تحليل

الجمعة 27 مارس 2026 6:38 مساءً - بتوقيت القدس

فانس وبخ نتنياهو ويعيد ضبط التوقعات الإسرائيلية بشأن إيران

رسالة واشنطن


واشنطن - سعيد عريقات - 27/3/2026

أفاد موقع "أكسيوس" بأن مكالمة هاتفية وُصفت بالمتوترة جرت هذا الأسبوع بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في لحظة حساسة من تطورات الحرب المرتبطة بإيران. وبحسب التقرير، لم تكن المكالمة بروتوكولية أو عابرة، بل حملت نبرة توبيخ واضحة من جانب فانس، الذي عبّر عن استيائه من التقديرات التي قدّمها نتنياهو بشأن مسار الحرب وإمكاناتها. وتركّزت الانتقادات تحديداً على ما اعتبره الجانب الأميركي مبالغة في تصوير فرص تحقيق اختراق استراتيجي سريع، بما في ذلك الحديث عن إمكانية تغيير النظام في إيران، وهو طرح بدا، وفق التقييم الأميركي، أقرب إلى الرغبة السياسية منه إلى القراءة الواقعية لمعطيات الميدان.

ويشير التقرير إلى أن نتنياهو، قبل اندلاع المواجهة، قدّم تصورات للرئيس الأميركي دونالد ترمب توحي بإمكانية تحقيق أهداف واسعة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، مستنداً إلى تقدير مفاده أن الضغوط العسكرية قد تُفضي إلى نتائج سياسية داخل إيران. غير أن هذه الرؤية، وفق ما نقل عن مسؤولين أميركيين، لم تحظَ بإجماع داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، حيث تبنّى فانس موقفاً أكثر حذراً، ينطلق من خبرة سياسية ترى أن إسقاط الأنظمة أو تغييرها عبر الضغط الخارجي غالباً ما يكون مساراً معقداً ومكلفاً وغير مضمون النتائج. ومن هنا، جاءت ملاحظاته لنتنياهو بوصفها محاولة لإعادة ضبط سقف التوقعات، وليس فقط تسجيل موقف اعتراضي.

وفي موازاة ذلك، يلعب فانس دوراً متقدماً في المسار التفاوضي المرتبط بوقف إطلاق النار، إلى جانب عدد من المسؤولين الأميركيين المعنيين، ما يمنحه ثقلاً إضافياً في تحديد اتجاه السياسة الأميركية. ويُنظر إلى فانس، منذ فترة، على أنه من الأصوات التي تعارض الانخراط في حروب خارجية مفتوحة، وهو ما ينعكس على مقاربته للملف الإيراني، حيث يفضّل الجمع بين الضغط والاحتواء، بدلاً من الذهاب نحو رهانات كبرى قد يصعب التحكم بمآلاتها. هذا التباين في الرؤى بينه وبين نتنياهو لا يعكس فقط اختلافاً شخصياً، بل يكشف عن تباين أعمق في تقدير طبيعة الصراع وحدوده.

التقرير يذهب أبعد من ذلك، إذ ينقل عن مسؤول أميركي اتهامات لإسرائيل بمحاولة تقويض مكانة فانس داخل المشهد السياسي والإعلامي، عبر تسريب روايات تفيد بأن إيران تفضّله كمحاور أكثر مرونة واستعداداً للتوصل إلى اتفاق. ورغم أن الموقع يشير بوضوح إلى غياب أدلة قاطعة تثبت وجود مثل هذه الحملة، فإن مجرد تداول هذا الاتهام يعكس مستوى من التوتر والشكوك داخل العلاقة الثنائية. كما يسلّط الضوء على حساسية موقع فانس، الذي يجد نفسه في قلب توازن دقيق بين كونه مفاوضاً رئيسياً، وكونه أيضاً عرضة للتجاذبات السياسية والإعلامية.

وفي هذا السياق، نقل التقرير عن مسؤول أميركي رفيع قوله إن فانس قد يكون الخيار الأكثر واقعية للتوصل إلى اتفاق مع إيران، بل ذهب إلى حد القول إن فشل التوصل إلى اتفاق عبره قد يعني غياب أي فرصة لاتفاق من الأساس. هذه العبارة، على ما تحمله من دلالة دعم، تعكس أيضاً حجم الرهان الموضوع على شخصية واحدة في إدارة ملف بالغ التعقيد، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، وتتقاطع الضغوط السياسية مع الاعتبارات الأمنية.

وفي قراءة أوسع لهذه المعطيات، تبدو الواقعة كاشفة عن فجوة بنيوية في الرؤية الإستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، تتجاوز الخلاف التكتيكي إلى مستوى تعريف الأهداف نفسها. فبينما يميل نتنياهو إلى تبنّي خطاب يقوم على فرضية إمكانية إعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر القوة، يعكس فانس توجهاً أميركياً أكثر حذراً، يتعامل مع الصراع بوصفه شبكة معقدة من التفاعلات لا يمكن حسمها بضربة واحدة. هذا التباين يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً حول حدود القوة العسكرية، ودورها في تحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى.

كما أن الاتهامات المتعلقة بمحاولة تقويض مكانة فانس تضيف بعداً آخر للتوتر، يرتبط بإدارة النفوذ داخل واشنطن بقدر ما يرتبط بالعلاقة مع إسرائيل. فطرح فكرة وجود "عملية" إعلامية أو سياسية تستهدف نائب الرئيس يشير إلى تصاعد الشكوك بين الحلفاء، وربما إلى اختلاف في الرهانات على من يقود المرحلة المقبلة. وفي الوقت ذاته، لا يمكن استبعاد أن تكون هذه السرديات جزءاً من صراع داخلي أميركي، يُستخدم فيه الملف الإيراني لتعزيز مواقع سياسية متنافسة داخل الإدارة.

في المحصلة، يبرز فانس كشخصية محورية في لحظة تتسم بقدر عالٍ من الحرج الإستراتيجي، حيث لم تتبلور بعد ملامح نهاية الصراع ولا شكل التسوية المحتملة. غير أن تقديمه كـ"الخيار الأفضل" يحمل في طياته تحدياً مزدوجاً: فمن جهة، يرفع سقف التوقعات من أدائه، ومن جهة أخرى يعرّضه لانتقادات داخلية قد تتهمه بتقديم تنازلات. وبين هذين الحدّين، سيكون على فانس أن يوازن بين الواقعية السياسية ومتطلبات الصلابة، في بيئة شديدة التعقيد والتقلب.

دلالات

شارك برأيك

فانس وبخ نتنياهو ويعيد ضبط التوقعات الإسرائيلية بشأن إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.