الخميس 14 مايو 2026 12:43 مساءً -
بتوقيت القدس
أفادت مصادر استخباراتية أمريكية، وفق ما نقلته تقارير صحفية دولية، برصد تحركات مريبة لشركات صينية تجري محادثات مع مسؤولين إيرانيين لإبرام صفقات تسليح. وتتضمن هذه الخطط آليات معقدة لنقل العتاد العسكري عبر دول ثالثة بهدف التمويه وإخفاء المصدر الحقيقي للشحنات، في محاولة للالتفاف على الرقابة الدولية المفروضة.
وأوضحت المصادر أن المعلومات المتوفرة لدى واشنطن تشير إلى مناقشات جادة حول عمليات نقل أسلحة، لكنها أكدت في الوقت ذاته عدم وضوح الحجم الفعلي لهذه الشحنات. كما لا يزال الغموض يكتنف مدى علم أو موافقة الحكومة المركزية في بكين على هذه التحركات التي تقودها شركات خاصة أو شبه رسمية.
وتشير التقديرات الأمنية إلى أن المخطط يعتمد على استخدام دول وسيطة في القارة الأفريقية لتكون محطات ترانزيت للشحنات العسكرية المتجهة إلى طهران. وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي إيران الدائم لتأمين خطوط إمداد بديلة بعيدة عن أعين أجهزة المخابرات الغربية التي تفرض رقابة صارمة على الممرات الملاحية التقليدية.
ومن المتوقع أن تضع هذه التسريبات ضغوطاً إضافية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته المرتقبة إلى الصين، حيث سيطالب بإثارة هذا الملف الحساس مع القيادة الصينية. وتسعى الإدارة الأمريكية حالياً لموازنة الضغوط الدبلوماسية مع الرغبة في عدم تفجير أزمة شاملة في العلاقات الثنائية المتوترة أصلاً.
وفي تصريحات مرتبطة، أكد الرئيس ترامب عزمه إجراء "محادثة مطولة" مع نظيره الصيني شي جين بينغ تتناول الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط. ووصف ترامب الموقف الصيني تجاه الملف الإيراني بأنه كان "جيداً نسبياً" في الفترات الماضية، معرباً عن أمله في استمرار هذا التوجه.
ترامب: سأجري محادثة طويلة مع الرئيس الصيني بشأن صراعات الشرق الأوسط، وموقف بكين من إيران كان جيداً نسبياً حتى الآن.
وعلى الرغم من هذه التقارير، أكد مسؤولون مطلعون أنه لم يتم رصد أي استخدام فعلي لأسلحة صينية حديثة في ميادين القتال ضد القوات الأمريكية أو الإسرائيلية منذ اندلاع المواجهات الأخيرة في فبراير. وتبقى الآراء منقسمة داخل أروقة الاستخبارات حول ما إذا كانت أي قطع عسكرية قد وصلت بالفعل إلى الدول الوسيطة أم أنها لا تزال في طور التفاوض.
وتشير تفاصيل إضافية إلى أن الاهتمام الإيراني يتركز على الحصول على صواريخ محمولة على الكتف من طراز "مانباد"، وهي منظومات دفاع جوي قادرة على تهديد الطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة. كما تشمل المباحثات أنظمة إلكترونية ومكونات تدخل في صناعة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي تعتمد عليها طهران بشكل كبير.
وتحاول واشنطن ممارسة ضغوط مباشرة وغير مباشرة على بكين لتقليص أي دعم عسكري محتمل، محذرة من تداعيات ذلك على الاستقرار الإقليمي. ويرى مراقبون أن الحكومة الصينية، رغم عدم صدور موافقة رسمية منها، لا يمكن أن تغيب عنها مناقشات بهذا الحجم والأهمية الاستراتيجية تجريها شركاتها الكبرى.
وفي سياق متصل، كشف الرئيس الأمريكي في مقابلة إعلامية سابقة أنه طلب صراحة من الرئيس الصيني منع أي عمليات نقل أسلحة إلى إيران، مشيراً إلى تلقيه وعوداً من شي جين بينغ بالالتزام بذلك. ومع ذلك، تستمر التقارير في رصد تعاون تقني يشمل تزويد طهران بمعلومات استخباراتية وصور من أقمار صناعية مخصصة للتجسس.
يُذكر أن الصين تعد الشريك الاقتصادي الأبرز لإيران، حيث تستورد نحو 80% من صادرات النفط الإيرانية رغم العقوبات الغربية المشددة. هذا الاعتماد المتبادل يعزز من قدرة طهران على الصمود اقتصادياً، ويوفر لبكين نفوذاً واسعاً في صياغة التوازنات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
الخميس 14 مايو 2026 12:43 مساءً -
بتوقيت القدس
أصدر القضاء الفدرالي الأميركي قراراً يقضي بتعليق العقوبات التي كانت قد فرضتها الإدارة الأميركية في العام الماضي على فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتأتي هذه الخطوة القضائية لتعيد تسليط الضوء على الجدل المتصاعد حول حدود حرية التعبير والضغوط السياسية التي تمارسها واشنطن فيما يتعلق بملف الحرب المستمرة على قطاع غزة.
وكانت الولايات المتحدة قد اتخذت إجراءات عقابية ضد ألبانيزي في يوليو من عام 2025، وذلك على خلفية تصريحاتها الجريئة التي انتقدت فيها الدعم الأميركي لإسرائيل. كما شملت مبررات العقوبات توصيتها للمحكمة الجنائية الدولية بضرورة إصدار مذكرات توقيف دولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتهم تتعلق بجرائم الحرب.
وفي تفاصيل الحكم القضائي، أصدر القاضي الفدرالي ريتشارد ليون أمراً قضائياً مؤقتاً يمنع تنفيذ تلك العقوبات، مشيراً في حيثيات قراره إلى أن صون حرية التعبير يعد ركيزة أساسية تخدم المصلحة العامة. ويعكس هذا القرار التوتر القانوني والسياسي داخل المؤسسات الأميركية حول كيفية التعامل مع الشخصيات الدولية التي تنتقد السياسات الخارجية لواشنطن.
من جانبه، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أبدى في وقت سابق استياءً شديداً من تقارير ألبانيزي، التي اتهمت فيها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب أعمال ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين. واعتبرت الإدارة الأميركية حينها أن مواقف المقررة الأممية تتجاوز حدود تفويضها وتضر بالعلاقات الاستراتيجية في المنطقة.
حماية حرية التعبير تصب دائمًا في المصلحة العامة.
وعقب صدور القرار القضائي، أعربت فرانشيسكا ألبانيزي عن ترحيبها بهذه الخطوة التي اعتبرتها انتصاراً للعدالة، حيث كانت قد أكدت سابقاً أن العقوبات استهدفت تقويض مهمتها الدولية. ونشرت ألبانيزي عبر حسابها الرسمي في منصة 'إكس' رسالة شكر لكل من ساندها في مواجهة هذه الضغوط، مؤكدة على استمرارها في أداء واجبها المهني.
وتشغل ألبانيزي، وهي قانونية إيطالية، منصبها بتكليف من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة منذ عام 2022، حيث تتركز مهمتها على توثيق الانتهاكات في الأراضي المحتلة. ورغم أنها لا تتحدث بصفة رسمية باسم المنظمة الدولية ككل، إلا أن تقاريرها تحظى بصدى واسع وتأثير كبير في المحافل القانونية والحقوقية العالمية.
وقد كشفت المسؤولة الأممية في مناسبات عدة عن تعرضها لسلسلة من التهديدات والمضايقات المباشرة نتيجة لمواقفها الصلبة تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة. واعتبرت أن هذه المحاولات تهدف بشكل أساسي إلى ترهيب المدافعين عن حقوق الإنسان ومنع وصول الحقائق المتعلقة بالمعاناة الفلسطينية إلى الرأي العام العالمي.
يفتح قرار القاضي ليون الباب مجدداً أمام نقاشات قانونية معمقة حول مدى قانونية استخدام العقوبات الاقتصادية والسياسية كأداة لإسكات الأصوات الحقوقية الدولية. كما يضع الإدارة الأميركية في موقف حرج أمام المنظمات الحقوقية التي تطالب بضمان استقلالية المحققين الدوليين وحمايتهم من الاستهداف السياسي المباشر.
الخميس 14 مايو 2026 12:43 مساءً -
بتوقيت القدس
أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بوقوع حادثة أمنية خطيرة قبالة السواحل الإماراتية، حيث أقدمت مجموعة من الأشخاص المجهولين على احتجاز سفينة تجارية. وأوضحت الهيئة أن العملية تمت أثناء رسو السفينة في منطقة تبعد نحو 38 ميلاً بحرياً شمال شرق إمارة الفجيرة، مما أثار قلقاً دولياً بشأن سلامة الملاحة في المنطقة.
وأكدت المصادر البريطانية أن السفينة المحتجزة جرى اقتيادها قسراً باتجاه المياه الإقليمية الإيرانية بالقرب من مضيق هرمز الاستراتيجي. وتأتي هذه الحادثة في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تحركات عسكرية مكثفة ورقابة صارمة على حركة السفن العابرة للممر المائي الذي يعد شريان الطاقة العالمي.
