تحليل إخباري
في تبريره للتراجع عن تهديده بقصف مراكز الطاقة الإيرانية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن هناك مفاوضات جارية مع طهران، واصفًا إياها بأنها مثمرة وتحمل مؤشرات إيجابية. غير أن هذا الطرح قوبل بنفي إيراني قاطع، إذ أكدت طهران عدم وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة في هذا السياق. هذا التناقض لا يبدو مجرد اختلاف في التصريحات، بل يعكس على الأرجح استخدامًا سياسيًا مدروسًا للخطاب، حيث قد يشكل الحديث عن "مفاوضات" غطاءً دبلوماسيًا لتبرير التراجع، أو إشارة إلى قنوات اتصال غير معلنة لم ترتقِ بعد إلى مستوى التفاوض الرسمي.
بالتوازي مع هذا التباين، تتصاعد مؤشرات واضحة على حراك دبلوماسي نشط يهدف إلى احتواء الأزمة. فقد أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي سلسلة اتصالات مكثفة مع نظرائه في سلطنة عُمان وباكستان وأذربيجان وتركمانستان وكوريا الجنوبية، في خطوة تعكس محاولة منظمة لتوسيع دائرة الوساطات. وفي الاتصال مع وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، تم التركيز على التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، مع الاتفاق على استمرار المشاورات، ما يعزز الدور التقليدي لمسقط كقناة تواصل موثوقة في الأزمات المعقدة. كما تناول الاتصال مع وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار تطورات الموقف الإقليمي، في ضوء التواصل بين قيادتي البلدين، مع التشديد على أهمية الحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد. هذه التحركات، إلى جانب انخراط أطراف آسيوية أخرى، توحي بوجود مسار دبلوماسي متعدد الأطراف يعمل بوتيرة متسارعة خلف الكواليس، وربما أسهم في تهيئة بيئة ملائمة لخفض التصعيد.
ورغم أهمية هذا المسار، فإن تفسير التراجع الأميركي يتطلب النظر إلى شبكة أوسع من العوامل. فالتصعيد الأولي عكس رغبة في ممارسة ضغط أقصى على إيران، غير أن الانتقال السريع نحو التهدئة يكشف عن إدراك عميق لتعقيدات المواجهة. فإيران لا تمثل خصمًا تقليديًا يمكن احتواؤه بضربة عسكرية محدودة، بل تمتلك منظومة ردع قائمة على قدرات صاروخية متقدمة، إلى جانب شبكة من الحلفاء الإقليميين القادرين على توسيع نطاق المواجهة. هذا الواقع يجعل أي صراع معها مفتوحًا على احتمالات الاستنزاف، ويحدّ من فرص تحقيق نصر سريع أو حاسم.
وفي هذا السياق، تلعب حسابات الحلفاء دورًا لا يقل أهمية. فدول الخليج، التي تقف في دائرة التأثر المباشر، تدرك أن أي تصعيد واسع سيضع بنيتها التحتية واقتصاداتها في مرمى الخطر. لذلك، لم تعد هذه الدول تتعامل مع التحركات الأميركية بمنطق الاصطفاف التلقائي، بل باتت تمارس ضغوطًا واضحة باتجاه التهدئة وضرورة تحديد الأهداف بدقة. هذا التحول يعكس تطورًا في طبيعة العلاقة، حيث أصبحت المصالح الإقليمية عاملًا مؤثرًا في توجيه القرار الأميركي، وليس مجرد متغير تابع له.
كما لا يمكن إغفال العامل الإسرائيلي، الذي يشكل أحد أبرز محددات أي تصعيد مع إيران. فإسرائيل تدرك أن استهداف مراكز الطاقة لديها—سواء محطات الكهرباء أو البنى التحتية المرتبطة بها—قد يؤدي إلى شلل واسع في البلاد، يصل إلى حد انقطاع الكهرباء على نطاق كبير وتحولها إلى “ساحة مظلمة” في حال تعرض الشبكات لضربات مركزة. كما أن منشآت تحلية المياه، التي تمثل شريانًا حيويًا لتأمين المياه في إسرائيل، تُعد من الأهداف الحساسة التي قد يؤدي استهدافها إلى أزمة إنسانية وخدمية حادة. هذه المخاوف تجعل من أي مواجهة مفتوحة مع إيران مخاطرة استراتيجية عالية، لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الأمن الحيوي اليومي. ومن هنا، فإن واشنطن تأخذ هذه الاعتبارات بجدية، في إطار سعيها لتجنب سيناريو تصعيد يهدد استقرار حليف رئيسي ويقود إلى حرب إقليمية واسعة.
