اسرائيليات

الإثنين 09 مارس 2026 3:21 صباحًا - بتوقيت القدس

تركيا في مرمى الاستهداف الإسرائيلي: قراءة في سيناريوهات ما بعد إيران

تتصاعد في الأوساط السياسية والأمنية نقاشات حادة حول ملامح المرحلة التي ستلي المواجهة الإسرائيلية الأمريكية مع إيران، حيث يبرز تساؤل جوهري حول الطرف الذي سيملأ الفراغ الإقليمي. وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يضع تركيا في مقدمة أهدافه المستقبلية، سعياً لفرض هيمنة كاملة على المنطقة ومنع أي قوة إقليمية من عرقلة مشاريعه التوسعية.

صاغت أنقرة موقفها من التصعيد الأخير بحذر شديد، حيث عبرت عن قلقها من الهجمات المتبادلة دون الانزلاق إلى إدانات مباشرة قد تغلق أبواب الوساطة. ورغم بقاء تركيا بعيدة عن التأثر العسكري المباشر حتى الآن، إلا أن القيادة التركية تدرك أن الانعكاسات طويلة الأمد قد تطال أمنها القومي بشكل مباشر وغير مسبوق.

تستند فرضية استهداف تركيا إلى سلسلة من التصريحات الرسمية الصادرة عن قادة الاحتلال، وعلى رأسهم إسحاق هرتسوغ الذي أكد أن الهدف يتجاوز تغيير النظام الإيراني ليشمل إعادة صياغة الشرق الأوسط بالكامل. كما عزز بنيامين نتنياهو هذه المخاوف بحديثه عن تشكيل محاور جديدة تستهدف القوى الفاعلة في المنطقة، والتي تعد تركيا جزءاً أساسياً منها.

في سياق متصل، اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق يوآف غالانت أن تركيا تمثل تحدياً استراتيجياً يفوق الخطر الإيراني، داعياً إلى ضرورة الاستعداد لمواجهته. وتتوافق هذه الرؤية مع إدراج إسرائيل لتركيا ضمن قائمة التهديدات منذ عام 2021، وتوصيات اللجان الأمنية بالاستعداد لصدام عسكري محتمل خلال السنوات القليلة القادمة.

لا تبدو إسرائيل وحيدة في هذا التوجه، إذ تعكس تصريحات السفير الأمريكي مايك هاكابي حول تأييد السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة ملامح سياسة إدارة ترامب. وتدعم هذه التوجهات تقارير صحفية غربية تدعو صراحة إلى منع تركيا من ملء أي فراغ قد يتركه تراجع النفوذ الإيراني في الإقليم.

على الصعيد الميداني، بدأت إسرائيل بتعديل نظريتها الأمنية عبر العودة إلى 'عقيدة المحيط' التي تهدف إلى محاصرة الدول الكبرى في المنطقة وإضعافها من الداخل. ويظهر ذلك جلياً في محاولات إذكاء الصراعات العرقية والمذهبية، واستهداف الوجود التركي في سوريا، فضلاً عن السعي لفرض مناطق عازلة تخدم المصالح الإسرائيلية.

اتخذ التحريض الإسرائيلي طابعاً مؤسسياً من خلال بناء تحالفات في شرق المتوسط تضم اليونان وقبرص، تهدف بشكل أساسي إلى تطويق أنقرة وتشكيل قوة تدخل سريع مشتركة. وقد سعى نتنياهو لتوسيع هذا المحور ليشمل قوى آسيوية ودولاً عربية، في محاولة لعزل تركيا وحرمانها من نفوذها البحري والجغرافي.

يرى مراقبون أن أي خلل في توازن القوى ناتج عن إضعاف إيران سيصب في مصلحة مشروع 'إسرائيل الكبرى' الذي لا يعترف بالحدود الدولية القائمة. وتخشى أنقرة من أن يؤدي تقسيم إيران أو تغيير نظامها إلى إعادة تسخين الملف الكردي على حدودها الجنوبية والشرقية، مما يهدد مشروع 'تركيا بلا إرهاب' الذي قطع أشواطاً كبيرة.

أدركت القيادة التركية مبكراً حجم هذا التهديد، حيث صرح الرئيس أردوغان علانية بأن الأطماع الإسرائيلية قد تصل إلى الحدود التركية في وقت قصير. وقد عقد البرلمان التركي جلسات مغلقة لمناقشة التهديدات الإسرائيلية، بينما حذر وزير الخارجية هاكان فيدان من مساعي الاحتلال لجر المنطقة إلى حرب موسعة تنهك قواها.

بدأت أنقرة فعلياً في تنفيذ خطة دفاعية شاملة تضمنت بناء الملاجئ وتحصين الجبهة الداخلية وتطوير منظومات صاروخية ودفاعية متطورة لمواجهة أي عدوان محتمل. كما قامت بنشر مقاتلات F16 في شمال قبرص، في رسالة ردع واضحة للتحالف الثلاثي الذي تقوده إسرائيل في حوض المتوسط.

رغم قوة تركيا الذاتية وعضويتها في حلف الناتو، إلا أن المحللين يحذرون من الركون إلى هذه الحصانة في ظل تقلبات السياسة الأمريكية وعدم ثبات مواقف الإدارات المتعاقبة. فالرهان على الحماية الدولية قد يكون مقامرة خاسرة أمام إدارة أمريكية قد تضحي بحلفائها مقابل مكاسب جيوسياسية أو صفقات كبرى.

يشير الخبراء إلى أن استهداف تركيا قد لا يتخذ شكل المواجهة العسكرية التقليدية في بدايته، بل قد يعتمد على وسائل هجينة تشمل الحصار الاقتصادي وإثارة الفوضى الداخلية. كما يبرز سلاح اللاجئين والضغط الاقتصادي كأدوات محتملة لإضعاف الدولة التركية من الداخل قبل الانتقال إلى مراحل أكثر عدوانية.

إن مشروع إضعاف تركيا ليس مجرد 'بروباغندا' إعلامية، بل هو مخطط يتبلور عبر تحالفات عسكرية وخطط استخباراتية يتم تحديثها باستمرار لتناسب المتغيرات. وتؤكد الوقائع التاريخية أن الدول التي اعتقدت أنها محصنة ضد الاستهداف كانت هي الضحية التالية بمجرد تغير موازين القوى الدولية.

في الختام، تجد تركيا نفسها اليوم أمام تحدٍ وجودي يتطلب تماسكاً داخلياً وتنسيقاً إقليمياً واسعاً لإفشال مخططات 'عقيدة المحيط' الإسرائيلية. فالعبرة تكمن في أخذ التهديدات بجدية قصوى والعمل على بناء قوة ردع ذاتية قادرة على حماية السيادة الوطنية بعيداً عن الارتهان للتحالفات الدولية المتقلبة.

دلالات

شارك برأيك

تركيا في مرمى الاستهداف الإسرائيلي: قراءة في سيناريوهات ما بعد إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.