ويربط مراقبون بين هذا التطور وبين حالة التوتر المستمرة التي يعيشها مضيق هرمز منذ نهاية فبراير الماضي، عقب سلسلة من الهجمات المتبادلة. ورغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في مطلع أبريل، إلا أن الميدان البحري لا يزال يشهد احتكاكات مباشرة وعمليات اعتراض للسفن التجارية.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن طهران عززت من تواجدها العسكري وإجراءاتها التنظيمية في المضيق، رداً على ما تصفه بالحصار الأمريكي المفروض على موانئها. وقد سجلت الجهات الدولية المختصة عشرات البلاغات حول إطلاق مقذوفات واعتراضات بحرية نُسبت في معظمها للقوات البحرية الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة.
السفينة احتُجزت من جانب أفراد غير مخوّلين أثناء رسوّها، ويجري اقتيادها حالياً نحو المياه الإقليمية الإيرانية.
من جانبه، ألمح الجيش الإيراني في تصريحات سابقة إلى أن فرض السيطرة الكاملة على مضيق هرمز يمثل أولوية استراتيجية لتعزيز مكانة البلاد الدولية وتحقيق مكاسب اقتصادية. وحذرت طهران بشكل علني الدول التي تلتزم بالعقوبات الأمريكية من أنها قد تواجه صعوبات بالغة في تأمين عبور سفنها عبر هذا الممر الحيوي.
ويمثل مضيق هرمز نقطة ارتكاز في الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وطهران، حيث يمر عبره قرابة 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية. وتسعى إيران من خلال هذه التحركات إلى فرض قواعد اشتباك جديدة تشمل فرض رسوم عبور وآليات تنظيمية ترفضها القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.
وفي ظل هذه التطورات، لا تزال حركة الملاحة الدولية في المنطقة تخضع لقيود غير معلنة، مع السماح بمرور محدود لبعض الناقلات تحت رقابة مشددة. ويحذر خبراء الملاحة من أن استمرار حوادث الاحتجاز قد يؤدي إلى قفزة في أسعار الطاقة العالمية وتكاليف التأمين البحري، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات جديدة.
الخميس 14 مايو 2026 11:59 صباحًا -
بتوقيت القدس
في بلدة الأنصارية بجنوب لبنان، حيث تترك الحرب أثاراً لا تُمحى في القلوب والأرض، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمشهد مؤثر لكلبة بيضاء ترفض مغادرة قبر صاحبها الشاب الذي ارتقى خلال التصعيد الأخير. تظهر الكلبة في الفيديو وهي تدور حول الضريح بحزن صامت، كأنها تبحث عن صوت صاحبها أو تنتظر خروجه، في تجسيد حي لمعنى الوفاء الذي يتجاوز حدود الفهم البشري للموت والغياب.
هذا المشهد لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل عكس حالة الفقد العميقة التي تعيشها العائلات في الجنوب اللبناني، حيث صار الموت ضيفاً ثقيلاً يقتحم البيوت بلا استئذان. الكلبة التي لم تفهم تعقيدات السياسة أو طبول الحرب، استوعبت بفطرتها أن شيئاً ما قد انكسر، فقررت أن تحرس ذلك التراب الذي يضم رفات من تحب، معيدةً إلى الأذهان قصص الوفاء الأسطورية التي تظهر في أشد الأوقات قسوة.
وعلى مقلب آخر من الألم، وتحديداً في قطاع غزة المحاصر، برزت صورة أخرى للرحمة الإنسانية وسط الدمار الشامل والمجاعة. حيث تداول ناشطون قصة نازح فلسطيني عاد إلى خيمته المتهالكة ليجد مجموعة من الكلاب الضالة قد اتخذت من فراشه ملجأً للنوم هرباً من البرد والخوف، وبدلاً من طردها، استقبلها برحمة تعكس اتساع قلوب المكلومين رغم ضيق المساحات والخيام.
الحب ليس كلاماً، الحب هو أن تبقى، حتى حين يصبح البقاء مؤلماً، وأن تظل وفياً رغم أن الطرف الآخر لن يعود.
إن هذه المشاهد القادمة من غزة والجنوب اللبناني تؤكد أن الحرب، رغم بشاعتها، لم تنجح في تحويل قلوب الناس إلى حطام، بل جعلت البعض أكثر قدرة على الشعور بآلام الكائنات الأخرى. فالرجل الذي فقد بيته وحياته المستقرة، رأى في تلك الحيوانات شريكة له في التشرد والألم، فمنحها الأمان الذي يفتقده هو شخصياً، في رسالة بليغة عن صمود الروح البشرية أمام آلة القتل والتهجير.
ختاماً، تبرز هذه القصص كبصيص نور وسط عتمة الشرق المتعب، حيث يعيد الوفاء والرحمة تعريف العلاقات الإنسانية والكونية في زمن الصراعات. إن بكاء الناس وتأثرهم بهذه المقاطع ليس مجرد تعاطف مع حيوانات، بل هو بكاء على الفقد الشخصي لكل واحد منهم، وتذكير بأن الحب الحقيقي هو الشيء الوحيد الذي ينجو من الموت ويبقى شاهداً على من رحلوا.
الخميس 14 مايو 2026 11:59 صباحًا -
بتوقيت القدس
تجسد سيرة الدكتورة مريم مرعي، ابنة مدينة عكا، مسيرة المرأة الفلسطينية العصامية التي واجهت تداعيات النكبة منذ طفولتها المبكرة. ولدت مرعي في مدينة الأسوار قبل عامين من وقوع التهجير الكبير، الذي شتت عائلتها وأضاع وثائق ميلادها في زحام الرحيل القسري.
تروي مرعي تفاصيل لجوء عائلتها إلى بلدة البعنة في الجليل ثم إلى مخيم برج البراجنة في لبنان، حيث عاشت سنوات من الغربة بعيداً عن والدها الذي أصر على البقاء في عكا. وتستذكر تلك اللحظات القاسية حين كانت تظن شقيقها الأكبر هو والدها، قبل أن تعود العائلة عبر إجراءات 'لم الشمل' وتلتقي بالأب مجدداً.
عقب العودة، واجهت مريم واقعاً جديداً في عكا، حيث أقامت العائلة في بيت ضيق بدلاً من منزلهم الأصلي الذي صودر. وتصف مرعي تلك الفترة بصمت والدتها الموجع ودعواتها المستمرة بلم شمل من تبقى من الأبناء في الشتات، وهو ما تعتبره من أعراض صدمة ما بعد الكرب.
بدأت مسيرتها التعليمية في مدارس عكا الحكومية التي تصفها بالكابوس بسبب الازدحام والقسوة، قبل أن تنتقل بفضل إصرار شقيقتها منيرة إلى مدرسة راهبات الناصرة. هناك تلقت تعليماً نوعياً جمع بين المناهج الحديثة والتربية الدينية والعربية التي تكفل بها والدها في المنزل.
شكل شقيقها عبد الله المقيم في لبنان دافعاً كبيراً لاستكمال تعليمها، حيث أرسل رسالة لوالده يحثه فيها على السماح لمريم بالدراسة في حيفا. أكد شقيقها في رسالته أن العلم هو السلاح الأهم للفلسطينيين، وهو ما أقنع الوالد بتجاوز تحفظاته الاجتماعية آنذاك.
انتقلت مريم إلى جامعة حيفا عام 1967، حيث تخصصت في التربية وعلم النفس والفنون، وهناك تعرفت على زوجها الراحل الدكتور سامي مرعي. رافقته في رحلة أكاديمية إلى الولايات المتحدة والبرازيل، حيث واصل كلاهما التحصيل العلمي في تخصصات دقيقة تخدم المجتمع الفلسطيني.
عادت العائلة إلى البلاد في الثمانينيات، لكن مريم فُجعت بوفاة زوجها سامي بشكل مفاجئ عام 1986 أثناء إجراء فحص طبي روتيني في القدس. تصف مرعي هذا الرحيل بأنه 'صدمة العمر'، خاصة أنه جاء في وقت كانا يستعدان فيه للاحتفال بمئوية والدها.
حين اجتمعت النساء بدأ الحلم يتحقّق؛ العلم هو سلاحنا الأهم الذي كان سيغير مجرى النكبة لو امتلكناه حينها.
لم تستسلم مريم للحزن، بل انخرطت في العمل الأكاديمي كمحاضرة في جامعة حيفا لعشر سنوات، وساهمت في تأسيس مشاريع وطنية رائدة. كان من أبرز هذه المشاريع جمعية 'النساء العكيات' التي هدفت إلى تمكين المرأة الفلسطينية في الداخل المحتل وتعزيز دورها الاجتماعي.
أسست مرعي مشروع 'دار الطفل العربي'، وهي مؤسسة مختصة بإعداد مربيات الطفولة المبكرة، انطلاقاً من إيمانها بضرورة الحفاظ على الهوية اللغوية. وترى أن تعلم اللغات الأجنبية يجب ألا يكون على حساب اللغة العربية الأم، وهو المبدأ الذي قامت عليه فروع المؤسسة.
