رغم الكثافة النيرانية والقوة الجوية الهائلة التي تسخرها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل في المواجهة الحالية مع إيران، إلا أن الواقع الميداني لا يشير حتى اللحظة إلى تراجع ملموس في قدرات النظام الإيراني. وتتصاعد التساؤلات في الأوساط العسكرية حول جدوى الاعتماد الكلي على الهجمات الجوية، في ظل غياب بوادر حقيقية لحسم المعركة أو إجبار طهران على تغيير سلوكها الاستراتيجي.
وتشير تقارير عبرية إلى أن البيانات الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تكتفي برسم صورة عامة للضربات، دون الخوض في تفاصيل تقييم الأضرار الدقيقة أو نوعية الذخائر المستخدمة. هذا الغموض يراه خبراء عسكريون دليلاً على وجود قيود جوهرية تمنع القوة الجوية من تحقيق نتائج حاسمة على الأرض، مما يضعف من فعالية الحملة العسكرية المستمرة.
وفي هذا السياق، لفتت الباحثة كيلي غريكو من مركز ستيمسون إلى أن الأهداف التي تعلنها واشنطن تعكس بوضوح حدود ما يمكن للطائرات تحقيقه. وأوضحت غريكو أن استمرار الحديث عن خيارات برية يعزز القناعة بأن السيطرة الجوية وحدها لا تكفي لتدمير القدرات الإيرانية المتجذرة، وهو ما يفسر التحركات الأمريكية الأخيرة في المنطقة.
وبالتوازي مع المسارات الدبلوماسية المترددة، بدأت واشنطن فعلياً في تعزيز قبضتها العسكرية عبر نشر وحدات إضافية من مشاة البحرية ونحو ألفي جندي مظلي ضمن قوات الرد السريع. هذه التحركات رفعت إجمالي القوات الأمريكية المنخرطة في العمليات إلى قرابة 50 ألف جندي، مما يشير إلى استعدادات لسيناريوهات تتجاوز مجرد القصف الجوي المحدود.
وتسود حالة من القلق داخل الدوائر السياسية في واشنطن من الانزلاق مجدداً في 'مستنقع' إقليمي جديد يعيد للأذهان تجارب العراق وأفغانستان المريرة. ويرى مراقبون أن أي تورط بري سيواجه رفضاً شعبياً واسعاً، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية التي تعيشها الولايات المتحدة، مما يجعل قرار التصعيد البري مقامرة كبرى.
أي تدخل بري محتمل في إيران قد يكون أكثر كلفة وتعقيداً من حرب العراق، والرأي العام الأمريكي غير مستعد لتبعات حرب طويلة جديدة.
من جانبه، حذر الباحث ويليام هارتونغ من معهد كوينسي من أن المواجهة البرية مع إيران ستكون أكثر تعقيداً وباهظة الثمن مقارنة بأي صراع سابق خاضته واشنطن في الشرق الأوسط. وأكد هارتونغ أن الطبيعة الجغرافية والقدرات الدفاعية الإيرانية تجعل من فكرة النصر السريع وهماً قد يكلف الجيش الأمريكي خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة.
وتتجه الأنظار نحو أهداف استراتيجية قد تكون محور التصعيد القادم، مثل جزيرة خارك التي تعد الشريان الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، أو المنشآت النووية المحصنة. غير أن مصادر مطلعة تؤكد أن إيران استعدت لهذه السيناريوهات عبر شبكة دفاعية هجينة تعتمد على الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، مما يجعل الوصول لهذه الأهداف محفوفاً بالمخاطر.
وتعتمد طهران في مواجهتها الحالية على استراتيجية 'الاستنزاف طويل الأمد'، حيث لا تهدف إلى كسر التفوق الجوي الأمريكي بل إلى جعل كلفة البقاء في الأجواء الإيرانية باهظة جداً. ويبرز هنا مفهوم 'الحرمان الجوي' الذي يستخدم مسيرات رخيصة الثمن لإجبار الخصم على استنزاف صواريخ اعتراضية باهظة التكاليف، مما يخلق خللاً في ميزان الإنفاق العسكري.
وفي نهاية المطاف، يحذر المحللون من أن استمرار العمليات العسكرية دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً. إذ يُخشى أن تخرج إيران من هذه المواجهة أكثر إصراراً على تسريع برنامجها النووي كدرع أخير لحماية نظامها، مما يحول الصراع الحالي إلى فتيل لانفجار إقليمي شامل لا يمكن التنبؤ بنهايته.





شارك برأيك
معضلة الحسم الجوي: هل تنزلق واشنطن إلى 'المستنقع' الإيراني؟