في الفترة الأخيرة، بدأ يظهر تغير واضح في تركيبة المشهد الداخلي لقطاع غزة. من بين أبرز هذه التغيرات، بروز مجموعات محلية مسلحة مثل مجموعة "أبو شباب"، التي بدأت تأخذ أدواراً كانت سابقاً محصورة بيد حكومة حماس، خصوصاً في الجانب المدني المتعلق بتنظيم المجتمع وحماية المساعدات ومتابعة الوضع الأمني. هذه المجموعات لا تتحرك في الظل فقط، بل بات وجودها محسوساً في الشارع، وفي مراكز توزيع المساعدات، وفي نقاط التفتيش، وحتى في التعامل المباشر مع السكان.
هذا الدور المستجد يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة: هل بدأ فعلاً نفوذ حماس المدني يتراجع؟ وهل نرى اليوم بداية لانقسام داخل غزة بين من يمسك بالأمن الميداني ومن يدير المقاومة؟ من المعروف أن حماس لطالما جمعت بين القوة العسكرية وإدارة الشأن المدني، لكنها الآن، تحت ضغط الحصار والضربات والخسائر، قد تجد نفسها مضطرة للتركيز على الجانب العسكري، وترك مساحة للقوى الأخرى كي تدير بعض التفاصيل اليومية.
مجموعة "أبو شباب" – التي لم تكن حتى وقت قريب جزءاً من المشهد المعروف – باتت اليوم تتقدم بخطى ثابتة. ومن خلال دورها في حماية قوافل المساعدات ومنع الفوضى والسرقات، تقدم نفسها كقوة تنظيمية تهدف إلى فرض نوع من النظام، خاصة في ظل الفراغ الذي يشعر به الناس نتيجة الضغط على مؤسسات حماس. لكن من يقف خلف هذه المجموعة؟ ومن يدعم تحركاتها؟ هذه أسئلة لم تُحسم بعد، والشارع لا يملك إجابات واضحة.
من جهة الناس، هناك تباين كبير في المواقف. جزء من السكان ينظر إلى هذه التحركات باعتبارها ضرورية، خاصة في ظل الانهيار الحاصل في الخدمات وغياب الإشراف الفعال على بعض المفاصل المدنية. هذا الفريق يرى أن أي جهة قادرة على ضبط الأمن وتوزيع المساعدات بشكل منظم تستحق الفرصة. بينما هناك طرف آخر يشعر بالقلق، ويرى أن دخول مجموعات غير منتخبة إلى ساحة الإدارة المدنية قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى، ويطرح علامات استفهام حول شرعية هذه الجهات وأجنداتها، خاصة في بيئة مشبعة بالتدخلات الإقليمية.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل تسير غزة نحو نموذج جديد تفصل فيه بين العمل العسكري والسياسي؟ وهل هذا الانتقال يحدث بقرار من حماس، أم هو نتيجة ضغوط فرضت عليها؟ وما مصير المجموعات الجديدة في حال تحسنت ظروف الحركة أو تغيرت الحسابات الإقليمية؟ هذه المرحلة لا تشبه ما سبق، وما يجري اليوم هو أكثر من مجرد ترتيبات ميدانية؛ إنه اختبار لقدرة غزة على التكيّف مع واقع سياسي وأمني جديد، يتشكل على وقع الحرب والتدخلات والمصالح المتشابكة.
وفي هذا المناخ، تبدو غزة وكأنها على أبواب تحوّل حقيقي. لا أحد يعرف إن كان نحو الاستقرار أو نحو مزيد من الانقسام. لكن الأكيد أن الأدوار تتبدل، واللاعبين الجدد يفرضون أنفسهم، والناس بين الترقب والتجربة، يأملون فقط أن لا يكون الثمن من حياتهم اليومية ومن ما تبقى لهم من أمان.
Powered by Froala Editor





شارك برأيك
هل بدأ فعلاً نفوذ حماس المدني يتراجع في غزة ؟