يوثق كتابها الجديد 'حين اجتمعت النساء بدأ الحلم يتحقّق' نضالات النساء الفلسطينيات في مدينة عكا وقصص نجاح المؤسسات الأهلية. ويعد الكتاب إضافة هامة للمكتبة الفلسطينية، حيث يمزج بين التجربة الشخصية والتوثيق التاريخي للعمل النسوي تحت الاحتلال.
أصدرت الدكتورة مريم تسعة كتب باللغتين العربية والإنجليزية، تناولت فيها مواضيع تربوية وأدبية، بالإضافة إلى تخليد إرث زوجها الراحل سامي مرعي. وتعتبر أن زوجها كان ملهماً لها في مسيرتها التأليفية التي شملت أدب الأطفال وكتباً مرجعية للحاضنات.
بعد سنوات طويلة من الغربة، تزوجت مريم من رجل الأعمال الأمريكي جون ريان، الذي شارك في حملات طبية إنسانية لعلاج الجرحى والمصابين في الضفة الغربية. وتؤكد أن زواجها الثاني منحها الاستقرار والحياة السعيدة، مع الحفاظ على روابطها الوثيقة بجذورها الفلسطينية.
عادت مريم للاستقرار نهائياً في عكا قبل نحو عام، رغم تساؤلات البعض عن سبب تركها لـ 'بلاد الفرص' في أمريكا. وتجيب مريم بأن تفاؤلها وارتباطها بالأرض هو ما دفعها للعودة والبدء في مشروع كتاب جديد يتناول تاريخ مدينة عكا وسيرتها الذاتية.
تعمل الدكتورة مريم حالياً على كتابة سيرتها الذاتية باللغة الإنجليزية تحت عنوان 'ستون عاماً في يوم واحد'. وتهدف من خلال هذا العمل إلى نقل الرواية الفلسطينية للعالم، مؤكدة أن الحلم يبدأ بالتحقق عندما تجتمع الإرادة النسوية مع الوعي الوطني.
الخميس 14 مايو 2026 11:59 صباحًا -
بتوقيت القدس
شهد المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة، صباح اليوم الخميس، موجة اقتحامات واسعة نفذها مئات المستوطنين الإسرائيليين تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال. وتقدم المقتحمين عضو الكنيست أرييل كيلنر والحاخام المتطرف يهودا غليك، حيث أدوا طقوساً تلمودية واستفزازية في باحات المسجد.
وأفادت مصادر من محافظة القدس بأن سلطات الاحتلال فرضت إجراءات عسكرية صارمة على أبواب المسجد، شملت تقييد دخول المصلين الفلسطينيين بشكل كبير. وتهدف هذه الإجراءات إلى تفريغ المسجد من أصحابه لتأمين مسارات المستوطنين الذين كثفوا تواجدوا منذ ساعات الصباح الأولى.
وذكرت مصادر في دائرة الأوقاف الإسلامية أن نحو 422 مستوطناً اقتحموا المسجد خلال الساعات الثلاث الأولى فقط من بدء الجولات الصباحية. وتأتي هذه التحركات استجابة لدعوات أطلقتها جماعات استيطانية متطرفة بمناسبة ما يسمى 'الذكرى العبرية لاحتلال القدس'.
وفي سياق التضييق الميداني، منعت شرطة الاحتلال الرجال الذين تقل أعمارهم عن 60 عاماً والنساء دون سن 50 عاماً من الدخول إلى الأقصى منذ صلاة الفجر. كما اعتدت القوات بالدفع والضرب على عدد من المرابطين والمرابطات الذين حاولوا التواجد عند بوابات المسجد الخارجية.
وأجبرت قوات الاحتلال موظفي دائرة الأوقاف وطلبة المدرسة الشرعية، الذين يؤدون امتحاناتهم النهائية، على الاحتجاز داخل المصليات المسقوفة والمباني الإدارية. ومنعت هذه الإجراءات أي تواجد فلسطيني في الساحات المفتوحة، مما حول المسجد إلى ثكنة عسكرية لصالح المقتحمين.
وفي البلدة القديمة، سادت حالة من الشلل التجاري بعد أن أرغمت قوات الاحتلال أصحاب المحال التجارية على إغلاق أبوابهم طوال اليوم. وتأتي هذه الخطوة لتأمين مسار 'مسيرة الأعلام' الاستفزازية المقررة مساء اليوم، والتي من المتوقع أن يشارك فيها آلاف المستوطنين.
قوات الاحتلال أجبرت المصلين وموظفي الأوقاف وطلبة المدرسة الشرعية على البقاء داخل المصليات المسقوفة لإفراغ الساحات أمام المقتحمين.
وكان وزير النقب والجليل، يتسحاق فاسرلاوف، المنتمي لحزب 'القوة اليهودية' المتطرف، قد اقتحم المسجد الأقصى مساء الأربعاء تمهيداً لهذه الفعاليات. وتعكس هذه المشاركة الرسمية من وزراء وأعضاء كنيست الدعم الحكومي الإسرائيلي المباشر لتغيير الوضع القائم في المقدسات.
وتشير تقديرات إعلامية إلى أن نحو 50 ألف مستوطن سيشاركون في مسيرة الأعلام التي ستجوب الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية. وعادة ما تترافق هذه المسيرة مع هتافات عنصرية معادية للعرب واعتداءات جسدية على ممتلكات وسكان المدينة المقدسة.
وعلى صعيد الانتهاكات في الضفة الغربية، أفادت تقارير حقوقية بتهجير عائلة بدوية مكونة من 7 أفراد من منطقة العوجا شمال أريحا نتيجة اعتداءات المستوطنين المتكررة. وتتزامن هذه الأحداث مع حملة اعتقالات طالت طبيبين من بلدة تفوح ومداهمات في عدة مدن بالضفة.
وفي نابلس، أقدمت سلطات الاحتلال على إغلاق جمعية 'مديد' الخيرية بزعم تقديمها خدمات لجهات غير مشروعة، في إطار التضييق على العمل الأهلي. وتستمر هذه الممارسات وسط تصاعد وتيرة العنف الذي يستهدف المدنيين الفلسطينيين في مختلف المحافظات.
من جانبها، حذرت منظمة اليونيسف من خطورة الأوضاع الميدانية، مشيرة إلى أن طفلاً فلسطينياً يقتل أسبوعياً في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2025. وتؤكد هذه الإحصائيات حجم الاستهداف الممنهج الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني في ظل غياب المحاسبة الدولية.
الخميس 14 مايو 2026 11:59 صباحًا -
بتوقيت القدس
اقتحمت مجموعات واسعة من المستوطنين المتطرفين، صباح اليوم الخميس، باحات المسجد الأقصى المبارك تحت حماية أمنية مشددة من قوات الاحتلال الإسرائيلي. وأفادت مصادر ميدانية بأن المقتحمين نفذوا جولات استفزازية في أرجاء المصلى، حيث تركزت الانتهاكات في المنطقة الشرقية للمسجد عبر أداء طقوس تلمودية وما يعرف بـ 'السجود الملحمي' الجماعي، في خطوة تصعيدية تهدف لتكريس التقسيم الزماني والمكاني.
وتأتي هذه الاقتحامات التي قادها عضو 'الكنيست' أرييل كيلنر بالتزامن مع انطلاق 'مسيرة الأعلام' الاستفزازية التي تجوب شوارع القدس المحتلة. وقد فرضت سلطات الاحتلال طوقاً أمنياً شاملاً في محيط البلدة القديمة، وأجبرت أصحاب المحال التجارية على إغلاق أبوابهم تحت التهديد، لتأمين مسارات المستوطنين الذين رقصوا ورفعوا الأعلام الإسرائيلية في الأحياء العربية وسط حالة من التوتر الشديد.
وحذر باحثون مختصون في شؤون القدس من خطورة هذه التحركات، مؤكدين أنها تهدف لتحقيق أجندة استيطانية غير مسبوقة تبدأ بتكثيف الاقتحامات الصباحية والمسائية. وأشار الخبراء إلى أن الهدف الأكثر خطورة يتمثل في محاولة فرض اقتحام للمستوطنين يوم غد الجمعة، وهو ما يمثل سابقة لم تحدث منذ احتلال المدينة عام 1967، مما قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع الميدانية بشكل كامل.
هذه التحركات تهدف لفرض واقع جديد يبدأ بالاقتحامات الصباحية والمسائية وصولاً إلى محاولة شرعنة الاقتحام يوم الجمعة في سابقة تاريخية.
من جهتها، أكدت حركة حماس أن هذه الانتهاكات الممنهجة تترافق مع حملة تنكيل واسعة تستهدف المرابطين والمقدسيين عبر قرارات الإبعاد والاعتقال التعسفي. ودعت الحركة أبناء الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية والداخل المحتل إلى ضرورة النفير العام وشد الرحال نحو المسجد الأقصى لتعزيز الرباط فيه، مطالبة الأمتين العربية والإسلامية بالتحرك العاجل لدعم صمود المقدسيين في وجه مخططات التهويد.
