واشنطن – سعيد عريقات-16/3/2026
تحليل إخباري
مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أسبوعها الثالث، تتزايد المؤشرات على أن الصراع يتجه نحو مرحلة أكثر اتساعا وتعقيدا. فما بدأ بسلسلة ضربات عسكرية محدودة تحول بسرعة إلى مواجهة متعددة الجبهات تمتد من الخليج إلى لبنان وتلقي بظلال ثقيلة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وفي المقابل تبدو الإستراتيجية الأميركية غامضة المعالم وسط تصريحات متباينة وتصعيد تدريجي يثير أسئلة جوهرية حول أهداف الحرب وحدودها وإمكانية احتوائها.
أحد أبرز التطورات الميدانية تمثل في الضربات الأميركية التي استهدفت جزيرة خرج الإيرانية وهي المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. ويعد استهداف هذه الجزيرة تصعيدا نوعيا لأنها تمثل شريانا اقتصاديا حيويا تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الإيرانية. الرسالة الضمنية في هذه الضربات كانت واضحة ومباشرة وهي أن الضغط على طهران لن يقتصر على المجال العسكري بل سيمتد أيضا إلى المجال الاقتصادي ومحاولة تقليص موارد الدولة المالية.
وفي السياق نفسه صعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته محذرا من أن بلاده قد تقدم على تدمير البنية التحتية في الجزيرة إذا استمرت إيران في تهديد الملاحة أو حاولت إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. كما ألمح إلى احتمال إرسال قوات إضافية إلى المنطقة وهو ما فسره بعض المراقبين على أنه تمهيد لاحتمال تصعيد عسكري أكبر خلال المرحلة المقبلة.
غير أن التوتر لم يبق محصورا في الخليج. فقد دخلت جبهة لبنان بصورة أوضح في مسار الحرب بعد أن كثف حزب الله هجماته الصاروخية والطائرات المسيرة باتجاه أهداف إسرائيلية. وردت إسرائيل بسلسلة غارات جوية مكثفة داخل الأراضي اللبنانية استهدفت مواقع عسكرية ومخازن أسلحة وبنى لوجستية مرتبطة بالحزب.
ومع تصاعد هذا التبادل في الضربات لوحت القيادة الإسرائيلية بإمكانية تنفيذ عملية اجتياح بري لجنوب لبنان إذا استمرت الهجمات الصاروخية بالوتيرة نفسها. ورغم أن هذا السيناريو لم يتحقق حتى الآن فإن مجرد طرحه يعكس مدى اتساع نطاق المواجهة واحتمال تحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة.
في الوقت نفسه بدأت المعركة تأخذ بعدا جغرافيا أوسع. فقد تعرضت قواعد ومصالح للولايات المتحدة في عدد من دول الشرق الأوسط لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة نفذتها جماعات حليفة لإيران. ويعزز هذا التطور المخاوف من تحول الصراع إلى شبكة من المواجهات المتزامنة في أكثر من ساحة.
وفي خضم هذا التصعيد أدلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتصريحات مثيرة للجدل قال فيها إن بعض الضربات التي استهدفت منشآت في دول الخليج ربما نفذت من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل بهدف توسيع نطاق الحرب وإلقاء المسؤولية على إيران. ورغم عدم وجود تأكيدات مستقلة لهذه الاتهامات فإنها تعكس عمق انعدام الثقة بين أطراف الصراع.
اقتصاديا بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح. فقد أدت التوترات في الخليج والتهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة. ومع ارتفاع أسعار البنزين في عدد من الولايات بدأت بوادر تذمر شعبي بالظهور.
ومع استمرار القتال بدأت الأهداف الكبرى التي رفعت في بداية الحرب تبدو بعيدة المنال وفي مقدمتها إضعاف النظام الإيراني أو تغييره. فرغم الضربات التي تعرضت لها البلاد ما زالت إيران تحتفظ ببنيتها السياسية والعسكرية الأساسية ولم تظهر مؤسسات الدولة مؤشرات واضحة على انهيار داخلي.
هذا الواقع دفع عددا متزايدا من المحللين إلى التشكيك في جدوى الحرب. فالتجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن تغيير الأنظمة عبر الضغوط العسكرية الخارجية نادرا ما يحقق النتائج المعلنة بل قد يؤدي أحيانا إلى نتائج معاكسة تعزز تماسك النظام المستهدف.
وفي موازاة ذلك لم تنجح الجهود الرامية إلى دفع دول الخليج إلى الانخراط المباشر في الحرب. ففي الأيام الأولى للتصعيد سادت توقعات بأن تسمح بعض هذه الدول باستخدام أراضيها على نطاق أوسع في العمليات العسكرية. غير أن التطورات اللاحقة تشير إلى أن معظم الحكومات الخليجية تفضل البقاء خارج المواجهة المباشرة والتركيز على حماية استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.
كل هذه التطورات تجري في ظل ما يصفه كثير من المراقبين بغياب إستراتيجية أميركية واضحة لإدارة الحرب. فالتصريحات الصادرة عن الرئيس دونالد ترمب ومسؤولي إدارته تتغير من وقت إلى آخر بين التهديد بتوسيع العمليات العسكرية والتلميح بإمكانية احتواء الصراع. هذا التباين في الرسائل السياسية يعكس على الأرجح غياب رؤية متماسكة لما ينبغي أن تكون عليه نهاية هذه الحرب.
فحتى الآن لا يبدو واضحا ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى مجرد ردع إيران أم إلى إضعاف قدراتها العسكرية أم إلى دفعها نحو مفاوضات جديدة بشروط مختلفة. وفي ظل هذا الغموض تتزايد المخاوف من أن تتحول المواجهة إلى صراع استنزاف طويل يفرض كلفة متزايدة على جميع الأطراف.
وفي حال استمر التصعيد من دون مسار سياسي واضح فإن احتمال اتساع الحرب سيبقى قائما. فكلما طال أمد القتال ازدادت فرص انتقاله إلى ساحات جديدة في المنطقة وازدادت معه المخاطر الاقتصادية والأمنية. كما أن استمرار التوتر في محيط مضيق هرمز قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي. وفي المحصلة يقف الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية والمصالح الاقتصادية. ومع غياب أفق دبلوماسي واضح تبقى المنطقة معرضة لدورات متتالية من التصعيد قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.
ويرى بعض المراقبين أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس حجم الضربات العسكرية بقدر ما هو غياب تصور واضح لنهاية الصراع. فالحروب التي تبدأ من دون أهداف سياسية محددة غالبا ما تتحول إلى مواجهات مفتوحة يصعب إنهاؤها بسرعة. وإذا لم يظهر مسار تفاوضي جدي فقد تجد المنطقة نفسها أمام نزاع طويل يستنزف موارد الدول ويزيد من حالة عدم اليقين. ويجعل احتمالات التهدئة في المدى القريب محدودة وغير مضمونة في الظروف الإقليمية الراهنة المعقدة.





شارك برأيك
حرب أميركية بلا بوصلة تقود المنطقة نحو الكارثة