خاصة خلال فترة إدارته الفنية للفرقة الملكية شكسبير. وقد عُرف بمقاربته التي تمزج بين الكلاسيكية والتحليل النفسي الحديث، مما جعل نصوص شكسبير تبدو وكأنها كُتبت لواقعنا المعاصر.

لكن في 'الظل السائر'، نلمس تحولاً جذرياً في مسيرة دوران من مخرج يوجه الممثلين على الخشبة إلى كاتب يواجه أحزانه الخاصة. لقد أصبح المسرح بالنسبة له أكثر من مجرد مهنة، بل تحول إلى مختبر لاستكشاف الحزن وتحويل الألم الشخصي إلى قيمة جمالية.

يظهر شكسبير في ثنايا الكتاب كحاضر دائم وشريك في تجربة الحداد، وليس مجرد كاتب من العصور الوسطى. فنصوصه التي تتأمل في الموت والزمن والحب، تمنح دوران مرآة يرى من خلالها تفاصيل فقده الشخصي ضمن سياق إنساني كوني شامل.

إن القوة الكامنة في هذا العمل تنبع من قدرته على جسر الهوة بين ما هو فردي خاص وما هو عالمي عام. فالحزن الذي يعبر عنه المخرج ليس مجرد رثاء لشريكه، بل هو تأمل في مصير الإنسان وقدرته على النجاة عبر اللغة والذاكرة.

وتشير القراءات النقدية إلى أن الكتاب ينجح في تحويل 'يوميات الحزن' إلى مادة معرفية ثرية تهم القارئ العادي والمتخصص على حد سواء. فهو يقدم دروساً في كيفية استعادة الشغف بالحياة من خلال الانغماس في الجماليات الأدبية والتاريخية.

وفي نهاية المطاف، يبدو 'الظل السائر' وكأنه صرخة في وجه النسيان، ومحاولة لإثبات أن الحب يمكن أن ينجو عبر النصوص المكتوبة. إنها رحلة في دهاليز الذاكرة الثقافية التي تمنحنا الأدوات اللازمة لفهم الفقد والتعايش معه دون الانكسار أمامه.

يستنتج دوران في كتابه أن الكتب ليست مجرد أوراق مجلدة، بل هي أوعية للأرواح والأفكار التي تتحدى الزمن. ومن خلال تتبعه لنسخ الفوليو، يكتشف أن كل نسخة تحمل قصة نجاة تتقاطع مع قصته الشخصية في البحث عن معنى للبقاء.

يبقى هذا العمل وثيقة إنسانية رفيعة المستوى، تذكرنا بأن الأدب العظيم هو الذي يسندنا في لحظاتنا الأكثر عتمة. إنه كتاب عن الموت بقدر ما هو كتاب عن الحياة، وعن القوة الكامنة في الكلمات التي تجعل الظلال السائرة تترك أثراً لا يمحى.

دلالات

شارك برأيك

الظل السائر.. رحلة غريغ دوران في البحث عن الخلاص بين الفقد وإرث شكسبير

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.