وعلى صعيد متصل، شهدت مناطق متفرقة من الضفة الغربية تصعيداً موازياً، حيث نفذت قوات الاحتلال مداهمات في الخليل وبيت لحم وجنين، أسفرت عن اعتقال عدد من المواطنين بينهم أطباء. وفي الأغوار، تسببت اعتداءات المستوطنين في تهجير قسري لعائلة بدوية من منطقة العوجا، في وقت تواصل فيه المنظمات الدولية التحذير من ارتفاع وتيرة العنف، حيث أشارت اليونيسف إلى سقوط طفل فلسطيني شهيداً بشكل أسبوعي منذ مطلع العام الجاري.
الخميس 14 مايو 2026 11:28 صباحًا -
بتوقيت القدس
استهل الرئيس الصيني شي جين بينغ لقاءه مع نظيره الأمريكي دونالد ترمب في العاصمة بكين بالتأكيد على أن المحادثات التجارية بين القوتين العظميين تحقق تقدماً ملموساً. وأوضح شي خلال القمة التي تمتد ليومين أن التعاون هو السبيل الوحيد لتحقيق مصالح الطرفين، محذراً في الوقت ذاته من أن المواجهة ستؤدي إلى أضرار جسيمة تطال الجميع.
وفي رسالة حازمة، شدد الرئيس الصيني على أن ملف جزيرة تايوان يمثل القضية الأكثر حساسية وأهمية في العلاقات الثنائية. وحذر من أن أي سوء تعامل مع هذا الملف أو استمرار الدعم العسكري للجزيرة قد يدفع بالعلاقات نحو مسار بالغ الخطورة، مشيراً إلى احتمالية حدوث صدام مباشر إذا لم تُحترم الخطوط الحمراء لبكين.
من جانبه، أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بنظيره الصيني واصفاً إياه بـ 'الزعيم العظيم'، ومشيراً إلى أن هذه القمة قد تُصنف كأهم حدث دبلوماسي في التاريخ الحديث. وأعرب ترمب عن تفاؤله بالنتائج المرتقبة، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية التي تلاحق إدارته في واشنطن بسبب ملفات داخلية وخارجية معقدة.
وشهدت الجلسة الافتتاحية حضوراً لافتاً لعمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة، حيث رافق ترمب كل من إيلون ماسك، وجينسن هوانغ، وتيم كوك. ووصف ماسك الأجواء الأولية للمباحثات بأنها 'رائعة'، مما يعكس رغبة قطاع الأعمال الأمريكي في إنهاء حالة التوتر التجاري وفتح آفاق جديدة للاستثمار في السوق الصينية الضخمة.
وتأتي هذه القمة استكمالاً لمباحثات تمهيدية جرت في كوريا الجنوبية، حيث أفادت مصادر بأن الفرق الاقتصادية توصلت إلى تفاهمات أولية متوازنة. ويهدف الجانبان من هذه الجولة إلى تثبيت الهدنة التجارية التي تم الاتفاق عليها في أكتوبر الماضي، ومنع انزلاق الاقتصاد العالمي نحو حرب رسوم جمركية جديدة.
ويسعى الرئيس ترمب خلال زيارته إلى الضغط من أجل 'انفتاح كامل' للصناعة الأمريكية داخل الصين، في محاولة لتقليص العجز التجاري المزمن. وتتطلع واشنطن بشكل خاص إلى إبرام صفقات ضخمة تشمل طائرات بوينغ ومنتجات الطاقة والسلع الزراعية، وهي ملفات تحظى بأولوية قصوى في أجندة ترمب الاقتصادية.
في المقابل، تضع بكين على رأس أولوياتها تخفيف القيود الأمريكية الصارمة المفروضة على تصدير تكنولوجيا الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات المتطورة. وترى الصين أن هذه القيود تعيق تطورها التكنولوجي، وتطالب بمعاملة عادلة لشركاتها في الأسواق العالمية مقابل استمرار تدفق المعادن الأرضية النادرة إلى المصانع الأمريكية.
عندما نتعاون يستفيد الطرفان، وعندما نتواجه يعاني الطرفان.
وعقب انتهاء الجلسة الرسمية الأولى، قام الزعيمان بزيارة رمزية إلى معبد السماء التاريخي في بكين، في خطوة تهدف لإظهار التقارب الشخصي بينهما. وأبدى ترمب إعجابه بالمعالم التاريخية الصينية، بينما اعتبر مراقبون أن هذه الجولات البروتوكولية تعكس رغبة بكين في استمالة الرئيس الأمريكي وتخفيف حدة خطابه التصعيدي.
ويرى محللون سياسيون أن موازين القوى قد تغيرت منذ الزيارة السابقة لترمب، حيث باتت الولايات المتحدة تعترف بمكانة الصين كقوة عظمى مكافئة. وأشار خبراء إلى أن مصطلح 'مجموعة الاثنين' (G2) عاد للظهور مجدداً، مما يعكس واقعاً دولياً جديداً يتطلب تنسيقاً مباشراً بين واشنطن وبكين لإدارة الأزمات العالمية.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، من المتوقع أن يطلب ترمب من شي جين بينغ ممارسة ضغوط على إيران للتوصل إلى اتفاق ينهي الصراع الحالي في الشرق الأوسط. وتراهن واشنطن على أن تضرر المصالح التجارية الصينية في الخليج قد يدفع بكين للعب دور الوسيط، رغم شكوك المحللين في رغبة الصين بالتخلي عن ورقة إيران الاستراتيجية.
وتواجه الإدارة الأمريكية تحدياً قانونياً في الداخل، حيث حدت المحاكم من صلاحيات الرئيس في فرض الرسوم الجمركية بشكل منفرد. هذا الوضع يضع ترمب تحت ضغط التفاوض لتحقيق مكاسب سريعة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، خاصة مع تصاعد معدلات التضخم الناتجة عن التوترات الدولية.
أما في ملف تايوان، فما تزال صفقة الأسلحة الأمريكية المقدرة بـ 14 مليار دولار تشكل حجر عثرة أمام التطبيع الكامل للعلاقات. وتتمسك واشنطن بالتزامها القانوني بتسليح الجزيرة للدفاع عن نفسها، وهو ما تعتبره بكين تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية وتهديداً لسيادتها الوطنية التي لا تقبل المساومة.
ومن المنتظر أن تتوسع المباحثات لتشمل أطر التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي ووضع معايير دولية لاستخدامه في المجالات العسكرية والمدنية. ويسعى الطرفان لتجنب سباق تسلح تكنولوجي قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار العالمي، مع الحفاظ على التفوق التقني لكل منهما في هذا المجال الحيوي.
وتختتم الزيارة بوضع جدول زمني لزيارة مرتقبة يقوم بها الرئيس شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة في وقت لاحق من العام الجاري. وستكون تلك الزيارة هي الأولى له منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، مما يؤشر على مرحلة جديدة من الدبلوماسية المكثفة بين أكبر اقتصادين في العالم.
الخميس 14 مايو 2026 11:28 صباحًا -
بتوقيت القدس
في الذاكرة السياسية الدولية، يُسجل تاريخ 14 مايو 1948 كمنعطف مفصلي شهد إعلان دافيد بن غوريون قيام دولة الاحتلال، وذلك قبيل ساعات قليلة من الرحيل الرسمي للانتداب البريطاني عن فلسطين. هذا التاريخ الذي يحتفي به الاحتلال، يمثل في الوجدان الفلسطيني والعربي الوجه الآخر لعملة المأساة التي اكتملت فصولها في اليوم التالي مباشرة.
يبرز يوم 15 مايو كرمز للنكبة الفلسطينية، وهي اللحظة التي توجت مساراً طويلاً من التهجير القسري واقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم التاريخية. وبين هذين التاريخين المتجاورين، تتجسد واحدة من أقسى مفارقات القرن العشرين، حيث قامت كيانية سياسية على أنقاض مجتمع تم تمزيقه وتشريده بالكامل.
تؤكد الوقائع التاريخية أن النكبة لم تبدأ في منتصف مايو فحسب، بل كانت نتاج شهور من العمليات العسكرية الممنهجة التي أعقبت قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947. خلال تلك الفترة، تصاعدت وتيرة المواجهات والسيطرة على القرى، مما أدى إلى موجات نزوح واسعة تحت وطأة المجازر والحصار العسكري.
مع حلول ربيع عام 1948، كانت عشرات البلدات الفلسطينية قد سويت بالأرض أو أُفرغت من سكانها الأصليين، بينما شهدت الحواضر الكبرى انهياراً في بنيتها الاجتماعية تحت ضغط الهجمات المسلحة. وهكذا أصبح يوم 15 مايو رمزاً جماعياً يختصر فقدان الأرض وتحول الفلسطيني من صاحب ملك إلى لاجئ يبحث عن حق العودة.
جاء إعلان بن غوريون في تل أبيب وسط حالة من الفراغ السلطوي واشتداد الصراع الذي أعاد رسم خارطة المنطقة بالقوة العسكرية. لم يكن الإعلان مجرد إجراء سياسي قانوني، بل كان تثبيتاً لواقع جديد فُرض بالحديد والنار على حساب الوجود الديموغرافي والجغرافي للفلسطينيين.
