د. خليل جهشان: تصريحات ترمب الأخيرة تندرج ضمن سياسة العمل العشوائي التي ينتهجها وتدل على أنه يتجه نحو التصعيد
ماهر عبد القادر: لحظة مفصلية في مسار التوتر المتصاعد بين واشنطن وكاراكاس وتبريرات واشنطن تفتقر للأساسين القانوني والواقعي
د. سنان شقديح: قرار ترمب يحمل أهدافاً مضمرة ورسائل متعددة إحداها إلى روسيا والصين لإنهاء نفوذهما في أمريكا اللاتينية
محمد محمود مهران: عدوان سافر على سيادة دولة يستهدف الإطاحة بالرئيس مادورو وقد تنزلق الأوضاع نحو احتلال عسكري لكاراكاس
توفيق طعمة: دلالات تتجاوز البعد الأمني إلى خطوة سياسية وعسكرية ذات رسائل مباشرة لنظام الرئيس مادورو وللإقليم بأكمله
تشن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصعيداً غير مسبوق تجاه فنزويلا ونظام الرئيس نيكولاس مادورو، من حشد قوة بحرية وجوية أمريكية، وإعلان إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا، إذ غرّد ترمب، مؤخراً، فيما ردت كاراكاس بغضب في بيان لوزارة خارجيتها، واعتبرت ذلك "عدواناً آخر مبالغاً فيه وغير قانوني وغير مبرر ضد الشعب الفنزويلي… وأن الولايات المتحدة لا تملك السلطة القانونية لإغلاق المجال الجوي لدولة أخرى"، واتهمت ترمب بتوجيه "تهديد استعماري".
ويرى مراقبون ومحللون في أحاديث لـ"ے" أن قرار ترمب يندرج ضمن سياسة العمل العشوائي التي ينتهجها، معتبرين في الوقت ذاته أن ما يجري في الكاريبي يتجاوز تماماً حدود الصراع الأمريكي–الفنزويلي، لافتين إلى أنه اختبار حيّ لقدرة واشنطن على فرض قواعد اشتباك جديدة في عالم بلا قواعد، ولحدود "القوة المفرطة" في بيئة دولية يتراجع فيها الردع المتبادل، فيما أوضحوا أن قرار ترمب يحمل أهدافاً مضمرةً ورسائل عدة، أهمها رسالة إلى روسيا والصين لإنهاء نفوذهما في أمريكا اللاتينية التي تعتبرها الإدارة الأمريكية ساحة خلفية لها.
المؤسسات الأمريكية تعاني حالياً من حالة شلل
أكد المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن د. خليل جهشان أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إغلاق المجال الجوي لفنزويلا يندرج ضمن سياسة العمل العشوائي التي ينتهجها.
وأضاف أن المؤسسات الأمريكية تعاني حالياً من حالة شلل، بدءاً من وزارة الخارجية وصولًا إلى مجلس الأمن القومي والكونغرس، في ظل سياسة خارجية تُدار عملياً من شخص واحد وفق مزاجه.
واعتبر جهشان أن الخطوة مزاجية، إذ يستيقظ ترمب صباحاً ليعلن عبر تغريدة قراره إغلاق الأجواء فوق فنزويلا، في سابقة لم يشهدها العالم من قبل، حيث تُرسم السياسة الخارجية لدولة عظمى عبر منصة تويتر.
وأشار إلى أن تصريحات ترمب الأخيرة تدل على أنه يتجه نحو التصعيد، خاصة بعد سلسلة اتصالات جرت مؤخراً مع مسؤولين، وربما مع الرئيس الفنزويلي مادورو شخصياً، لافتاً إلى أن الأخير لا يبدو مستسلماً لضغوط الإدارة الأمريكية، في حين يحاول ترمب إخضاع فنزويلا وجعلها دولة منقادة لسياسته.
وقال: بسبب غياب أي تجاوب من الجانب الفنزويلي، يتدرج ترمب في خطواته التصعيدية، بما في ذلك احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين الطرفين، وإرسال القوات البحرية الأمريكية إلى المنطقة، والحملة المستمرة ضد السفن والقوارب المتجهة إلى فنزويلا أو المغادرة منها.
