تحليل

السّبت 21 مارس 2026 9:18 مساءً - بتوقيت القدس

توماس فريدمان: تدمير إيران ليس حلاً نهائياً والرهان على الحسم العسكري 'وهم'

أعرب الكاتب الأمريكي البارز توماس فريدمان عن شكوكه العميقة في إمكانية تحسن الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط عبر خيار تدمير إيران عسكرياً. وأوضح في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز أن الوقائع التاريخية أثبتت عدم وجود ما يسمى بالحل 'النهائي' للصراعات المعقدة في هذه المنطقة من العالم.

واعتبر فريدمان أن الرهان على عبارة 'مرة واحدة وإلى الأبد' يمثل منزلقاً خطيراً، إذ لا يمكن القضاء على التهديدات العسكرية بشكل كامل دون اقتران القوة بمسار سياسي واضح. وأشار إلى أن هذا المسار يتطلب دائماً تقديم تنازلات سياسية مؤلمة ومعقدة ترفض الأطراف الحالية الانخراط فيها.

وضرب الكاتب مثالاً بنهج الاغتيالات الذي اتبعته إسرائيل ضد حركة حماس منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث تمكنت من تصفية ثلاثة أجيال من القادة التاريخيين. ورغم ذلك، لم تنجح هذه السياسة في إنهاء وجود الحركة التي يقودها اليوم جيل رابع في مناطق واسعة من قطاع غزة.

وفسر فريدمان صمود حماس بكونها حركة متجذرة بعمق في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، مما يجعل استئصالها عسكرياً أمراً شبه مستحيل. كما انتقد رفض حكومة بنيامين نتنياهو التعاون مع السلطة الفلسطينية كبديل سياسي، معتبراً أن هذا الرفض يهدف لتعطيل حل الدولتين والسيطرة الدائمة على الضفة.

وفيما يخص الشأن الإيراني، يرى فريدمان أن واشنطن وتل أبيب تكرران نفس الخطأ عبر استهداف القادة، ليخلفهم قادة جدد في ظل غياب معارضة موحدة. وأكد أن القضاء على القيادة الإيرانية عبر ضربات جوية من مسافات بعيدة لن يحقق الاستقرار المنشود بل قد يفاقم الفوضى.

وحذر المقال من سياسة تجريد العدو من كرامته إلى الحد الذي يشعر معه بأنه لم يعد لديه ما يخسره، واصفاً ذلك بالحكمة المفقودة. واعتبر أن دفع الخصوم نحو الزاوية دون أفق سياسي سيؤدي حتماً إلى انفجارات كبرى لا يمكن السيطرة على تداعياتها الإقليمية.

وتطرق فريدمان إلى الوضع في الضفة الغربية، مؤكداً أن سياسة الاستيطان تقضي على فرص إقامة دولة فلسطينية، مما يضع إسرائيل أمام مأزق تاريخي. فإما أن تتحول إلى دولة ثنائية القومية وتفقد هويتها، أو تصبح دولة فصل عنصري وتفقد ديمقراطيتها المزعومة.

وبالنسبة للبنان، يرى الكاتب أن تدمير البنية التحتية واحتلال الأراضي لن يقضي على حزب الله كقوة عسكرية وسياسية. وأوضح أن السبيل الوحيد لإضعاف نفوذ الحزب يمر عبر عملية سياسية داخلية تقودها حكومة لبنانية قوية، وهو ما تعرقله العمليات العسكرية المستمرة.

وانتقد فريدمان تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث التي تتباهى بالقوة العسكرية المطلقة ضد طهران، متسائلاً عن جدوى هذه القوة أمام التبعات الاقتصادية. وأشار إلى أن إيران، حتى وهي في حالة ضعف، قادرة على هز استقرار الاقتصاد العالمي عبر استهداف إمدادات الطاقة.

وأوضح أن إطلاق مسيرة واحدة من شاحنة بسيطة يكفي لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز ورفع أسعار النفط والغاز والأسمدة إلى مستويات قياسية. وهذا الواقع يثبت أن القوة العسكرية وحدها لا توفر حماية للمصالح الاستراتيجية في عالم مترابط اقتصادياً بشكل وثيق.

ووصف الكاتب ما يحدث حالياً بـ 'المأساة العالمية' التي لن تنتهي بقتل القادة أو تجريد الفصائل من ترسانتها الصاروخية. فالحروب التي لا تتبعها رؤية سياسية تتحول إلى استنزاف دائم للأرواح والموارد دون تحقيق أمن حقيقي لأي طرف من أطراف النزاع.

ودعا فريدمان إلى تبني استراتيجية تهدف لإضعاف الخصوم بما يكفي لفتح المجال أمام 'السياسة الحقيقية' في غزة ولبنان وإيران. ويرى أن الضغط يجب أن يوجه لإجبار هذه القوى على مراعاة رغبة شعوبها في العيش بسلام والتمتع بمزايا الحداثة والازدهار الاقتصادي.

وختم مقاله بالتأكيد على أن السياسة، وليس الحرب الشاملة، هي الطريق الوحيد لإنهاء هذه الصراعات بشكل مستدام ونهائي. فالتاريخ يثبت أن القوة العسكرية قد تكسب المعارك، لكنها نادراً ما تصنع سلاماً دائماً في منطقة تعج بالتناقضات التاريخية والدينية.

إن الرؤية التي يطرحها فريدمان تعكس قلقاً متزايداً في أوساط النخبة الفكرية الأمريكية من الانجرار وراء وعود الحسم العسكري السريع. ويبقى السؤال معلقاً حول مدى استعداد الإدارة الأمريكية الحالية والحكومة الإسرائيلية للاستماع لهذه التحذيرات قبل فوات الأوان.

دلالات

شارك برأيك

توماس فريدمان: تدمير إيران ليس حلاً نهائياً والرهان على الحسم العسكري 'وهم'

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.