في اليوم التالي للإعلان، دخلت الجيوش العربية إلى ميدان المعركة واتسع نطاق المواجهة العسكرية بشكل شامل، وهو ما جعل من 15 مايو التاريخ الرسمي لاستعادة ذكرى النكبة سنوياً. ومنذ ذلك الحين، لم تعد النكبة تعني الهزيمة في الميدان فقط، بل أصبحت مرادفاً لتفكك النسيج المجتمعي وولادة الشتات.
لم تكن النكبة مجرد هزيمة عسكرية، بل كانت عملية محو ممنهجة للمجتمع الفلسطيني وتحويل أصحابه إلى لاجئين يحملون مفاتيح بيوتهم في المنافي.
من أكثر فصول النكبة قسوة هو الاختفاء القسري لقرى كاملة من الخارطة الجغرافية، رغم بقائها نابضة في ذاكرة الأجيال المتعاقبة. قرى مثل دير ياسين والطنطورة وصفورية ولوبية وإقرث وكفر برعم، لا تزال أسماؤها تشكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية الفلسطينية التي ترفض النسيان.
في تلك القرى المهجرة، لم يقتصر الأمر على رحيل السكان، بل شمل هدم البيوت ومصادرة الأراضي وتغيير معالم الأرض لفرض هوية غريبة عليها. ومع ذلك، حافظ الفلسطينيون في المخيمات والمنافي على أسماء قراهم الأصلية، ونقلوها للأبناء والأحفاد كوصية مقدسة لا تقبل المساومة.
تحولت القرية الغائبة بفعل الاحتلال إلى وسيلة فعالة لمقاومة محاولات المحو والاندثار التي سعى الاحتلال لفرضها على مدار عقود. وأصبحت فلسطين منذ عام 1948 قضية شعب موزع بين الداخل المحتل والضفة وغزة والقدس، يجمعه حلم واحد بالعودة وتقرير المصير.
لا ينظر الفلسطينيون إلى النكبة بوصفها حدثاً تاريخياً انتهى زمانه، بل يصفونها بـ 'النكبة المستمرة' التي تتجلى آثارها يومياً في سياسات الاستيطان والحصار. فما بدأ في عام 1948 من اقتلاع وتضييق، لا يزال يتواصل بأشكال مختلفة في القدس وغزة وسائر الأراضي المحتلة.
إن استحضار ذكرى 15 مايو في كل عام ليس مجرد بكاء على الأطلال، بل هو قراءة لواقع لا تزال فيه تداعيات التهجير حاضرة في حياة الملايين. وتظل أسئلة العدالة الدولية والاعتراف بالحقوق الإنسانية والسياسية للفلسطينيين مفتوحة أمام ضمير العالم الذي شهد ولادة مأساة شعب.
في نهاية المطاف، يظل الانتقال من 14 إلى 15 مايو انتقالاً من وثيقة سياسية استعمارية إلى ذاكرة جماعية حية تأبى الانكسار. لقد بقيت هذه الذاكرة لأن أصحاب الحق لم يتخلوا عن مفاتيح بيوتهم، ولأن قضية فلسطين لا تزال تمثل الاختبار الحقيقي لمبادئ العدالة في العصر الحديث.
الخميس 14 مايو 2026 10:58 صباحًا -
بتوقيت القدس
تشهد جبهة جنوب لبنان تحولاً نوعياً في استراتيجيات الصراع المسلح، مع بروز سلاح المسيرات الموجهة بالألياف البصرية الذي يعتمده حزب الله. هذا السلاح بات يصنف لدى الدوائر الأمنية في تل أبيب كأحد أكثر التحديات تعقيداً وخطورة على القوات المتوغلة، نظراً لقدرته العالية على تجاوز المنظومات الدفاعية التقليدية.
بث الإعلام الحربي مؤخراً مشاهد توثق استهداف آليات عسكرية إسرائيلية، شملت جيبات من طراز 'هامر' وناقلات جند، باستخدام مسيرات انتحارية صغيرة من طراز 'FPV'. وأظهرت اللقطات دقة متناهية في رصد تحركات الجنود وإصابتهم بشكل مباشر، مما دفع جيش الاحتلال للإقرار بوقوع قتلى وجرحى في صفوفه جراء هذه الهجمات.
تعتمد هذه التقنية المتطورة على كابل ألياف ضوئية دقيق يربط الطائرة بالمشغل بشكل فيزيائي مباشر، بدلاً من الاعتماد على موجات الراديو أو الاتصالات اللاسلكية. هذا الربط يمنح المسيرة حصانة كاملة ضد محاولات التشويش الإلكتروني التي تنفذها وحدات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية لتعطيل إشارات الـ GPS.
أفادت مصادر تقنية بأن استخدام الألياف البصرية يضمن انتقال أوامر التحكم والبيانات عبر وسط مغلق ومؤمن تماماً. وبخلاف المسيرات التقليدية التي قد تفقد فعاليتها في البيئات المشبعة بالتشويش، تواصل هذه الطائرات عملها بكفاءة عالية لأنها لا تعتمد على أي بث لاسلكي يمكن اعتراضه.
من أبرز المميزات التقنية لهذا السلاح هو توفير بث مرئي عالي الدقة دون أي تأخير زمني، وهو ما يعرف تقنياً بـ 'Zero Latency'. هذه الخاصية تسمح للمشغل بالتحكم اللحظي في مسار المسيرة حتى لحظة الارتطام، مما يمكنها من استهداف نقاط الضعف الدقيقة في التحصينات والآليات.
يؤكد خبراء أن رصد موقع المشغل أو منصة الإطلاق بات أمراً شبه مستحيل، نظراً لعدم صدور أي انبعاثات راديوية من الجهاز. وكان جيش الاحتلال يعتمد سابقاً على تتبع الترددات اللاسلكية لتحديد مصادر النيران واستهدافها، إلا أن هذا الأسلوب فقد فاعليته بالكامل أمام المسيرات السلكية.
في محاولة لمواجهة هذا التهديد المتصاعد، لجأ جنود الاحتلال إلى حلول ميدانية بدائية مثل تركيب شبكات معدنية أو ستائر من النايلون فوق المدرعات. تهدف هذه الوسائل إلى إعاقة وصول المسيرة بشكل مباشر إلى جسم الآلية، لكنها تظل حلولاً مؤقتة وغير كافية أمام دقة المناورة التي تتمتع بها الطائرة.
هذه التقنية تمنح المسيرة حصانة كبيرة ضد عمليات التشويش الإلكتروني أو اعتراض الإشارات، خصوصاً في ظل اعتماد إسرائيل المكثف على الحرب الإلكترونية.
أعلنت مصادر عبرية عن وصول شحنات من 'الرصاص المتشظي' من الولايات المتحدة، مصممة خصيصاً لمحاولة اعتراض هذه المسيرات. ويتم اختبار هذه الرصاصات لاستخدامها في بنادق 'M-16' و'تافور' وتوزيعها على الجنود في الميدان، في محاولة يائسة للحد من خسائر القوات البرية.
أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن مسيرات حزب الله تمثل 'تهديداً رئيسياً' للأمن القومي، مطالباً قادة الجيش بإيجاد حلول جذرية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تعجز فيه الرادارات التقليدية عن اكتشاف هذه الأجسام الصغيرة التي تطير على ارتفاعات منخفضة وتختبئ خلف التضاريس.
تعتبر هذه المسيرات سلاحاً اقتصادياً بامتياز، حيث تتراوح تكلفة تصنيعها بين مئات وآلاف الدولارات فقط. وفي المقابل، فإنها قادرة على تدمير منظومات عسكرية ومدرعات تقدر قيمتها بملايين الدولارات، مما يخلق حالة من عدم التوازن في كلفة المواجهة العسكرية بين الطرفين.
استلهمت هذه التقنية نجاحها من تجارب الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تم تطويرها لتجاوز أنظمة الحرب الإلكترونية الكثيفة. وانتقال هذا النموذج إلى جبهة لبنان يعكس قدرة المقاومة على مواكبة أحدث التطورات التكنولوجية العسكرية وتكييفها مع ظروف الميدان المحلية.
تقنياً، تحمل المسيرة بكرة كابل ألياف ضوئية تقوم بإفلاتها تدريجياً أثناء التحليق، ويصل طول الكابل في بعض الطرازات إلى 30 كيلومتراً. ورغم طول الكابل، إلا أن وزنه خفيف جداً، حيث لا يتجاوز وزن 10 كيلومترات منه 250 غراماً، مما لا يؤثر على حمولة المتفجرات أو سرعة الطائرة.
يتطلب تشغيل هذه المسيرات مهارة استثنائية من العناصر البشرية، لتفادي التفاف الكابل حول العوائق الطبيعية أو المباني أثناء الطيران. لذا، يركز حزب الله على استخدامها في المهمات النوعية واستهداف الأهداف ذات القيمة العالية التي تتطلب دقة جراحية في الإصابة.
