تحليل

الأحد 29 مارس 2026 1:58 مساءً - بتوقيت القدس

اليوان والزيتون: استراتيجية بكين لفرض 'السلام الخشن' في الشرق الأوسط

يشهد النظام الدولي منذ عام 2022 تحولات بنيوية متسارعة، حيث شكلت الحرب الأوكرانية شرارتها الأولى، ثم جاءت التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط لتعمق الانقسام بين النظام الغربي بقيادة واشنطن والنظام الموازي الصاعد بقيادة مزدوجة من روسيا والصين. لم يعد الصراع الدائر مجرد نزاع عسكري إقليمي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لشرعية النماذج الحوكمية المتنافسة بين 'القواعد الليبرالية الغربية' ونموذج 'السيادة المطلقة وتعددية الأقطاب'.

في قلب هذه المعادلة، تبرز الصين كالفاعل الأكثر حكمة وصبراً، إذ تتجنب الانخراط العسكري المباشر بينما تُحكم قبضتها الاقتصادية والدبلوماسية على مفاصل الأزمات الدولية. وتعتمد بكين في استراتيجيتها على رسم حدود نفوذ قادم عبر اليوان الرقمي وعقود الإعمار الضخمة، محولة المنطقة من ساحة نفوذ تقليدي إلى ضاحية اقتصادية كبرى تابعة لها.

لا يمكن قراءة الدور الصيني دون استيعاب الموقع الروسي المُثقل، فموسكو هي اللاعب الذي يخوض حرب الاستنزاف بالوكالة عن محور متشكّل بحذر، فيما تجني بكين الثمار بتكلفة أدنى بكثير. وقد نجحت روسيا في بناء اقتصاد حرب مقاوم للعقوبات، حيث بلغت إيراداتها من الطاقة نحو 320 مليار دولار في 2025 بفضل الصفقات الآسيوية، مما قلص اعتمادها التاريخي على القارة الأوروبية.

رغم المكاسب الميدانية، تواجه موسكو خسائر واستنزافاً هيكلياً يتمثل في فاتورة بشرية باهظة وعزلة مالية خانقة بعد الخروج من منظومة 'SWIFT'. هذا الوضع حول موسكو من شريك ندّي إلى تابع ضروري لبكين، حيث تتم الآن تسوية أكثر من 70 في المئة من مدفوعات الطاقة الروسية باليوان، مما يمنح الصين حق فيتو اقتصادي غير معلن على القرارات السيادية الروسية.

دخول المبعوثين الصينيين إلى مسرح الأزمات في الشرق الأوسط لم يعد مجرد مسعى دبلوماسي مألوف، بل هو إعلان صريح عن انتهاء عصر التفرد الأمريكي في المنطقة. ما تمارسه بكين اليوم يُعرف بـ 'الدبلوماسية الخشنة الصامتة'، وهي فرض شروط التفاوض كأمر واقع باستخدام أدوات تمتد من أسواق رأس المال إلى التحكم في سلاسل التوريد العالمية.

تعتبر الصين أكبر مستورد للنفط عالمياً بمعدل يتجاوز 11 مليون برميل يومياً، ولذلك فإن أي اضطراب في مضيق هرمز يمثل تهديداً مباشراً لمصانعها ونموها الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، تستخدم بكين نفوذها لفرض 'التفاوض الخشن' على طهران عبر مقايضة الدعم المالي والتقني بتنازلات تكتيكية تضمن استقرار النظام الإيراني كحليف استراتيجي.

في المقابل، تلوح بكين لواشنطن وتل أبيب بورقة تقييد تصدير المعادن النادرة التي تسيطر على نحو 90% من إنتاجها العالمي، وهي معادن حيوية للصناعات الدفاعية الأمريكية. كما يمثل التهديد ببيع سندات الخزينة الأمريكية أداة ضغط مالية تجعل تكلفة أي مواجهة عسكرية باهظة جداً على الاقتصاد الأمريكي مقارنة بالمكاسب الميدانية المحتملة.

تستغل بكين الفراغ الذي خلفته السياسات الأمريكية لتسويق 'مبادرة الأمن العالمي' كبديل مؤسسي للتحالفات الغربية التقليدية. وتسعى الصين لنقل منصات التفاوض الدولية إلى عواصم مثل الرياض أو بكين تحت مظلة 'بريكس+'، لترسيخ فكرة أن الحلول السياسية الكبرى لم تعد تصدر من العواصم الغربية وحدها.

يتضمن مشروع 'مارشال الآسيوي' الذي تطرحه الصين حزمة إعمار ضخمة للبنية التحتية المدمرة في المنطقة، ولكن بشروط سيادية صلبة تشمل التمويل الحصري باليوان الرقمي. كما تهدف بكين لربط الشبكات القومية بالمعايير التقنية الصينية، بما في ذلك شبكات الجيل السادس ومنصات الحوكمة الذكية، مما يوجه ضربة قاضية لجوهر 'البترودولار'.

السيادة في عام 2026 لم تعد تقتصر على السيطرة الجغرافية، بل انتقلت إلى ما يُعرف بـ 'السيادة التقنية' والتحكم في الذكاء الاصطناعي وسلاسل توريد أشباه الموصلات. ومن يمتلك القدرة على تشغيل شبكات البيانات العابرة للمحيطات يمتلك القدرة الفعلية على توجيه مسارات السياسة الدولية والتحكم في تدفق المعلومات.

تواجه الولايات المتحدة تحدياً وجودياً لنظام 'البترودولار' الذي هيمن على العالم منذ السبعينيات، ومع تزايد تسعير النفط باليوان، تسارع واشنطن نحو إطلاق 'الدولار الرقمي'. تهدف هذه الخطوة للحفاظ على مكانة العملة الأمريكية كاحتياطي عالمي وتعزيز القدرة على مراقبة التدفقات المالية وفرض العقوبات بفاعلية تقنية.

يدور جدل استراتيجي حول طبيعة النفوذ الصيني، وما إذا كان توسعاً براغماتياً أم مشروع هيمنة جديد، والحقيقة أنه يجمع بين الاثنين معاً في إطار مؤسسي ومعياري. ورغم هذا الصعود، تظل هناك نقاط هشاشة تتمثل في الاعتماد المفرط على استقرار بعض الأنظمة الإقليمية ومخاطر 'فخ الديون' التي قد تثير ريبة القوى المحلية.

إن استراتيجية 'طريق الحرير الرقمي' تجعل من بكين المشغل الفعلي لشبكات البيانات في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا عبر كابلات الألياف الضوئية. هذا التمدد الرقمي يجعل الحدود الجغرافية هشة أمام النفوذ التقني الصيني، ويعيد صياغة مفهوم التبعية الاقتصادية في العصر الحديث.

في الختام، تنجح بكين في ضرب عصفورين بحجر واحد: إنهاء الصراعات بشروط تضمن تدفق الطاقة، وتكريس نفسها كزعيم للنظام الدولي الجديد. وبينما تترك لواشنطن فاتورة الدمار والحروب، تحتفظ لنفسها بعقود البناء وصياغة المستقبل، مؤكدة أن اليوان هو اللغة الجديدة للسلام في المنطقة.

دلالات

شارك برأيك

اليوان والزيتون: استراتيجية بكين لفرض 'السلام الخشن' في الشرق الأوسط

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.