أقلام وأراء

الجمعة 01 مارس 2024 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

حكومة اشتية الأقل حظًا

حكومة الدكتور محمد اشتية التي قدمت استقالتها للرئيس محمود عباس، هي الحكومة الأقل حظًا بين الحكومات المتعاقبة منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن يكتب بإيجابية عنها سيلقى سخطًا شعبيًا عاليًا. وبما أنها استقالت فيمكن لي أن أكتب، وليس القصد استجلاب العداء لي والسخط على ما سأقول، ولكن من باب تجريب التقييم بموضوعية، ولقراءة المشهد بالنظر إلى ما مضى من الزوايا الواقعية.


جاءت حكومة الدكتور اشتية كحاجة وضرورة ماسة في حينه، بعد حكومة الدكتور رامي الحمد الله التي تعثرت هي الأخرى وقضت أيامها بل أشهرها الأخيرة تصارع الإضرابات والإعتصامات والخلافات التي سادت بين الاتحادات والنقابات وبين الحكومة، فجاءت حكومة اشتية التي وعدت بمعالجة عديد القضايا، وأطلقت العهود في محاولة ترميم الوضع الداخلي وما يعانيه الناس من ظروف حياتية، وإصلاح الواقع وتلبية المطالب العادلة التي تتعلق بالواقع المعيشي أولًا.


في الأيام والأشهر الأولى تأمل الناس كثيرًا، حكومة يمشي رئيس وزرائها على قدميه ليصل مكتبه، فكانت للأسف صورة خادعة حين فعلها لمرة واحدة، ثم انتكست الآمال حين كنا نرى الموكب يطول ويتمدد بمركبات ومرافقين وسائقين. شعبنا، وللحقيقة لم يلتفت كثيرًا للأمر، ولو أن البعض مارس السخرية على الموقف كرد اعتبار للذات الفلسطينية التي لا تقبل أي حالة إستغباء، ولو كانت عابرة.


أول ما واجهته حكومة اشتية فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات الأمريكية، ومنذ لحظة فوزه جاء منتقمًا، معاديًا، صهيونيًا أكثر من الصهاينة، مروجًا لصفقة القرن التي شكلت ضربة كبيرة لفكرة حل الدولتين ومشروع السلام برمته، وقد تشدد في مواقفه الرافضة لقبول الحق الفلسطيني أو الاعتراف به، فخرج بوعده السخيف وإعلانه القدس عاصمة موحدة للاحتلال، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ووقف دعم السلطة وخزينة الحكومة الفلسطينية، والتأثير على عديد الدول لتوقف دعمها للسلطة والحكومة الفلسطينية، وبالفعل فقد انصاعت العديد من الدول وأوقفت دعمها. ولإنصاف المرحلة تلك، أبدت الحكومة التزامًا وطنيًا رافضًا لمشروع ترامب وصهره كوشنير، وتحملت عبء الضائقة المالية التي بدأت حينها بالحصار المالي من قبل أمريكا، وعملت على تفكيك الحصار السياسي الذي كانت تضعه أمريكا والاحتلال، لعزل فلسطين عن محيطها العربي والإقليمي والدولي، والكل يذكر كيف هرولت دولًا وخافت ممالك بل وارتعبت ودفعت مئات المليارات، وقدمت الطاعة رعبًا من ترامب وحاشيته. وكان الفلسطيني وحده الذي يرفض ويقول يخرب بيتك يا ترامب، واحتمل عداء ترامب في الوقت الذي خافه الجميع.


ثاني ما واجهته حكومة اشتية جائحة كورونا، حين وصلتنا مبكرًا وقبل الكثير من دول الجوار، فكانت تجربة حديثة فرضت واقعًا مختلفًا، وفايروسًا خطيرًا أرعب في حينه البشرية، وعدوًا غير مرئي، مميتًا وقاتلًا، وهذا وضعنا في أن نكون حقل تجارب أحيانًا، لظرف أننا من أوائل الدول التي وصلها الفايروس في المنطقة، وفي هذا ليست التجربة تحتمل الصواب أو الخطأ، لأن الثمن مرعب وقاتل، فالخسائر أرواح الناس والبشر، وهذا فرض تحديًا صعبًا في ظل جائحة عطلت حياة الناس بكل تفاصيلها وراكمت الالتزامات، ولكن يمكننا القول أن حكومة اشتية بكامل أركانها نجحت إلى حد ما في تجاوز الجائحة، خاصة الصحية والأمنية والوعي الشعبي الذي ساهم بالحد من خطورة وأضرار الوباء، حتى أن المؤتمر الصحفي الذي كان يقوده الأستاذ القدير إبراهيم ملحم كل نهار باقتدار، أصبح تقليدًا لدول الجوار فيما بعد، عندما وصلتهم الجائحة.