تستمر إسرائيل في عدوانها الموسع على لبنان، الذي خلف آلاف الشهداء والجرحى ونزوح نحو خمس السكان، تحت ذريعة تدمير البنى التحتية العسكرية. ومع ذلك، تثبت التطورات الميدانية أن التكنولوجيا العسكرية للمقاومة لا تزال قادرة على مفاجأة الاحتلال وإيقاع خسائر مؤلمة في صفوف قواته النخبوية.
الخميس 14 مايو 2026 10:58 صباحًا -
بتوقيت القدس
تتصاعد حدة الأزمة داخل أسوار نادي ريال مدريد عقب خسارة الكلاسيكو التي منحت الغريم التقليدي برشلونة لقب الدوري الإسباني للمرة الثانية على التوالي. ولم تقتصر المعاناة على النتائج الفنية فحسب، بل امتدت لتشمل تدهوراً حاداً في الانضباط داخل غرفة الملابس، حيث أفادت مصادر بوقوع مشادات وصلت إلى التشابك بالأيدي بين تشواميني والقائد فالفيردي، مما يعكس حالة التفكك التي يعيشها الفريق الملكي في الآونة الأخيرة.
وفي تعليق صادم على الأوضاع الراهنة، أكد النجم الألماني المعتزل توني كروس أن غياب الألقاب لموسمين متتاليين يعد أمراً غير مقبول في تاريخ النادي، مشيراً إلى أن الفريق دخل مباراة الكلاسيكو بروح مهزومة مسبقاً. وأوضح كروس أن العجز لم يكن فنياً وتكتيكياً فقط، بل امتد ليشمل الجوانب النفسية والذهنية، حيث فقد اللاعبون الهوية القتالية التي ميزت ريال مدريد لسنوات طويلة، وهو ما أدى إلى تراجع الهيبة أمام المنافسين.
موسمان من دون لقب أمر غير مقبول لريال مدريد، والنتائج داخل الملعب تعكس العلاقات المتوترة داخل النادي.
وعلى الصعيد الإداري، يواجه الرئيس فلورنتينو بيريز ضغوطاً جماهيرية غير مسبوقة تطالب برحيل عدد من نجوم الفريق، وعلى رأسهم كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور، رغم الأرقام التهديفية للأول. وقد دفعت هذه الضغوط الإدارة للدخول في مفاوضات متقدمة مع المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو لخلافة ألفارو أربيلوا، الذي فشل في فرض شخصيته على مجموعة النجوم المتصارعة، في محاولة أخيرة لامتصاص غضب الشارع الرياضي المدريدي.
وتشير التسريبات الواردة من معقل النادي إلى نية الإدارة إجراء ثورة شاملة في التشكيلة، قد تشمل الاستغناء عن أسماء وازنة مثل ديفيد ألابا وكارفاخال وكامافينغا. وتترقب الجماهير ما ستسفر عنه الأيام القادمة، وسط مخاوف من استمرار الفوضى الإدارية والفنية، في وقت يعيش فيه المنافس المباشر حالة من الاستقرار والنجاح، مما يضع مستقبل مشروع بيريز الحالي على المحك.
الخميس 14 مايو 2026 10:58 صباحًا -
بتوقيت القدس
اقتحمت مجموعات من المستوطنين، صباح الخميس، باحات المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة، حيث أجروا جولات استفزازية وأدوا طقوساً تلمودية تحت حراسة مشددة من قوات الاحتلال. وتأتي هذه الاقتحامات في ظل تحذيرات رسمية أطلقتها محافظة القدس من مخططات تقودها 'منظمات الهيكل' المزعوم، تهدف إلى فرض واقع جديد وتوسيع دائرة الانتهاكات خلال المناسبات القادمة، لا سيما ما يسمى 'يوم توحيد القدس'.
وفي سياق متصل، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة مداهمات واسعة في مختلف محافظات الضفة الغربية، تركزت في مدينة نابلس حيث جرى اقتحام وإغلاق جمعية 'مديد' الخيرية. وقامت القوات بالعبث بمحتويات الجمعية ومصادرة بعض مقتنياتها قبل إصدار قرار بإغلاقها، بدعوى تقديمها خدمات لجهات تصفها سلطات الاحتلال بأنها 'غير مشروعة'، دون تقديم أدلة واضحة على هذه الادعاءات.
وشملت العمليات العسكرية فجر اليوم مدن الخليل وبيت لحم وسلفيت وقلقيلية، حيث أفادت مصادر محلية باعتقال عدد من المواطنين بينهم طبيبان من بلدة تفوح غرب الخليل عقب مداهمة منزليهما وتفتيشهما بدقة. وتندرج هذه الاعتقالات ضمن سياسة التصعيد الميداني المستمرة التي تنتهجها القوات الإسرائيلية في مدن وبلدات الضفة الغربية منذ عدة أشهر، مما أدى إلى زيادة حالة التوتر الأمني.
محافظة القدس تحذر من تصعيد تقوده منظمات الهيكل بالتعاون مع حكومة الاحتلال لتغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى.
وعلى صعيد اعتداءات المستوطنين في المناطق الرعوية، كشفت منظمة 'البيدر' الحقوقية عن جريمة تهجير قسري استهدفت عائلة بدوية مكونة من سبعة أفراد في منطقة غرب قرية العوجا شمال أريحا. وأوضحت المصادر أن الضغوط المتواصلة والاعتداءات الجسدية والترهيب من قبل المستوطنين أجبرت العائلة على النزوح قسراً باتجاه الأغوار الشمالية، في إطار مساعي الاحتلال لتفريغ المناطق المصنفة 'ج' من سكانها الأصليين.
وتشير التقارير الدولية إلى خطورة الوضع الإنساني في الضفة، حيث لفتت منظمة اليونيسف إلى أن وتيرة العنف المتصاعدة منذ مطلع عام 2025 أدت إلى استشهاد طفل فلسطيني بشكل أسبوعي تقريباً. ويعكس هذا الواقع الميداني حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وتكثيف العمليات العسكرية والاستيطانية في كافة الأراضي المحتلة.
الخميس 14 مايو 2026 10:28 صباحًا -
بتوقيت القدس
كشفت تقارير إعلامية عبرية عن تطور نوعي في الوسائل التي يستخدمها المهربون على الحدود المصرية لتجاوز منظومات الدفاع والتشويش التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي. وأوضحت التقارير أن المجموعات المسؤولة عن عمليات التهريب بدأت باستخدام طائرات مسيرة متطورة لا تعتمد في ملاحتها على نظام التموضع العالمي (GPS)، مما يجعل أجهزة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية غير فعالة في مواجهتها.
وأكدت منصة إعلامية إسرائيلية متخصصة أن جيش الاحتلال يواجه تحدياً تقنياً كبيراً في ظل غياب حلول جذرية لهذه الطائرات المحيدة. وأشارت المصادر إلى أن المهربين يواصلون ابتكار طرق بديلة للالتفاف على الإجراءات الأمنية المشددة، تزامناً مع تصاعد وتيرة عمليات نقل الأسلحة والمعدات عبر الحدود باستخدام هذه التقنيات الحديثة.
وذكرت المصادر الأمنية أن المهربين استبدلوا الاعتماد على الأقمار الصناعية بأنظمة التعرف البصري على التضاريس واستخدام الكاميرات المدمجة لتوجيه المسيرات. ورغم أن هذه الطريقة قد تكون أقل دقة في بعض الظروف، إلا أنها أثبتت كفاءة عالية في مقاومة محاولات الإسقاط والتشويش التي ينفذها الجيش الإسرائيلي بشكل روتيني في المناطق الحدودية.
وحذر التقرير من أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية غالباً ما تفشل في اكتشاف تحليق هذه الطائرات من الأساس، نظراً لقطع الارتباط بين الطائرة وجهاز التحكم اليدوي. وتعمل هذه المسيرات وفق مسارات مبرمجة مسبقاً، حيث تنطلق لتنفيذ مهمتها والهبوط في نقاط محددة دون الحاجة لإشارات لاسلكية يمكن تتبعها أو اعتراضها.
وانتقدت الأوساط الإعلامية العبرية ما وصفته بـ 'الإدمان على الوهم التقني'، معتبرة أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا حال دون معالجة جذور الأزمات الأمنية على الحدود. وأوضحت أن الحلول الموضعية التي يطبقها الجيش في نقاط العبور لم تنجح في وقف تدفق السلاح الذي يقدر بآلاف القطع سنوياً، وربما يصل إلى عشرات الآلاف في بعض التقديرات.
دولة الاحتلال أصبحت مدمنة على وهم أن تفوقها التقني قادر على حل جميع الأزمات دون معالجة الجذور الأساسية للمشكلات.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الحدود الجنوبية مع مصر فحسب، بل تمتد لتشمل الحدود الشرقية مع الأردن ومناطق أريحا والأغوار. وتؤكد المعطيات الميدانية أن شبكات التهريب باتت تستخدم ذات الأساليب التقنية لتجاوز العوائق الأمنية في مختلف القطاعات، مما يشكل ضغطاً مستمراً على أجهزة الاستخبارات والجيش.
