أقلام وأراء

الأحد 05 أكتوبر 2025 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

المتشائل في غزة: فلسفة الحرية المؤجلة في خطة ترمب

يقول الكاتب الكبير إميل حبيبي في روايته: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل: أسال نفسي: من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمد الله على أنه لم يقبضني في المنام، فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا: أمتشائم أنا أم متفائل؟
لو قُدر لسعيد أبي النحس المتشائل، الشخصية التي ابتكرها الكاتب إميل حبيبي، أن يعبر الزمن إلى غزة اليوم، لوجد نفسه أمام امتحان وجودي جديد، ها هو الواقع يكرر نفسه بفظاعة، لكن بثياب مختلفة، فبينما كان سعيد يعيش مأساة الفلسطينيين تحت الحكم العسكري بعد نكبة1948، ها هم أحفاده اليوم في غزة يعيشون تحت القصف وفي مواجهة ما يسمى خطة سلام لوقف الحرب طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في 30 أيلول 2025.
يطلّ الفلسطيني اليوم على مشهد معقّد، يقف فيه بين الأمل واليأس، بين الحلم المستحيل والواقع المأساوي، وكأنّه استعاد شخصية إميل حبيبي "المتشائل" التي جمعت بين التفاؤل المُرّ والتشاؤم العبثي، في غزة حيث تتقاطع النيران والجوع والحصار، يجد الفلسطيني نفسه محاطاً بخطة أمريكية تُسمى "خطة ترمب"، وقد وُضعت كأنها قدر مكتوب يُفرض عليه لا خيار فيه.
المتشائل في غزة لا يجرؤ على أن يفرح، ولا يستطيع أن يستسلم، يسمع التصفيق الدولي والترحيب من أطراف عديدة بالخطة،  لكنه يعرف أن الترحيب لا يعني عدلاً، بل محاولة لإعادة تشكيل القضية الفلسطينية وفق ميزان القوة. فهل يُطلب من غزة أن تقول "نعم" وهي الغارقة في الدمار؟ وهل يملك الأسير أن يوقّع على صك سجنه؟
يقول أبو النحس: عجيبٌ أمر الإنسان، يضحك وهو يتعذب، ويأمل و هو يعرف أن لا أمل له، ويُصر على أن يسمي الوهم حقيقة.
جوهر الخطة لم يكن سوى محاولة لنزع جريمة الإبادة الجماعية عن إسرائيل، وإظهارها كضحية تدافع عن نفسها، فيما الفلسطينيون يصوَّرون كأداة عنف يجب استئصالها، إنها سردية مقلوبة، تُحوِّل القاتل إلى بريء، وتحوّل الضحية إلى متهم. في هذا القلب للمشهد، يصبح "السلام" مجرّد قناع لشرعنة الاحتلال.
المتشائل في غزة ينظر إلى خطة ترمب- نتنياهو كنافذة نجاة: صمت الطائرات والرصاص، غياب القصف، هدنة مؤقتة تشبه قطرة ماء في صحراء ممتدة، لكنها في العمق تحمل نوايا الفصل والعزل، وتبهيت الاعترافات الدولية بدولة فلسطينية، بل محوها من الأصل، تبقى غزة محاصرة بالنار، والضفة تُبتلع بالمستوطنات، هنا يقف المتشائل فوق الركام، يبتسم للحظة النجاة، لكنه في داخله يخشى أن تكون هذه النجاة فخاً، وأن يتحول وقف الحرب إلى وصاية دولية يقودها رجل العقارات ترمب، تحول غزة إلى قفص منفصل والضفة إلى جغرافيا مُسيّجة.
قد يتوقف الموت في غزة، لكن الخوف أن يفقد الوطن السياسي  ذاته، فإذا كانت النكبة اقتلعت الجذور، وحرب حزيران ضيعت المكان، فإن خطة ترمب تلغي فلسطين ككيان وهوية، وهنا يقف سعيد أبو النحس ضاحكاً باكياً على وطن يتبخر من خرائط الأمم.
 يقول سعيد أبو النحس المتشائل: الحرب تميت الجسد دفعة واحدة، أما خطة ترمب تميت الروح بالتقسيط، الحرب تسقط حجارة البيوت، أما الخطة تسقط حجارة القلب، هل نضحك على الحرب لأنها صريحة، أم نبكي على الخطة لأنها خديعة.
المتشائل يخرج من الرواية، يسافر من حيفا إلى غزة، يعتذر من الكاتب إميل حبيبي، وهو يردد: خطة ترمب فيها تفاصيل للمقصلة، ذبحونا بالسيوف فلم نسقط، ذبحونا بالقنابل فنهضنا، والآن يريدون ذبحنا بالحبر الأسود الأمريكي.
أنا المتشائل، أعرف منذ النكبة أن الحرب قد تدور في التفاصيل، في البند الثاني، في الفاصلة الثالثة، في الهامش الصغير، أنا سعيد جئتكم من رواية قديمة، لكن يبدو أن الواقع أكثر خيالاً من الأدب، في زماني كان لكع بن لكع مسخرة على خشبة المسرح، أما اليوم فقد صار خطة دولية لوقف الحرب.
