لم تكن جزيرة خرج، التي تمثل الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني، مجرد إحداثية عسكرية عابرة في بنك أهداف الإدارة الأمريكية الحالية، بل تبدو وكأنها هواجس قديمة استقرت في مخيلة الرئيس دونالد ترمب قبل عقود من وصوله للسلطة. ففي خضم التصعيد العسكري المحتدم في الشرق الأوسط، أدلى ترمب بتصريحات لافتة تجاوزت الأعراف العسكرية المعهودة.
وخلال مقابلة هاتفية مطولة مع قناة 'إن بي سي' الأمريكية، أعلن ترمب عن تدمير الجزيرة بشكل كامل عبر ضربات وصفها بأنها الأقوى في تاريخ المنطقة. وأثارت لغة الرئيس ذهول المراقبين حين وضع هذه العمليات في إطار 'المتعة الشخصية'، مما فجر موجة واسعة من الجدل حول آليات إدارة الصراعات الكبرى.
هذا السجال انتقل سريعاً إلى المنصات الرقمية، حيث تساءل ناشطون ومحللون عما إذا كانت الاستراتيجيات العسكرية الأمريكية تُبنى على أسس مدروسة أم أنها تخضع لمزاج شخصي يبحث عن الإثارة وسط حطام الدول. واعتبر البعض أن هذه التصريحات تعكس نهجاً غير تقليدي في التعامل مع الأزمات الدولية المعقدة.
وفي مفاجأة تاريخية أعاد باحثون نبشها، تبين أن اهتمام ترمب بجزيرة خرج ليس وليد اللحظة أو مرتبطاً بالصراع الحالي فقط. فقد كشفت أرشيفات صحيفة 'ذا غارديان' البريطانية عن مقابلة أجريت معه في عام 1988، حين كان مجرد رجل أعمال شاب يعمل في قطاع العقارات.
في تلك المقابلة القديمة، حدد ترمب بوضوح جزيرة خرج كهدف استراتيجي لا بد من ضربه في حال تصاعد التوترات مع طهران. وقلل ترمب آنذاك من القدرات الدفاعية الإيرانية، معتبراً أن المواجهة المباشرة مع النظام الإيراني ستكون أمراً إيجابياً للعالم بأسره، وهو ما يراه البعض اليوم تنفيذاً لنبوءة قديمة.
وبعيداً عن الجوانب الشخصية والتصريحات المثيرة، تبرز الأهمية الجيوسياسية للجزيرة كونها 'المضخة الكبرى' للاقتصاد الإيراني. حيث تشير البيانات الاقتصادية إلى أن ما نسبته 85% إلى 95% من إجمالي صادرات النفط الخام الإيراني تمر عبر هذه المنشأة الحيوية المطلة على الخليج.
تدمير جزيرة خرج تم بضربات هي الأقوى في تاريخ المنطقة، والأمر يحمل نوعاً من المتعة الشخصية.
وتمتلك الجزيرة بنية تحتية ضخمة تشمل قدرة تخزينية تتجاوز 30 مليون برميل، بالإضافة إلى أرصفة عملاقة قادرة على استقبال عشر ناقلات نفط في وقت واحد. هذا الثقل الاقتصادي يجعل من استهدافها ضربة قاضية للقدرات المالية الإيرانية، ويضع الأسواق العالمية في حالة استنفار قصوى.
وحذر خبراء اقتصاد من أن شلل هذا الشريان النفطي قد يؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الوقود عالمياً. وتوقعت تقارير فنية وصول سعر برميل النفط إلى حاجز 200 دولار، مما يهدد باستقرار الاقتصاد العالمي ويدفع نحو أزمة طاقة قد لا تستطيع الدول الكبرى احتواءها بسهولة.
وعلى صعيد ردود الفعل، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات تنتقد ما وصفته بـ 'جنون العظمة' لدى الرئيس الأمريكي. وأعاد مدونون نشر آراء سابقة لكتاب ومحللين وصفوا شخصية ترمب بأنها مهووسة بالذات ومنفصلة عن الواقع، خاصة في تعامله مع الملفات الحربية الحساسة.
وتساءل مغردون عن غياب الخطط البديلة لمواجهة الكارثة الاقتصادية القادمة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود. وأشار البعض بسخرية مريرة إلى أن التركيز على تدمير البنية التحتية النفطية لا يرافقه أي تصور لحماية المستهلكين في الولايات المتحدة والعالم من تبعات هذا الانهيار.
من جانب آخر، اعتبر مؤيدون للنهج المتشدد أن قصف جزيرة خرج كان جزءاً لا يتجزأ من خطة أوسع لتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة. ويرى هؤلاء أن تدمير القدرات البحرية وكاسحات الألغام الإيرانية كان يمهد الطريق لهذه الضربة الاستراتيجية التي استهدفت 'درة التاج' في طهران.
ويبقى السؤال المعلق في سماء الشرق الأوسط حول ما إذا كانت أهداف ترمب قد انتهت عند ركام جزيرة خرج. فبين هوس التسلية وحسابات الأرقام المعقدة، يترقب العالم الفصول القادمة من مفاجآت 'الرئيس التاجر' التي قد تعيد رسم خارطة القوى في المنطقة برمتها.





شارك برأيك
من طموحات العقارات إلى البيت الأبيض.. كيف تحولت 'هواجس' ترمب تجاه جزيرة خرج الإيرانية إلى واقع عسكري؟