وفي سياق متصل، أشار الصحفي الإسرائيلي إلحانان غرونر إلى أن هذه الوقائع تمثل دليلاً إضافياً على فشل الرهان التقني البحت في حماية الحدود. ودعا غرونر في تصريحاته إلى تبني استراتيجيات أكثر عدوانية تشمل عمليات عسكرية واسعة ضد ما وصفها بالميليشيات، مطالباً بفرض سيطرة كاملة ومشددة على منطقة النقب.
ورغم الإجراءات التي أعلن عنها وزير الأمن الإسرائيلي مؤخراً، بما في ذلك إشراك جهاز الأمن العام (الشاباك) في ملف مكافحة التهريب، إلا أن النتائج الميدانية لا تزال دون المستوى المطلوب. وتستمر عمليات التسلل الجوي للمسيرات رغم صدور أوامر اعتقال إداري بحق عدد من المشتبه بتورطهم في هذه الأنشطة على جانبي الحدود.
وتشير التقارير إلى أن التحدي الأكبر يكمن في قدرة المهربين على التكيف السريع مع أي تحديثات تقنية يدخلها جيش الاحتلال على منظوماته الدفاعية. فبمجرد تطوير وسيلة تشويش جديدة، تظهر في المقابل برمجيات وتعديلات ميكانيكية على الطائرات المسيرة تجعلها قادرة على مواصلة مهامها بعيداً عن الرصد الإلكتروني.
ختاماً، يرى مراقبون أن استمرار عمليات التهريب بهذه الكثافة يعكس فجوة استخباراتية وعملياتية عميقة يعاني منها جيش الاحتلال في المناطق الصحراوية والحدودية الوعرة. ويبدو أن الصراع التقني بين المهربين والمنظومة الأمنية قد دخل مرحلة جديدة تتطلب مراجعة شاملة لكافة المفاهيم الدفاعية التقليدية المتبعة حالياً.
الخميس 14 مايو 2026 10:28 صباحًا -
بتوقيت القدس
كشفت الحكومة الكوبية عن وصول أزمة الطاقة في البلاد إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أعلن وزير الطاقة والمناجم، فيسنتي دي لا أو، عن نفاذ مخزونات الديزل وزيت الوقود بشكل كامل. وأكد الوزير في تصريحات رسمية أن الشبكة الوطنية للكهرباء دخلت مرحلة 'حرجة' للغاية، مشيراً إلى أن الجزيرة باتت تفتقر لأي احتياطيات استراتيجية لتشغيل المحطات.
وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع خروج احتجاجات متفرقة في عدة أحياء بالعاصمة هافانا، حيث عبر السكان عن غضبهم بقرع أواني الطهي في الشوارع. ورغم الانتشار الأمني الكثيف، تزايدت حالة السخط الشعبي نتيجة الانقطاعات المتكررة والطويلة للتيار الكهربائي التي شلت مناحي الحياة الأساسية في البلاد.
وبحسب البيانات الرسمية، فقد ارتفعت ساعات تقنين الكهرباء بشكل حاد خلال الأسبوعين الماضيين، لتصل في بعض أحياء العاصمة إلى نحو 22 ساعة يومياً. هذا الوضع المتفاقم زاد من الضغوط المعيشية على المواطنين الذين يعانون أصلاً من نقص حاد في السلع الغذائية والأدوية والخدمات اللوجستية الأساسية.
وأوضح وزير الطاقة أن المنظومة الكهربائية تعتمد في الوقت الراهن بشكل كلي على إنتاج النفط الخام المحلي والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى مساهمات الطاقة المتجددة. ورغم نجاح كوبا في تركيب ألواح شمسية بقدرة 1300 ميغاواط مؤخراً، إلا أن عدم استقرار الشبكة ونقص الوقود التقليدي يحول دون الاستفادة الكاملة من هذه القدرات.
ليس لدينا وقود على الإطلاق، ولا ديزل على الإطلاق، وكوبا لا تملك أي احتياطيات حالياً.
وفيما يتعلق بالجهود الدبلوماسية، أكدت هافانا استمرار مفاوضاتها مع أطراف دولية لاستيراد الوقود رغم القيود المشددة المفروضة عليها. وأشار الوزير إلى أن ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن العالمية، المتأثرة بالتوترات الإقليمية والدولية، زاد من تعقيد قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها من الطاقة.
وتعود جذور الأزمة الراهنة إلى تشديد الحصار الأمريكي، خاصة بعد الأمر التنفيذي الذي أصدره دونالد ترمب في يناير 2026، والذي هدد بفرض رسوم جمركية على الدول الموردة للوقود لكوبا. هذا التهديد دفع موردين رئيسيين مثل المكسيك وفنزويلا إلى وقف شحناتهم النفطية خوفاً من العقوبات الاقتصادية الأمريكية.
وتشير التقارير إلى أن كوبا لم تتسلم منذ شهر ديسمبر الماضي سوى ناقلة نفط روسية واحدة كبيرة، وهو ما وفر دعماً مؤقتاً ومحدوداً لم يصمد طويلاً أمام الطلب المتزايد. ويدخل الحصار على واردات الوقود شهره الرابع، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الخدمات العامة التي تخدم نحو عشرة ملايين نسمة.
من جانبها، دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة بوصف الحصار المفروض على كوبا بأنه 'غير قانوني' ويتنافى مع القوانين الدولية. واعتبرت المنظمة الدولية أن هذه الإجراءات تعيق حق الشعب الكوبي في التنمية، وتقوض بشكل مباشر حقوقه الأساسية في الغذاء والتعليم والصحة والوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي.
الخميس 14 مايو 2026 9:58 صباحًا -
بتوقيت القدس
تتجه الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان نحو مرحلة جديدة من التنسيق الاقتصادي عبر اتفاق أولي يقضي بتوحيد إدارة المنافذ الحدودية إلكترونياً. ويهدف هذا التحول إلى اعتماد نظام 'أسيكودا' العالمي في غضون أربعة أشهر، سعياً لضبط حركة التجارة وتقليل نسب التهرب الضريبي التي عانت منها الموازنة العامة لسنوات طويلة. وتأتي هذه الخطوة لإنهاء التباين في الإجراءات الجمركية بين المركز والإقليم وتوحيد المعايير المتبعة في كافة المنافذ.
ويُعد نظام 'أسيكودا' أو 'النظام الآلي لبيانات الجمارك' تقنية متطورة أشرف على تطويرها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، وهي مطبقة حالياً في أكثر من مئة دولة. يعمل النظام على استبدال كافة المعاملات الورقية التقليدية بإجراءات رقمية شاملة تبدأ من لحظة دخول الشاحنات وحتى دفع الرسوم النهائية. كما يوفر النظام قاعدة بيانات دقيقة تتيح للسلطات مراقبة حركة الاستيراد والتصدير لحظة بلحظة وبشفافية عالية.
وتسعى بغداد من خلال هذا المشروع إلى معالجة الثغرات الناتجة عن الإجراءات اليدوية الجزئية التي تؤدي إلى تفاوت الرسوم بين منفذ وآخر، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار في السوق. ويتيح النظام الجديد احتساب الرسوم الجمركية تلقائياً بناءً على نوع البضاعة ومنشئها، ما يقلل من التدخل البشري وفرص الفساد المالي. كما يربط النظام كافة المنافذ الحدودية بشبكة إلكترونية موحدة تضمن تدفق المعلومات بسلاسة بين الجهات الرقابية.
تطبيق نظام أسيكودا والتعرفة الجمركية الجديدة سيؤديان بالتأكيد إلى رفع أسعار السلع والبضائع في الأسواق المحلية.
وعلى الرغم من الفوائد التنظيمية، إلا أن حكومة إقليم كردستان أبدت في أوقات سابقة تحفظات تتعلق بمدى تأثير هذا الربط على استقلاليتها المالية والإدارية. فالمنافذ الحدودية تشكل شريان حياة اقتصادياً للإقليم، وهناك مخاوف من أن يؤدي الدمج الكامل مع النظام الاتحادي إلى تقييد صلاحيات الإقليم في إدارة موارده المحلية. ومع ذلك، يبدو أن الاتفاق الأخير يمثل حلاً وسطاً لتجاوز الخلافات الفنية والمالية العالقة بين الطرفين.
من جانب آخر، حذر قطاع الأعمال والتجارة من التبعات الاقتصادية المباشرة لهذا القرار على المستهلك العراقي. وصرح رئيس غرفة تجارة أربيل، كيلان حاجي سعيد، لمصادر إعلامية بأن تطبيق نظام 'أسيكودا' بالتزامن مع التعرفة الجمركية الجديدة سيؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية في الأسواق. ويرى تجار أن زيادة الرقابة والرسوم قد تنعكس بشكل مباشر على تكلفة المعيشة، مما يتطلب توازناً بين الضبط الجمركي وحماية القوة الشرائية للمواطنين.