إلى جانب ذلك، يبرز خطر توسع النزاع إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، وهو سيناريو تحاول واشنطن تجنبه بشدة. فاحتمال انخراط أطراف أخرى، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يرفع منسوب المخاطر ويجعل من الصعب احتواء التصعيد ضمن حدود جغرافية أو زمنية محددة. وفي مثل هذه الحالات، يصبح التراجع خطوة استباقية تهدف إلى منع الانزلاق نحو مواجهة يصعب التحكم بمسارها.
على المستوى الدولي، يظل غياب الدعم الواسع لأي عمل عسكري عاملًا حاسمًا. فالحلفاء الأوروبيون، الذين يشكلون تقليديًا ركيزة للشرعية الدولية، أبدوا تحفظًا واضحًا تجاه الانخراط في مواجهة جديدة في الشرق الأوسط. هذا التردد يضعف الغطاء السياسي لأي تحرك أميركي، ويزيد من كلفته الدبلوماسية، ما يعزز الاتجاه نحو التهدئة بدل التصعيد الأحادي.
غير أن العامل الأكثر تأثيرًا يبقى داخليًا، ويتمثل في الانعكاسات الاقتصادية المباشرة لأي توتر في مضيق هرمز. فهذا الممر البحري الحيوي لا يمثل مجرد نقطة عبور للطاقة، بل يشكل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد العالمي. أي تهديد له ينعكس فورًا على أسعار النفط، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الوقود وزيادة الضغوط التضخمية داخل الولايات المتحدة. في ظل هذه المعطيات، يصبح التصعيد العسكري خيارًا مكلفًا اقتصاديًا، خاصة إذا ترافق مع تباطؤ في النمو أو تراجع في ثقة الأسواق.
وترتبط هذه الاعتبارات بشكل وثيق بالحسابات الانتخابية. فالرأي العام الأميركي، الذي يولي أهمية كبيرة للوضع الاقتصادي، لا يميل إلى دعم الحروب الطويلة أو غير الواضحة الأهداف. ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي، تصبح الإدارة أكثر حساسية تجاه أي قرار قد ينعكس سلبًا على الداخل. من هنا، يمكن فهم التراجع كجزء من إستراتيجية تهدف إلى تقليل المخاطر السياسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى معين من الضغط على إيران.
في ضوء هذه العوامل مجتمعة، يبدو التراجع الأميركي نتيجة مزيج من الضغوط والتقديرات الواقعية، وليس مجرد تحول مفاجئ في الموقف. فهو يعكس إدراكًا بأن التصعيد، رغم ما يوفره من أوراق ضغط، قد ينقلب سريعًا إلى عبء استراتيجي إذا تجاوز حدود السيطرة. كما يكشف عن نهج براغماتي في إدارة الأزمات، يقوم على استخدام التهديد كأداة تفاوض، ثم إعادة ضبطه عندما ترتفع كلفته.
في النهاية، تتقاطع رواية "المفاوضات المثمرة" التي تحدث عنها ترمب مع نفي طهران، ومع الحراك الدبلوماسي المتسارع في المنطقة، لتشكل صورة معقدة لمرحلة انتقالية. مرحلة لا تُحسم فيها الأزمات بالتصعيد وحده، ولا بالتفاوض المعلن فقط، بل بمزيج من الضغوط والتحركات غير المباشرة. وفي هذا السياق، يبدو أن الخيار الأميركي اتجه، على الأقل في هذه المرحلة، نحو احتواء الأزمة بدل تفجيرها، بانتظار ما ستسفر عنه الاتصالات الجارية خلف الأبواب المغلقة.





شارك برأيك
التراجع المحسوب: كيف أعادت الحسابات الإستراتيجية رسم موقف ترمب من إيران