تناقض واضح في مبررات ترمب
وأوضح جهشان أن هناك تناقضاً واضحاً في المبررات التي يستخدمها ترمب، إذ يزعم أن فنزويلا تشارك على أعلى المستويات في تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، ما يهدد مصالحها ومصالح الشعب الأمريكي. إلا أن هذا التبرير غير مقنع، لوجود دول أخرى في أمريكا اللاتينية تشارك في تهريب المخدرات بأضعاف ما يُنسب إلى فنزويلا، ومع ذلك لا تواجه الضغوط الأمريكية نفسها.
وتابع جهشان: إن ما زاد التناقض وضوحاً بعد إصدار ترمب مؤخراً أمراً بالعفو عن الرئيس السابق لهندوراس، فرنانديز، المحكوم بالسجن 45 عاماً في الولايات المتحدة بتهمة تهريب الكوكايين، متسائلاً: كيف تُعلَن حرب على دولة بحجة التهريب، بينما يُعفَى عن شخص أدين رسمياً بجرائم تهريب ضخمة؟
واعتبر جهشان أن هذا التناقض يعكس طبيعة السياسة التي يتبعها ترمب، والتي تتسم بالعشوائية والسلطوية وإصدار الأوامر كما لو أنه إمبراطور العالم.
وبشأن إمكانية احتلال كاراكاس أو الإطاحة بالرئيس مادورو، رأى جهشان أن إسقاط مادورو وارد، أما احتلال طويل الأمد لفنزويلا فمستبعد، لأن الولايات المتحدة غير مهيأة لذلك، خصوصاً أن ترمب يدعي معارضته للحروب التي تتطلب بقاءً طويلًا خارج الحدود.
لكن جهشان اعتبر أن توجيه ضربات عسكرية أو الإطاحة بشخص معين وتعيين آخر مكانه أمر ممكن، خاصة أن لدى واشنطن بدائل تتعاون معها، مشيراً إلى أن المرشحة الرئيسية لمنافسة مادورو التي فازت مؤخراً بجائزة نوبل للسلام تتعاون مع ترمب وتدعو إلى مواجهة في بلادها.
لحظة مفصلية في مسار التوتر
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي ماهر عبد القادر، المقيم في نيويورك، إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إغلاق المجال الجوي الفنزويلي، وما رافقه من عمليات قتل خارج القانون طاولت عشرات المشتبه فيهم على قوارب انطلقت من السواحل الفنزويلية، يمثل لحظة مفصلية في مسار التوتر المتصاعد بين واشنطن وكاراكاس.
وقال: إن التبريرات التي قدّمها البيت الأبيض من مكافحة تهريب المخدرات إلى "استهداف شبكات الجريمة المنظمة" تفتقر إلى الأساسين القانوني والواقعي، وتشير إلى تحوّل خطير في طريقة توظيف القوة الأمريكية خارج الإطار القانوني الدولي، في عالم تراجع فيه احترام الشرعية الدولية.
وأكد عبد القادر أن ما يجري في الكاريبي يتجاوز تماماً حدود الصراع الأمريكي–الفنزويلي، لافتاً إلى أنه اختبار حيّ لقدرة واشنطن على فرض قواعد اشتباك جديدة في عالم بلا قواعد، ولحدود "القوة المفرطة" في بيئة دولية يتراجع فيها الردع المتبادل.
مرحلة جديدة من الصدامات المصطنعة
وقال: إذا مرّت سابقة قتل خارج القانون و حصار وإغلاق مجال جوي وتهديد بالغزو من دون محاسبة دولية، فإن أمريكا اللاتينية قد تكون أمام مرحلة جديدة من الصدامات المصطنعة، حيث يُستخدم ملف المخدرات ليس كقضية أمنية، بل كأداة جيوسياسية لإعادة تشكيل الأنظمة ورسم خريطة النفوذ في القارة.
