وافقت لجان الدفاع والأمن القومي والشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس النواب المصري على مشروع قانون مقدم من الحكومة يقضي بتعديل أحكام قانون الخدمة العسكرية والوطنية رقم 127 لسنة 1980. وتهدف هذه التعديلات إلى تغليظ العقوبات المفروضة على المتخلفين عن أداء الخدمة العسكرية أو الاستجابة لطلبات استدعاء الاحتياط، لتشمل الحبس والغرامات المالية المضاعفة.
وتضمنت التعديلات الجديدة على المادة 49 من القانون رفع قيمة الغرامة المالية للمتخلفين عن التجنيد لتتراوح ما بين 20 ألفاً و100 ألف جنيه مصري، بعد أن كانت في السابق تتراوح بين 3 آلاف و10 آلاف جنيه فقط. وتمثل هذه القفزة زيادة تصل إلى عشرة أضعاف القيمة السابقة، وهو ما يعادل نحو 2127 دولاراً أمريكياً وفقاً لأسعار الصرف الحالية.
كما شملت التعديلات المادة 52 المتعلقة بالمتخلفين عن طلب الاستدعاء للخدمة، حيث تم رفع الغرامة من نطاق (ألف إلى 3 آلاف جنيه) لتصبح ما بين 10 آلاف و20 ألف جنيه. وتعكس هذه الأرقام زيادة بنسب مئوية هائلة تتراوح بين 566% و900%، مما يضع أعباءً مالية ثقيلة على الفئات العمرية المستهدفة.
وبررت المذكرة التوضيحية للقانون هذه الزيادات بارتفاع معدلات التضخم التي بلغت 11.8% في ديسمبر 2025، مشيرة إلى أن الغرامات القديمة فقدت قوتها الرادعة ولم تعد توازن بين جسامة الفعل والعقوبة. وأكدت الحكومة أن الهدف هو الحفاظ على الانضباط العسكري وضمان الالتزام بأداء الواجب الوطني في المواعيد المحددة.
من جانبهم، يرى مراقبون أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي السلطات المصرية لتعظيم الموارد المالية للخزانة العامة ومواجهة عجز الموازنة المزمن. وأشاروا إلى أن الدولة تتبنى سياسات تهدف لزيادة الجباية من المواطنين، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية الهيكلية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات طويلة.
وأثارت هذه القرارات جدلاً واسعاً بين أوساط الشباب المصريين، خاصة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاماً، والذين يعانون أصلاً من صعوبات في توفير فرص العمل وتكاليف المعيشة والزواج. ويرى منتقدون أن مضاعفة الغرامات تزيد من حالة الاغتراب بين الشباب ومؤسسات الدولة في ظل الظروف الراهنة.
وفي تصريحات لمصادر إعلامية، حذر سياسيون معارضون من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث قد تدفع المصريين في الخارج للبحث عن طرق بديلة للتحويلات المالية بعيداً عن القنوات الرسمية. وأوضحوا أن الشعور بالانتماء لا يبنى عبر فرض الغرامات الباهظة، بل من خلال إصلاح الأوضاع المعيشية وفتح آفاق الأمل للمستقبل.
الدولة تتعامل مع المواطن كزبون، وكل ما يشغل فكر الحكومة هو كيفية الحصول على أمواله في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
وتأتي هذه التعديلات بالتزامن مع سلسلة من المبادرات الحكومية التي استهدفت جمع العملة الصعبة من المصريين المغتربين، مثل مبادرة استيراد السيارات التي جمعت 2.1 مليار دولار. كما حقق مشروع 'بيت الوطن' لتمليك الأراضي بالدولار حصيلة بلغت 7.3 مليار دولار، مما يشير إلى اعتماد الدولة المتزايد على مدخرات مواطنيها بالخارج.
وسجلت تحويلات المصريين بالخارج أرقاماً قياسية في عام 2025، حيث بلغت نحو 37.5 مليار دولار خلال الأحد عشر شهراً الأولى من العام. ومع ذلك، يخشى خبراء أن تؤدي السياسات الضريبية الجديدة، مثل ضريبة 38% على الهواتف المحمولة المستوردة، إلى تراجع هذه التحويلات أو لجوء المواطنين لوسائل غير رسمية.
ويواجه أبناء المهاجرين والمعارضين في الخارج، المعروفون بـ 'جيل Z'، تحديات إضافية تتعلق بالأوراق الثبوتية التي ترفض بعض السفارات استخراجها لهم. ويجعل هذا الوضع من أداء الخدمة العسكرية أمراً معقداً، حيث يخشى الكثيرون من التوقيف أو الاعتقال عند العودة لتسوية مواقفهم التجنيدية في ظل القوانين الجديدة.
وكانت القوات المسلحة قد أتاحت في وقت سابق مبادرات لتسوية الموقف التجنيدي للمصريين بالخارج مقابل مبالغ مالية بدأت بـ 5 آلاف دولار ثم رُفعت إلى 7 آلاف دولار. إلا أن إغلاق هذه المبادرات وتشديد العقوبات الحالية يضع آلاف الشباب أمام خيارات صعبة بين البقاء في الخارج بشكل دائم أو مواجهة السجن والغرامة.
وعلى الصعيد الداخلي، يرى متابعون أن الجيش المصري لا يخوض حالياً مواجهات عسكرية واسعة تبرر هذا التشديد المفاجئ في العقوبات. واعتبر البعض أن تحويل الخدمة العسكرية إلى مصدر للدخل المالي يفرغ الواجب الوطني من مضمونه المعنوي ويحوله إلى علاقة تعاقدية مالية بين المواطن والسلطة.
وفي سياق متصل، تستمر ظاهرة الهجرة غير الشرعية في التصاعد، حيث سجلت وكالة 'فرونتكس' الأوروبية عبور آلاف المصريين للبحر المتوسط هرباً من الأوضاع الاقتصادية. ووفقاً للبيانات، فقد سلك نحو 16 ألف مصري طرقاً غير نظامية عبر ليبيا للوصول إلى أوروبا خلال عام 2025، هرباً من الفقر والبطالة.
وختاماً، يمثل التهرب من الخدمة العسكرية عائقاً قانونياً كبيراً يحرم المواطن من حقوقه الأساسية مثل استخراج جواز السفر أو التوظيف في القطاعين العام والخاص. ومع إقرار التعديلات الجديدة، يتوقع أن تزداد الضغوط على الأسر المصرية التي تجد نفسها مضطرة للاختيار بين دفع مبالغ تفوق قدراتها أو مواجهة أبنائها لعقوبات سالبة للحرية.





شارك برأيك
تعديلات قانونية في مصر تضاعف غرامات التخلف عن التجنيد وتُقر عقوبة الحبس