ثالث ما واجهته حكومة إسرائيلية شديدة التطرف والتعصب، بتحالف يميني غير مسبوق، وقد أخذت قراراتها بالتبرؤ من عملية السلام، وشرعت ببناء المستوطنات ومصادرة الأراضي وتهويد القدس وسن القوانين العنصرية، وكرست اقتحام المسجد الأقصى بشكل يومي، وقامت بقرصنة الأموال، وتنكرت لكل الاتفاقيات السياسية، وعملت على تقويض السلطة من خلال العديد من الخطوات والممارسات التي أضعفت السلطة إلى الحد الذي لم تعد فيه قادرة على دفع رواتب الموظفين، والقيام بدورها الوظيفي.


رابع ما واجهته، الحروب المتكررة على قطاع غزة في عام ٢٠٢٠ و ٢٠٢١ والحرب المستعرة هذه الأيام منذ أكتوبر ٢٠٢٣. وحربها على مدن الضفة والاجتياح المتكرر وعمليات الاغتيال والقتل والاعتقالات، وتدمير البنى التحتية، وقرارات الضم وقضم الأراضي، وزيادة الحواجز، ومحاولاتها في فرض عزلة دولية من خلال الترويج للأكاذيب والشائعات وغيرها.


خامس ما واجهته، انعكاس كل ما ذكر بشكل مباشر عن الشأن الداخلي، فارتفعت البطالة بشكل ملحوظ، وتدافعت النقابات للإضراب والاحتجاج، خاصة المعلمين والصحة، وبدت الوعود تتراجع، واتضح عجز الحكومة، فلم تعد قادرة على الإيفاء بالتزاماتها، ولم تعد قادرة على التخلص من القرصنة الإسرائيلية لأموال الضرائب، فبات المواطن ينتظر لحظة التغيير الحكومي الذي من وجهة نظر الكثيرين أنه تأخر كثيرًا.


لو أردنا أن نحصي الوعود التي أطلقتها حكومة اشتية، لما استطعنا جمعها في مقال واحد، ولو نظرنا لما تحقق من تلك الوعود، لكتبناها في سطر أو أقل، وهذا يفسر حالة عدم الرضا الشعبي عن أداء الحكومة.


الحكومة القادمة لن يكون حالها أفضل، فالتحديات هي ذاتها، بل أضيف إليها الدمار والخراب والإبادة الجماعية في غزة، إلى جانب الملفات الأخرى التي تركتها خلفها حكومة اشتية، وهي ملفات ثقيلة على أي حكومة قادمة مهما كان شكلها، ويبقى الأمل أن تكون الحكومة القادمة حكومة ميدان، وحكومة عمل، وأن لا ترفع الشعارات الرنانة، وأن لا تكون حكومة أقوال بل حكومة أعمال.

دلالات

شارك برأيك

حكومة اشتية الأقل حظًا

المزيد في أقلام وأراء

العرب الأميركيون..والحاجة إلى الصمود

جيمس زغبي

هل يريد نتنياهو والسنوار التوصل إلى اتفاق؟

غيرشون باسكن

إسرائيل: اوقفوا إطلاق النار، واعيدوا الرهائن، وغادروا غزة، وإعيدوا التفكير في كل شيء

توم فريدمان

غزة تباد ..والعيد حداد

حديث القدس

آثار الحروب على حياة الأطفال: صرخةٌ تحتاج إلى الاصغاء

نعيمة نعمان عبد ‏الله

قراءة سياسية في رمضان هذا العام

وليد الهودلي

إسرائيل وسقوط القناع

جمعة بوكليب

إلى أين يا وليد؟.. في انتظار الباص إلى رام الله

عيسى قراقع

لا هو عيد ولا هو سعيد

بهاء رحال

خان يونس : بقايا الحيطان والجدران شاهدة على بشاعة العدوان

حديث القدس

إستراتيجية استمرار الحرب الإسرائيلية

فايد أبو شمالة

العنصرية الغربية عارية: اقتلوا الفلسطينيين ولكن ليس المواطنين “البيض”!

فراس أبو هلال

طبّاخ السمّ يذوقه في مطبخ الإبادة العالمي!

حسام شاكر

عالم انحطاط بشري

منير شفيق

عندما يعجز المستعمِر عن صهر وعي المثقف الثوري

وسام رفيدي

تحولات الرأي العام والفشل في اصلاح الحال

جمال زقوت

في تراتيل حكاية الامير الصغير ..

يونس العموري

الاعتراف بالدولة ومجلس الامن

دلال صائب عريقات

وليد …الشهيد

حديث القدس

أَما الفقراء.. فلا بواكِي لهم

مؤيد عفانة

أسعار العملات

الأربعاء 10 أبريل 2024 9:48 صباحًا

دولار / شيكل

بيع 3.71

شراء 3.7

دينار / شيكل

بيع 5.23

شراء 5.2

يورو / شيكل

بيع 4.02

شراء 3.99

رغم قرار مجلس الأمن.. هل تجتاح إسرائيل رفح؟

%70

%24

%6

(مجموع المصوتين 88)

القدس حالة الطقس