أنا المتشائل في غزة، أضحك وأبكي في الوقت نفسه، يقولون: الإبادة ستتوقف، فأصفق قليلاً، لأنني سئمت جنازاتي اليومية، وأريد أن ينام الأطفال ليلة بلا خوف، لكنني أضحك بمرارة، أين حق تقرير المصير؟ أين العدالة الدولية في محاكمة من أحرقوا غزة؟ هل أنا مجرد بطن جائع؟ أم أننا شعب يريد أن يكون حراً؟
قد يسأل المتشائل: هل نضحك أم نبكي؟ هل نقبل الوهم كي نبقى أحياء، أم نرفض الوهم ونموت بكرامة؟ الفلسفة هنا لا تقدّم جواباً سهلاً، لكنها تضع الفلسطيني أمام حقيقة وجودية: إن قبول الخطة يعني نهاية الحلم الوطني، ورفضها يعني استمرار النزيف. وكأنّ الفلسطيني محكوم بلعنة سيزيف، يدحرج صخرته في صعود أبدي، لا يبلغ القمة ولا ينهزم.
ما أجمل العنوان؛ وقف الحرب، وبدأت التهاليل، خرجت الجثث من تحت الأنقاض، عاد الناس إلى بيوتهم الممسوحة، لكنني أنا المتشائل أعرف أن الذبح ليس في العنوان، الذبح في الشروط المذلة، في البنود التي تُكتب بمداد القناص، في ذكاء الأقوياء الذين يعيدون ترتيب المشهد كمن يلعب الشطرنج بدمنا، وبلاهة الضعفاء الذين يصدقوا أن السلام يمكن أن يولد من رحم المجزرة.
ما لم يكتبه إميل حبيبي هو أن الموت في هذه الأرض لا يحتاج إلى رصاصة، يكفي أن تجلس لجنة دولية حول طاولة مستديرة، وتضع أمامها مسودة خطة سلام، عندها يبدأ الذبح في الكلمات، في الجملة الاعتراضية، في الهوامش التي تسقط كالسكين على عنق المكان، وتحول الوطن إلى حاشية والشعب إلى ملحق قابل للشطب.
لو رأى إميل حبيبي غزة الآن لما كتب المتشائل وحمد الله أنه لم يقع أسوأ من النكبة، سيكتشف أن غزة اليوم ليست مسرحاً للسخرية بقدر ما هي مسرح للدمار والمحرقة اليومية، وأن المفارقات صارت أكبر من أن تُختصر بمتشائل، صارت غزة نفسها رواية مفتوحة، لا تستطيع أن توازن بين التفاؤل والتشاؤم، لأن شدة الالم وجحيم الموت تجاوزت المسافة بينهما.
يا إميل، يا ساخر هذا الشرق، يا من علمتنا أن نضحك ونحن على حافة البكاء، ها نحن اليوم نعيش روايتك: حرب يريدون أن يوقفوها لكن بثمن الوطن، نعم نريد أن تتوقف الإبادة التي تلتهم غزة، لكننا لا نريد أن يتحول وقف إطلاق النار الى إبادة سياسية قومية، تُمحى فيها فلسطين من الخرائط، وتُختزل حقوقها في إدارة مدنية تحت وصاية أمريكية.
غزة اليوم ليست فقط جغرافيا محاصرة، بل هي سؤال الوجود الفلسطيني نفسه. كل بيت يُقصف، كل طفل يُشرّد، كل جريح يبحث عن دواء، هو جزء من رواية أكبر: رواية الإنسان الذي يرفض أن يتحوّل إلى ظل في مسرح الآخرين. المتشائل الغزّي يقول: "نعم، نحن نعرف أن الطريق مسدود، لكننا سنمشي فيه حتى النهاية".
تبدو خطة ترمب في عين المتشائل كجزء من عبث سياسي عالمي، يراهن على تعب الفلسطيني واستنزافه، لكنه يغفل أن في أعماق هذا الشعب شتاءً لا يقهر، المتشائل في غزة، برغم كل شيء، لا يفقد قدرته على السخرية من المأساة، ولا يتوقف عن الحلم، لأن الحلم ذاته أصبح شكلاً من أشكال المقاومة.
أنا المتشائل وأنا غزة، نضحك سوياً على موتٍ مكتوبٍ بحبر السلام، وننهض كل مرة من تحت الحطام كقصيدةٍ تُكمل نفسها رغم المقتلة.
أنا المتشائل أرقص على خيطٍ مشدود، أضحك كي لا أموت من البكاء، وأبكي لأنني أعرف أن السلام الذي يجيئ من فوق دمائي ليس سلاماً، وأن في البنود الخفية لخطة ترمب هاوية من فراغ، ما زلت أسمع صوت الانفجارات، وخطاباً حربياً عن إسبارطة وعقلية القلعة، وليس الشرعية الدولية، تحويل غزة إلى ثكنة كبرى، وصهرها بالنار والدم والحديد.
أنا المتشائل، الأولوية القصوى وقف الإبادة الجماعية المستمرة، التي تجعل القبور تتسع لمدن كاملة، ولكن البقاء بلا حرية موت مؤجل، فلا تجعلوني أتأرجح فرحاً بصمت المدافع، وصارخاً من خيانة التاريخ، فلسطين لا تقايض الحياة بالوطن، لأن الوطن هو الحياة.

دلالات

شارك برأيك

المتشائل في غزة: فلسفة الحرية المؤجلة في خطة ترمب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.