وأشار عبد القادر إلى أنه خلال عام واحد فقط، نفّذت القوات الأمريكية أكثر من 90 عملية قتل خارج نطاق القانون ضد أفراد يُشتبه بتورطهم بالتهريب، موضحاً أن آلية التنفيذ من دون إنذارات، ومن دون محاولات توقيف، ومن دون أي إجراءات قضائية لاحقة، تكشف أن مكافحة المخدرات ليست سوى الإطار الخطابي الذي تُخفي خلفه واشنطن عملية عسكرية وأمنية واسعة النطاق في البحر الكاريبي، لا تختلف كثيراً عن تكتيكات "القتل المستهدف" التي اعتمدتها في غرينادا عام 1983 والشرق الأوسط.
ولفت إلى أن فنزويلا تتهم واشنطن بشن "حرب غير معلنة" عليها، وتعالت المخاوف في أمريكا اللاتينية من أن تكون هذه العمليات تمهيداً لسيناريو أكثر خطورة.
الانتشار العسكري الأمريكي: ضخّ قوة غير مسبوق
ويرى عبد القادر أن الانتشار العسكري الأمريكي ضخّ قوة غير مسبوق فمنذ آب 2025، نقلت واشنطن إلى الكاريبي قوة بحرية ضخمة تضم سفناً حربية بقيادة الأميرال آلفين هولسي، وغواصة هجومية نووية SNA، وقطعاً برمائية تحمل 4500 عنصر من قوات المارينز.
وقال: إن هذا الحجم من الانتشار يتجاوز بكثير متطلبات عمليات اعتراض تهريب تقليدية، ويرجّح أن واشنطن تتهيأ لعمليات ضغط أعلى سقفاً، تشمل: حصاراً بحرياً خانقاً على فنزويلا وعمليات داخل المياه الإقليمية بذريعة "المطاردة الساخنة" واحتمال التوغّل المحدود في العمق الفنزويلي تحت غطاء "حماية الأمن القومي الأمريكي".
وأكد عبد القادر أنه مع تصاعد خطاب ترمب الملوّح علناً بـ"غزو محتمل لكاراكاس"، يعود السؤال: هل نحن أمام فصل جديد من سياسة "تغيير الأنظمة" بواجهة جديدة؟
دوافع ترمب الحقيقية
وعن دوافع ترمب الحقيقية، أشار عبد القادر إلى أنها:
أولاً: حسابات داخلية– تعبئة القاعدة اليمينية، إضافة إلى أن ملف "المخدرات والهجرة" من أكثر الملفات فعالية في تعبئة قاعدة ترمب الانتخابية، وتقديم فنزويلا كـ"خصم ماركسي" يعيد إنتاج خطاب الحرب الباردة في قالب جديد.
ثانياً: احتواء التمدد الصيني في أمريكا الجنوبية، فالصين تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى الشريك الاقتصادي الأكبر لمعظم دول أمريكا اللاتينية.
وأضاف: إن واشنطن، التي تأخرت في مواجهة هذا التحول، تنظر إلى التصعيد مع فنزويلا كمدخل لإعادة هندسة التوازن في "الفناء الخلفي" ولجم التغلغل الصيني في الطاقة والبنى التحتية والموانئ.
ثالثاً: إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة فالخلاف الحاد بين ترمب والرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بترو يعكس نقطة تحول بنيوية.
وأكد عبد القادر أن انتقادات بترو للحرب على غزة ودعوته الجنود الأمريكيين للعصيان أخرجته من خانة "الحليف الأساسي" إلى "الدولة الخارجة عن المسار الأمريكي". وقال: إن قطع المساعدات (740 مليون دولار عام 2023) كان الإشارة الأولى في مسار ضغط قد يمتد إلى عقوبات أو دعم معارضات يمينية.
وبيّن عبد القادر أنه "مع انتشار الحكومات اليسارية في المكسيك والبرازيل وكولومبيا وتشيلي، تبدو واشنطن كأنها تعيد تفعيل استراتيجية احتواء شبيهة بسبعينيات القرن الماضي".
رابعاً: إعادة رسم المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية، وقال: إنه بعد انقلاب العلاقة بين ترمب والرئيس اليساري غوستافو بترو الذي انتقد بشدة الحرب على غزة وحرّض الجنود الأمريكيين على العصيان ودعا إلى "جيش عالمي لتحرير فلسطين" تحوّلت بوغوتا من "الحليف الأساسي خارج الناتو" إلى دولة "يجب تصحيح مسارها" وفق الخطاب الأمريكي.
