أفادت مصادر بأن الأوساط الأمنية في تل أبيب بدأت في إعادة قراءة خريطة التهديدات الاستراتيجية لعام 2026، وذلك في ظل تصاعد المخاطر الإقليمية وتطور تكنولوجيا الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة. ويرى خبراء أمنيون أن مبدأ نزع السلاح التقليدي لم يعد فعالاً في مواجهة التحديات الراهنة، مما يفرض على الاحتلال صياغة بديل سياسي يوازن بين السيطرة الأمنية في قطاع غزة ومنع التهديدات الوجودية في الضفة الغربية.
وفي هذا السياق، ذكر الجنرال جيورا إيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي أن التحول الجذري الذي أعقب أحداث السابع من أكتوبر أطلق نقاشاً استراتيجياً حاداً حول الرؤية الأمنية المتبعة في العقود الأخيرة. وأوضح إيلاند أن المفهوم الذي ساد طويلاً بأن حركة حماس قد تم ردعها ثبت بطلانه، مشيراً إلى أن هذا التقدير الخاطئ كلف ثمناً باهظاً من الأرواح وأثبت فشل السياسات الحكومية تجاه القطاع.
وأشار إيلاند إلى أن السياسة الإسرائيلية لم تكن تهدف فقط للردع، بل كانت تسعى لتعميق الانقسام بين غزة والضفة الغربية لضمان غياب تمثيل فلسطيني موحد يحبط أي فرص للمفاوضات السياسية. ومع ذلك، تجاهل هذا التوجه التكاليف الأمنية المتزايدة، حيث اعتقدت الحكومة أنه يمكن السماح لحماس بتحقيق استقرار سياسي واقتصادي مع منع تعاظم قدراتها العسكرية، وهو ما ثبت زيفه لاحقاً.
وبحسب التحليلات المنشورة، فإن حماس تمكنت من جمع موارد مالية ضخمة لم تُستخدم لتعزيز حكمها السياسي فحسب، بل وُجهت بشكل أساسي لبناء ترسانة عسكرية متطورة. ورغم هذه النتائج، لا تزال المستويات السياسية في تل أبيب ترفض عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، خشية أن يؤدي ذلك إلى توحيد الجغرافيا الفلسطينية وتمهيد الطريق لترتيب سياسي شامل لا يخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية.
ويرى الجنرال السابق أن حل الدولتين بصيغته التقليدية لم يعد خياراً قابلاً للتطبيق في ظل الظروف الراهنة وتغير موازين القوى الإقليمية. واعتبر أن الافتراض القديم بأن الدولة الفلسطينية ستكون أضعف عسكرياً من إسرائيل لم يعد يصمد أمام الواقع، خاصة وأن تل أبيب تعمل في بيئة مضطربة وتواجه تحالفات عسكرية ومنظمات مسلحة عابرة للحدود.
المفهوم التوجيهي الذي نص على أن حماس تم ردعها كان خاطئاً، وكلف ثمنًا باهظًا من الدماء.
وكشف هجوم السابع من أكتوبر عن إمكانية تحول القتال في جبهة واحدة إلى حرب متعددة الجبهات بسرعة فائقة، حيث تواجه إسرائيل الآن تهديدات صاروخية من العراق واليمن وإيران. وفي ظل هذا المشهد، يُنظر إلى إنشاء دولة فلسطينية كبؤرة خطر إضافية قد تتحول إلى منطقة اختناق أمني تهدد العمق الإسرائيلي والمراكز السكانية الحيوية في الوسط.
وتطرق إيلاند إلى الثورة التكنولوجية في عالم السلاح، مؤكداً أن مصطلح 'نزع السلاح' بمعناه الكلاسيكي المرتبط بالدبابات والطائرات قد انتهى زمنه. فالمعركة الحديثة تعتمد على وسائل صغيرة وفتّاكة مثل الصواريخ المضادة للدبابات والمسيرات التي يسهل تهريبها وإخفاؤها داخل البيئات المدنية وشاحنات الإمداد، مما يجعل مراقبتها أمراً شبه مستحيل.
وخلص التحليل إلى أربعة استنتاجات رئيسية، أولها أن عودة السلطة الفلسطينية لغزة قد تكون خياراً أفضل أمنياً من بقاء حكم حماس أو محاولة إيجاد بدائل محلية هشة. أما الاستنتاج الثاني فيؤكد ضرورة صياغة استراتيجية دولية جديدة تعترف بأن حل الدولتين لم يعد ممكناً تقنياً وأمنياً في ظل التطورات التكنولوجية التي تمنح المجموعات الصغيرة قدرات تدميرية هائلة.
وفي الختام، دعا إيلاند إلى تجاوز الثنائية التي تحصر الخيارات بين السيطرة الأبدية على الضفة أو إقامة دولة سيادية كاملة، مقترحاً نماذج سياسية مؤقتة تلبي الاحتياجات الأمنية. وشدد على ضرورة مواجهة المجتمع الدولي بحقائق الخطر العسكري المترتب على أي انسحاب لحدود عام 1967، معتبراً أن استبعاد حل الدولتين يجب أن يستند إلى اعتبارات أمنية بحتة بعيداً عن الأيديولوجيا.





شارك برأيك
رؤية أمنية إسرائيلية لعام 2026: أربعة استنتاجات تعيد صياغة المواجهة مع الفلسطينيين