عربي ودولي

الثّلاثاء 21 أكتوبر 2025 7:52 مساءً - بتوقيت القدس

تعثر تشكيل القوة الدولية في غزة بسبب مخاوف أمنية وغموض المهمة

واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات 

في ظل الهدوء الهش الذي يسود قطاع غزة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الأسبوع الماضي، تبدو مهمة تثبيت هذا الهدوء أكثر تعقيدًا مما توحي به البيانات السياسية. فبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" يوم الثلاثاء عن تردد الدول  في إرسال قوات إلى غزة "خوفًا من صدامات مع حماس"، فإن الركائز التي يقوم عليها وقف إطلاق النار الحالي تعتمد على فرضيتين أساسيتين: تخلي مسلحي حماس عن أسلحتهم، وانتشار قوة دولية لحفظ السلام تتولى مهام الأمن في المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية.

إلا أن هذه الخطة تواجه عقبة كبيرة، إذ أبدت الدول المرشحة للمشاركة في تلك القوة ترددًا واضحًا في إرسال جنودها إلى غزة، خشية الدخول في مواجهة مباشرة مع حركة حماس التي لا تزال تحتفظ بقدراتها العسكرية، وفق ما نقلته الصحيفة عن دبلوماسيين وأشخاص مطلعين على المداولات الجارية.

وتوضح الصحيفة أن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تضمنت عشرين نقطة وأدت إلى الهدنة وتبادل الأسرى والرهائن بين إسرائيل وحماس، نصّت على النشر الفوري لـ"قوة استقرار دولية مؤقتة" في غزة. وكان الهدف من تلك القوة تأمين المناطق المنسحب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي، ومنع دخول الذخائر، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، إضافة إلى تدريب قوة شرطة فلسطينية تتولى إدارة الأمن المحلي.

وترى "نيويورك تايمز" أن مصير هذه القوة قد يحدد مستقبل الهدنة برمّتها، وما إذا كانت قابلة للتحول إلى اتفاق سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو أنها ستظل مجرد هدنة مؤقتة سرعان ما تنهار أمام تصاعد التوترات.

غموض المهمة يعطل تشكيل القوة

وبحسب دبلوماسيين ومسؤولين من عدة دول، لم يُحرز أي تقدم ملموس في تجميع القوة الدولية، في ظل غموض يكتنف طبيعة مهمتها. ويُعد هذا الغموض، وفقًا للمقال، "العقبة الأخطر" أمام المضي في تشكيلها. فقد نقلت الصحيفة عن ممثلين لدول يُنظر إليها على أنها مرشحة للمشاركة قولهم إنهم لن يلتزموا بإرسال قوات حتى تتضح المهمة الموكلة إليها بدقة، وما إذا كانت ستضطلع بمهام قتالية أو حفظ أمن فقط.

ويتمثل أبرز المخاوف في أن تُطلب من هذه القوات مواجهة مقاتلي حماس نيابةً عن إسرائيل، وهو احتمال قال دبلوماسيون إنه كفيل بإقناع عدد كبير من الدول بالتراجع عن المشاركة. كما أعربت بعض الدول في نقاشات مغلقة عن خشيتها من التمركز في مراكز المدن داخل غزة، لما تمثله شبكة أنفاق حماس من تهديد أمني معقد، وفق ما نقلته الصحيفة عن مصادر مطلعة على المحادثات.

اشتباكات جديدة تعزز المخاوف

وتؤكد "نيويورك تايمز" أن العنف الذي اندلع في غزة الأحد الماضي أعاد التأكيد على وجاهة هذه المخاوف. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن هجومًا شنه مسلحون فلسطينيون في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل أدى إلى مقتل جنديين، لترد تل أبيب بقصف وصفته بالعقابي استهدف منشآت تابعة لحماس، وأسفر عن مقتل 45 فلسطينيًا، بحسب وزارة الصحة في غزة، التي لم تميز بين المدنيين والمقاتلين.

مداولات إقليمية ودولية

وتشير الصحيفة إلى أن جهود تشكيل القوة ليست جديدة، إذ بدأت محاولات أولية في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، شملت اتصالات لتجنيد أفراد من إندونيسيا والإمارات العربية المتحدة ومصر وإيطاليا، وفق ما ذكر جيمي روبين، المستشار السابق لوزير الخارجية آنذاك، أنطوني بلينكن، وأحد المساهمين في وضع خطة الحوكمة لما بعد الحرب في غزة.

وفي الأشهر الأخيرة، توسعت المناقشات لتشمل إندونيسيا ومصر وتركيا وأذربيجان، بحسب دبلوماسيين. ويأمل الوسطاء الذين توسطوا لوقف إطلاق النار أن يتم إرسال قوة دولية في أسرع وقت ممكن من أجل تثبيت الاستقرار في غزة، قبل أن تعيد حماس ترتيب صفوفها في نصف القطاع الذي انسحبت منه إسرائيل حتى الآن.

مواقف متباينة من أنقرة وجاكرتا

وفي أنقرة، أصدر بيان حكومي تركي جاء فيه أن الرئيس رجب طيب أردوغان أعلن استعداد بلاده للانضمام إلى قوة مهام تشرف على وقف إطلاق النار. ولم يتضح بعد ما إذا كان يشير بذلك إلى “قوة الاستقرار” المقترحة تحديدًا. إلا أن الصحيفة لفتت إلى أن إسرائيل قد تتحفظ على دور تركي قيادي في غزة، بالنظر إلى مواقف أردوغان الحادة ضدها خلال العامين الماضيين.

أما إندونيسيا، فقد أبدت موقفًا أكثر وضوحًا، إذ قال الرئيس برابوو سوبيانتو في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي إن بلاده مستعدة لإرسال 20 ألف جندي أو أكثر "للمساعدة في تأمين السلام في غزة"، بل وفي مناطق صراع أخرى حول العالم.

وبينما يسعى الوسطاء الدوليون إلى إيجاد صيغة تحفظ الهدنة وتمنع انهيارها، يبدو أن تشكيل قوة الاستقرار الدولية يواجه عراقيل سياسية وأمنية كبيرة. فالدول المترددة لا ترغب في الانخراط في مواجهة مع حماس، ولا في الظهور كأداة لتنفيذ السياسات الإسرائيلية في القطاع. وبين هذه الاعتبارات، يظل مستقبل الهدنة في غزة رهينة لمعادلة شديدة التعقيد، تجمع بين حسابات القوى الإقليمية والمخاوف الميدانية، وبين سعي واشنطن لتثبيت إنجاز دبلوماسي لطالما بدا بعيد المنال.

دلالات

شارك برأيك

تعثر تشكيل القوة الدولية في غزة بسبب مخاوف أمنية وغموض المهمة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.