ثلاثة اعتبارات رئيسة
وحول احتمال انزلاق الوضع إلى غزو كاراكاس، قال عبد القادر: رغم أن السيناريو ليس مستحيلاً، فإنّ كلفته السياسية والعسكرية مرتفعة.
وأضاف عبد القادر: هناك ثلاثة اعتبارات رئيسة:
أولاً: البيئة الإقليمية تغيّرت: دول أمريكا اللاتينية أكثر استقلالية، والبرازيل والمكسيك لن تقبلا بتكرار نموذج "غرينادا".
ثانياً: الخسائر المحتملة كبيرة: الجيش الفنزويلي يمتلك دفاعات جوية وصاروخية روسية متقدمة نسبياً، ما يجعل أي تدخل مكلفاً.
ثالثاً: غياب غطاء دولي: لا مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة يمكن أن يوفّرا شرعية عملية عسكرية.
وأكد عبد القادر أن واشنطن قد تلجأ إلى: تدخل محدود، استهداف مراكز قيادة، حصار خانق يهدف إلى إسقاط مادورو من الداخل.
أهداف مضمرة ورسائل أمريكية
من جهته، قال عضو اللجنة التنفيذية للمؤسسات الفلسطينية الأمريكية د. سنان شقديح: "يحمل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إغلاق المجال الجوي الفنزويلي عدداً من الأهداف المضمرة والرسائل الأمريكية فالإعلان هو خطوة تصعيدية تثير تساؤلات حول احتمال التدخل العسكري ضد نيكولاس مادورو".
وأشار إلى أن من الرسائل المعلنة توجيه ضربة اقتصادية تعزل فنزويلا وتعيق التجارة والدبلوماسية، وأيضاً قطع إمدادات النظام.
ويحمل القرار تأكيد دعم الإدارة الأمريكية للمعارضة وعدم الاعتراف بنظام الحكم الحالي.
تصعيد نفسي واقتصادي
أما الأهداف المضمرة وغير المعلنة، فيرى شقديح أن القرار يشكل تصعيداً نفسياً واقتصاديّاً لإضعاف النخبة والجيش، وفي الوقت ذاته اختبار ولاء الجيش لمادرو ودفعه للتحرك ضده.
وتابع سقديح: قرار ترمب أيضاً رسالة إلى روسيا والصين لإنهاء نفوذهما في أمريكا اللاتينية التي تعتبرها الإدارة الأمريكية ساحة خلفية لها. وداخلياً، أوضح شقديح أن القرار يحمل أجندة انتخابية داخلية لترمب عبر مخاطبة القاعدة الجماهيرية اللاتينية، وتحديداً في فلوريدا، وهي قاعدة بشكل عام معارضة للأنظمة اليسارية وذات توجهات دينية معظمها يتبع الكنيسة الكاثوليكية.
وتساءل شقديح: هل ستقود هذه الخطوة لتدخل أو غزو عسكري أمريكي لفنزويلا كما يهدد بعض أفراد إدارة ترمب؟ مشيراً إلى أنّ مؤشرات التصعيد متواصلة، وأخذت هذا الطابع العدائي نتيجة فشل العقوبات الأمريكية الأخرى على فنزويلا.
وتابع: إن هناك معوقات تحول دون الغزو العسكري، بينها أن قاعدة ترمب الانتخابية تعارض الحروب الخارجية، ولأن هناك كلفة بشرية واقتصادية وسياسية عالية لأي عدوان، عدا الرفضَين الإقليمي والدولي، وعدم اليقين بما يمكن أن تقود إليه مرحلة ما بعد مادورو، فليس هناك خارطة طريق سياسية مضمونة تضمن أن لا تتورط الولايات المتحدة في حرب طويلة.
ويرى شقديح في ختام تعقيبه أن خطوة إغلاق الأجواء الفنزويلية على الأرجح هي تكثيف للحصار والخنق الاقتصادي لدفع النظام إلى الانهيار الداخلي، بدلاً من غزو مباشر، لإجبار مادورو على الرحيل عبر تفاوض أو دفع الجيش للتحرك للخلاص منه.
