أقلام وأراء

الإثنين 09 فبراير 2026 1:10 مساءً - بتوقيت القدس

تحليل لظاهرة 'لوثة إيران' في الخطاب السياسي العربي وتداعياتها الإقليمية

تشهد المنطقة حالة من الجدل المستمر حول الدور الإيراني، حيث يرى مراقبون أن طهران انتهجت سياسات توسعية تحت ذرائع متعددة مثل حماية الأقليات وتصدير الثورة. وقد أدت هذه السياسات، وخاصة التدخل في الأزمة السورية، إلى موجة من الانتقادات الشعبية والنخبوية الواسعة رغم تقدير البعض لدورها في دعم المقاومة.

يتبلور في الفضاء السياسي ما يمكن وصفه بـ 'لوثة إيران'، وهي حالة من فقدان الحكمة في التحليل تحصر كل شرور المنطقة في طهران وحدها. هذا التوجه يعتمد على مبالغات واضحة في توصيف الواقع، مما يؤدي إلى اتخاذ مواقف سياسية تفتقر إلى التوازن والموضوعية تجاه قضايا المنطقة المعقدة.

من مظاهر هذه الحالة إفراد إيران بالانتقاد في معاندة خيارات الشعوب، وتجاهل أدوار دول أخرى شكلت محور 'الثورة المضادة'. هذه الدول دعمت أنظمة دكتاتورية وساهمت في إجهاض المسارات الديمقراطية، إلا أن التركيز الإعلامي يظل منصباً على الدور الإيراني بشكل حصري.

تُتهم إيران بالاعتماد على المليشيات، في حين تغض الطرف التحليلات عن قوى إقليمية أخرى تدعم مليشيات انفصالية لا تربطها بها أي أيديولوجيا. الهدف من هذا الدعم في كثير من الأحيان يكون إضعاف الدول المركزية وتقسيمها، كما حدث في تجارب عربية عديدة شهدت تدخلات إقليمية متباينة.

يثير الحديث عن 'الدم المسفوك' في دول مثل سوريا والعراق واليمن تساؤلات حول دقة التوزيع المسؤولية الأخلاقية والسياسية. ففي اليمن مثلاً، كان التدخل الإيراني متأخراً مقارنة بتدخلات قوى إقليمية أخرى ساهمت في إذكاء الصراع الداخلي منذ بداياته الأولى.

في الملف العراقي، يتم تجاهل السياق التاريخي الذي تعاونت فيه معظم الدول العربية مع الإدارة الأمريكية لإسقاط نظام صدام حسين. إيران كانت الطرف الأقدر على ملء الفراغ الناتج عن هذا السقوط، وهو ما لا ينفي تنسيقها اللاحق، لكنه يضع المسؤولية على عاتق من مهد الطريق للعدوان.

تعد المبالغات العددية في إحصاء ضحايا النزاعات وسيلة لتصوير إيران كخطر وحيد، مع إغفال مسؤولية الأنظمة المحلية والقوى الدولية الأخرى. هذا التقييم الرقمي يهدف غالباً إلى خلق مقارنة مضللة توحي بأن الخطر الإيراني يتجاوز في فداحته خطر الاحتلال الإسرائيلي.

إن السردية التي تروج لكون 'إيران أكثر خطراً من إسرائيل' تخدم بشكل مباشر خطاب الاحتلال وتبرر التعاون معه. هذا المنطق يتجاهل طبيعة الصراع الوجودي مع الكيان المحتل، ويحوله إلى خلاف سياسي يمكن تجاوزه عبر التحالف مع المحتل ضد دولة من دول المنطقة.

يرتبط هذا الخطاب التحريضي بمشاريع التطبيع التي بدأت تظهر ملامحها منذ سنوات، حيث استخدم 'البعبع الإيراني' كذريعة لتمرير العلاقات مع إسرائيل. الواقع يشير إلى أن التطبيع كان هدفاً مقصوداً لذاته وليس مجرد وسيلة دفاعية اضطرارية كما يتم الترويج له في المحافل السياسية.

من السخافات السياسية محاولة تأطير حركات المقاومة الفلسطينية كأدوات إيرانية، متجاهلين تاريخها الطويل الذي سبق الثورة الإيرانية بعقود. إن ربط أي فعل مقاوم بأجندة طهران يهدف إلى نزع الشرعية عن الدفاع المشروع عن النفس وتجييره لصالح صراعات إقليمية أخرى.

تظهر 'اللوثة' أيضاً في الترويج لبدائل سياسية غير واقعية للنظام الإيراني، مثل نجل الشاه المقيم في الخارج. هذا الطرح يتجاهل الرفض الشعبي لهذه الشخصيات، خاصة في ظل تبجحها بالعلاقات مع إسرائيل ورغبتها في بناء تحالفات استراتيجية معها ضد مصالح المنطقة.

في ظل التهديدات التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن عدوان على إيران، يصر البعض على الاستمرار في خطاب التحريض. هذا الخطاب يخدم تسييد إسرائيل على المنطقة ويبرر العدوان العسكري الأمريكي تحت غطاء حماية مصالح دول المنطقة وشعوبها.

يواجه المعارضون لهذا الخطاب المنظم اتهامات بالتبعية لإيران، في محاولة لإسكات أي صوت يدعو للموضوعية والاتزان. هذا الأسلوب يهدف إلى نفي التهم عن المروجين للأجندات الخارجية عبر الهجوم الاستباقي على كل من يكشف زيف هذه السرديات الموجهة.

ختاماً، تحولت 'لوثة إيران' إلى شماعة تُعلق عليها أخطاء الجميع وتبرر مسارات سياسية كارثية تهدد مستقبل المنطقة. إن اللحظة التاريخية الحالية تتطلب وعياً استراتيجياً يتجاوز الخطابات الشعبوية التي تحرض الشعوب على بعضها وتفتح الأبواب أمام الهيمنة الصهيونية الكاملة.

دلالات

شارك برأيك

تحليل لظاهرة 'لوثة إيران' في الخطاب السياسي العربي وتداعياتها الإقليمية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.