السعي للإطاحة بالرئيس مادورو
بدوره، حذر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، من أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إغلاق المجال الجوي الفنزويلي يمثل عدواناً سافراً على سيادة دولة مستقلة ويحمل أهدافاً مضمرة خطيرة تستهدف الإطاحة بالرئيس مادورو وقد تنزلق الأوضاع نحو احتلال عسكري لكاراكاس.
وأكد أن القرار الأمريكي انتهاك صارخ للقانون الدولي، موضحاً أن ميثاق الأمم المتحدة يكفل لكل دولة السيادة الكاملة على مجالها الجوي وأن أي إغلاق أحادي من دولة أجنبية يشكل عدوانا على السيادة الوطنية ينتهك المادتين الأولى والثانية من الميثاق.
محاولة خنق فنزويلا اقتصادياً وتشجيع انقلاب عسكري
وأشار أستاذ القانون الدولي إلى أن الأهداف الأمريكية المضمرة واضحة وخطيرة، مؤكداً أن واشنطن تسعى لخنق فنزويلا اقتصادياً بقطع الاتصال الجوي مع العالم، وعزل النظام الفنزويلي دولياً، وتشجيع انقلاب عسكري داخلي ضد مادورو وتمهيد الطريق لتدخل عسكري أمريكي مباشر بذريعة حماية الديمقراطية.
وأوضح أن الرسائل الأمريكية متعددة الاتجاهات، مؤكداً أن واشنطن ترسل رسالة لمادورو بأن أيامه معدودة، وأنها لن تتردد في استخدام القوة ورسالة للمعارضة الفنزويلية بأن أمريكا تدعمها بقوة ورسالة لروسيا والصين بأن أمريكا مستعدة للمواجهة في الفناء الخلفي الأمريكي، ورسالة لدول أمريكا اللاتينية بأن من يعارض المصالح الأمريكية سيواجه مصيراً قاسياً.
وحذر الدكتور مهران من أن الأوضاع قد تنزلق بسرعة نحو احتلال عسكري، مؤكداً أن السيناريو الأمريكي التقليدي يبدأ بعقوبات اقتصادية ثم حصار جوي وبحري ثم تصعيد إعلامي حول انتهاكات حقوق الإنسان، ثم دعم انقلاب داخلي، وإذا فشل كل ذلك يأتي التدخل العسكري المباشر.
التاريخ الأمريكي مليء بالاحتلالات في أمريكا اللاتينية
و لفت إلى أن التاريخ الأمريكي مليء بالاحتلالات في أمريكا اللاتينية، مؤكداً أن واشنطن احتلت أو تدخلت عسكريا في غرينادا وبنما ونيكاراغوا والسلفادور والدومينيكان وغيرها، وأن فنزويلا ذات الثروات النفطية الهائلة هدف مُغرٍ للإمبريالية الأمريكية.
وأكد مهران أنه من منظور القانون الدولي، فإن إغلاق المجال الجوي لدولة أخرى عدوان محرم، موضحاً أن اتفاقية شيكاغو 1944 تنص على السيادة الكاملة لكل دولة على مجالها الجوي، وأن أي تدخل أحادي من دولة أجنبية ينتهك القانون الدولي.
كما أشار أيضاً إلى أن استخدام القوة أو التهديد به محظور دولياً، مؤكداً أن المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية إلا في حالتي الدفاع الشرعي أو بقرار من مجلس الأمن.
وبيّن مهران أن الحصار الجوي يُعد عملاً حربياً بموجب القانون الدولي، مؤكداً أن القانون الدولي الإنساني يعتبر الحصار، سواء برياً أو بحرياً أو جوياً عملاً عدائياً يمنح الطرف المستهدف حق الدفاع الشرعي.
الشعب الفنزويلي سيدفع الثمن الأكبر
وفي السياق ذاته، لفت مهران إلى أن الشعب الفنزويلي سيدفع الثمن الأكبر، مؤكداً أن الحصار الجوي سيعمق الأزمة الإنسانية ويمنع وصول الأدوية والمواد الأساسية، ويضاعف معاناة المدنيين الأبرياء الذين لا ذنب لهم في الصراعات السياسية.
ودعا الخبير الدولي مجلس الأمن إلى موقف حازم ضد العدوان الأمريكي، مؤكداً ضرورة إدانة فورية للقرار الأمريكي، وإلزام الولايات المتحدة باحترام سيادة فنزويلا، ومنع أي تدخل عسكري أمريكي في أمريكا اللاتينية.
كما دعا روسيا والصين إلى دعم فنزويلا بقوة، مؤكداً أن موسكو وبكين حليفتان استراتيجيتان لكاراكاس، ولهما مصالح حيوية في منع الهيمنة الأمريكية على أمريكا اللاتينية.
ودعا أيضاً الدكتور مهران دول أمريكا اللاتينية إلى موقف موحد، محذراً من أن السكوت على العدوان الأمريكي على فنزويلا اليوم يعني قبول التدخل الأمريكي في أي دولة لاتينية غداً.
وشدد مهران على أن "احترام السيادة الوطنية مبدأ أساسي في القانون الدولي، محذراً من أن عودة الإمبريالية الأمريكية العسكرية الفجة تهدد السلم والأمن الدوليين، وتعيد العالم إلى عصر الاستعمار المباشر الذي ظننا أنه انتهى للأبد".
استراتيجية "الخنق البطيء" لا المواجهة المباشرة
ويرى الباحث في الشأن الأمريكي وشؤون الشرق الأوسط توفيق طعمة أن إعلان ترمب إغلاق المجال الجوي الفنزويلي يحمل دلالات تتجاوز البعد الأمني الذي استخدمه غطاءً مثل مكافحة المخدرات أو التهريب ليتحول إلى خطوة سياسية وعسكرية ذات رسائل مباشرة لنظام مادورو وللإقليم بأكمله.
وقال: "هذا القرار يأتي ضمن تصعيد متدرّج بدأ بالعمليات البحرية في الكاريبي، ثم التهديد بضربات برّية، وأخيرًا فرض طوق جوّي نظري حول فنزويلا، ما يعني أن واشنطن تتحرك وفق استراتيجية "الخنق البطيء" وليس المواجهة المباشرة.
ثلاثة مستويات لأهداف ترمب
وأشار طعمة إلى أنه يمكن قرأة الأهداف من إعلان ترمب من ثلاثة مستويات: أولًا إضعاف مادورو داخليًا، عبر عزل البلاد جويًا وإظهار النظام كهدف مشروع لعمليات أمريكية قد تتوسع.
ثانيًا: إرسال إشارة لحلفاء واشنطن في أمريكا اللاتينية بأن الولايات المتحدة مستعدة لاستعادة نفوذها في المنطقة، في لحظة تعاني فيها فنزويلا اقتصاديًا وسياسيًا، ومع تراجع تماسك التيار اليساري الإقليمي. ثالثًا: تهيئة بيئة ضغط قد تفتح الباب أمام تغيير سياسي سواء عبر تفاوض قسري أو عبر تحركات داخلية ضد مادورو.
ورغم التصعيد، أكد طعمة أنه يبقى احتمال اجتياح كاراكاس أو إسقاط النظام عسكريًا ضعيفًا في المدى القريب، فعملية من هذا النوع تحتاج تحالفًا دوليًا، وضمانات قانونية، وقدرة على إدارة بلد كبير ومعقّد سياسيًا واقتصاديًا.
وقال طعمة: ما يبدو أكثر واقعية هو حصار جوي بحري مشدد، ضربات محدودة، وعمليات خاصة ضد أهداف تعتبرها واشنطن مرتبطة بالجريمة المنظمة، وهذا النوع من الضغط قد يخلق حالة اختناق سياسي واقتصادي تُضعف النظام تدريجيًا، وتفتح المجال لتسوية تفرضها واشنطن.





شارك برأيك
إغلاق الأجواء الفنزويلية.. مدخل أمريكي لإعادة هندسة التوازن في "الفناء الخلفي"