الخميس 14 مايو 2026 9:30 صباحًا -
بتوقيت القدس
رام الله - "القدس" دوت كوم- من أحمد جلاجل- التقى وفد من هيئة العمل الوطني والأهلي المقدسية والغرفة التجارية في القدس بزيارة سعادة السفير العُماني في رام الله، عبدالله بن عمر بن سالم الحداد وطاقم السفارة، حيث أجمع المتحدثون من الهيئة والغرفة التجارية، على شكرهم وتقديرهم العالي للدور العُماني في دعم شعبنا وقضيتنا الفلسطينية، سياسياً واعلامياً ومالياً واغاثياً ، وفي إطار التبادل الثقافي والتراثي، كما قدم الوفد شرح تفصيلي ومعمق، حول الإنتهاكات الإٍسرائيلية في مدينة القدس، والحرب الشاملة التي تشن على المقدسيين في كافة المجالات والميادين، بإستهداف البشر والحجر والشجر والمقدسات الإسلامية والمسيحية ،وفي المقدمة منها المسجد الأٌقصى وكنيسة القيامة، وحذر الوفد من ان هناك مخاطر جدية تهويدية قادمة على الأقصى وخاصة في ظل الدعوات للجماعات التلمودية والتوراتية المدعومة من حكومة الإحتلال، لإقتحام الأقصى ورفع الأعلام الإسرائيلية في ساحاته في ذكرى ما يعرف بتوحيد القدس المترافق مع الذكرى 78 لنكبة شعبنا الفلسطيني.
وقد دعا الوفد الحكومة العمانية الى دعم ومساندة الحركة التجارية والإقتصادية في مدينة القدس، وتبني مشاريع من شأنها خدمة التجار وتعزيز صمودهم في البلدة القديمة كمشروع الطاقة الشمسية وغيرها من المشاريع التي تترك اثر وبصمات عُمانية مميزة في دعم واسناد شعبنا في المدينة.
وفي الختام شكر الوفد للسفير وطاقم السفارة حسن استقبالهم، والعمل على تعزيز التواصل والتعاون مستقلاً.
الخميس 14 مايو 2026 9:28 صباحًا -
بتوقيت القدس
انطلقت في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، اليوم الخميس، أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، في حدث تنظيمي هو الأول منذ عقد من الزمن. ويأتي انعقاد المؤتمر في لحظة تاريخية فارقة تتزامن مع استمرار حرب الإبادة على قطاع غزة وتصاعد التحديات الأمنية والسياسية في القدس والضفة الغربية.
يحتضن مقر الرئاسة الفلسطينية الجلسات الرئيسية للمؤتمر، حيث يسعى المشاركون إلى انتخاب أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وهي الهيئات القيادية العليا التي ستدير دقة الحركة في المرحلة المقبلة. وينظر مراقبون إلى هذه الخطوة باعتبارها تمهيداً عملياً لإعادة ترتيب مراكز القوى داخل الحركة، خاصة مع اقتراب مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس الذي تجاوز التسعين من عمره.
أكد أمين سر اللجنة المركزية للحركة، جبريل الرجوب أن هذا المؤتمر يمثل محطة مفصلية في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، مشدداً على ضرورة حماية القرار الوطني المستقل. وأوضح الرجوب أن الحركة تسعى من خلال هذا الاجتماع إلى تثبيت حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية وتعزيز دور منظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.
أشار الرجوب في تصريحاته إلى أن المؤتمر يهدف لبناء شراكة حقيقية مع المجتمع الدولي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بعيداً عن أي أوهام شراكة مع الحكومة الإسرائيلية الحالية. وشدد على أن حكومة بنيامين نتنياهو ترفض بشكل قاطع حل الدولتين، مما يفرض على الفلسطينيين ترتيب بيتهم الداخلي لمواجهة هذه السياسات المتطرفة.
يشارك في المؤتمر نحو 2580 عضواً، يتوزعون جغرافياً لضمان تمثيل كافة الساحات، حيث يتواجد نحو 400 عضو في قطاع غزة، ومثلهم في العاصمة المصرية القاهرة، بالإضافة إلى 200 عضو في بيروت. وتعتمد الحركة تقنيات الاتصال المرئي لربط الساحات المختلفة وضمان مشاركة الجميع في عمليات التصويت والنقاش رغم المعيقات الجغرافية والأمنية.
في قطاع غزة، انطلقت الجلسات في رحاب جامعة الأزهر وسط ترتيبات أمنية خاصة تشرف عليها كوادر من حركة فتح بشكل مباشر. وأفادت مصادر بأن هذه الترتيبات تمت دون تدخل من الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس، التي لا تزال تسيطر على مفاصل الحكم في القطاع، مما يعكس رغبة في تمرير الاستحقاق التنظيمي بهدوء.
هذا المؤتمر هو الأهم في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وينعقد في ظل أخطر التحديات التي تواجه مسيرتنا النضالية.
من المقرر أن يفضي المؤتمر إلى انتخاب 18 عضواً للجنة المركزية و80 عضواً للمجلس الثوري، مع وجود صلاحيات للمؤتمر بتعديل هذه الأعداد وفقاً للمقتضيات التنظيمية. وتخضع عملية الترشح لشروط صارمة، أبرزها أن يكون المرشح قد أمضى عقدين من الزمن على الأقل في صفوف الحركة وتدرج في مراتبها التنظيمية المختلفة.
يأتي هذا الاستحقاق في وقت تواجه فيه حركة فتح انتقادات داخلية وخارجية تتعلق بتراجع نفوذها الشعبي وتعثر مشروع التسوية السياسية. ويرى محللون أن الحركة باتت تعتمد بشكل متزايد على مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لتثبيت شرعيتها، في ظل غياب الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية منذ نحو عشرين عاماً.
حذر مدير مركز مسارات، هاني المصري، من أن الصراع على المواقع القيادية قد يطغى على النقاشات الجوهرية المتعلقة بالبرنامج الوطني والسياسي للحركة. وأشار المصري إلى أن أزمة الشرعية التي تعاني منها المؤسسات الفلسطينية تتطلب إصلاحات جذرية وتوافقاً وطنياً شاملاً يتجاوز مجرد تغيير الأسماء في الهيئات القيادية.
على الصعيد الميداني، يتزامن المؤتمر مع تصعيد إسرائيلي غير مسبوق في الضفة الغربية، حيث تواصل قوات الاحتلال عملياتها العسكرية وتوسع النشاط الاستيطاني. وتواجه السلطة الفلسطينية ضغوطاً متزايدة من الشارع الفلسطيني الذي يطالب بمواقف أكثر حزماً تجاه اعتداءات المستوطنين المتكررة وحرب الإبادة المستمرة في غزة.
يشهد المؤتمر غياب شخصيات قيادية وازنة، من بينها ناصر القدوة الذي شكك في قانونية انعقاد المؤتمر وشرعية القيادة الحالية، بالإضافة إلى استمرار استبعاد محمد دحلان. ورغم هذا الغياب، يشارك بعض المحسوبين على التيارات المعارضة بصفة فردية، وسط أجواء من الترقب لما ستسفر عنه صناديق الاقتراع من توازنات جديدة.
تتجه الأنظار نحو أسماء بارزة تتنافس على خلافة الرئيس عباس أو تعزيز مواقعها في قمة الهرم القيادي، من بينهم حسين الشيخ وجبريل الرجوب وماجد فرج. كما برز اسم ياسر عباس، نجل الرئيس، كمرشح محتمل لعضوية اللجنة المركزية، مستنداً إلى نشاطه السياسي والاقتصادي المكثف وعلاقاته الواسعة داخل أجهزة الدولة والحركة.
الخميس 14 مايو 2026 9:23 صباحًا -
بتوقيت القدس
أقل الكلام
تذهب "فتح" اليوم إلى مؤتمرها الثامن، وسط تحدياتٍ وجوديةٍ غير مسبوقة، تملي على المؤتمرين واجباتٍ من جنس التحديات، فالسباق اليوم على المغارم لا المغانم، وأمام الطامحين والطامعين، والمؤلفة قلوبهم وجيوبهم، مهمات كبرى، لا تنفع معها الشعارات ولا بلاغة الوعود، والتصريحات، فاختبارها لن يتجاوز الأيام المعدودات، عندما يجد الخارجون من صناديق الاقتراع أنفسهم أمام تلالٍ من المهمات والمسؤوليات، والأسئلة المعلقة بلا إجابات.
صون كرامة أسر الشهداء والجرحى والأسرى، وانتشالهم من غائلة الجوع والعوز وشظف العيش، ومساعدة الناس في المخيمات وفي القرى والبلدات التي تنهشها مخالب الاستيطان في الضفة، والاستجابة لهموم الناس وأوجاعهم في غزة، ينبغي أن تتصدر برامج المتنافسين على خدمة شعبهم، فلا قيمة لأية شعاراتٍ إنْ لم تقترن بالأفعال؛ فالحياة أقوى سلاحٍ في مواجهة عدوّ يمارس الإبادة والتهجير، وتقويض أُسس الدولة، بفرض وقائع قاسيةٍ تخلق بيئةً طاردة، تُفرغ الأرض من أصحابها.
"فتح" اليوم أكثر ما تكون بحاجة إلى من يمتلكون الرؤية الثاقبة والبصيرة الشوافة، فليس الهدف من عقد المؤتمر استبدال أسماء بأسماء، بل هو محطةٌ للتقييم والتقويم، وسد الشقوق التي في السطوح، وضخ دماء جديدة في شرايين الحركة الطاعنة في النضال، ما يجعلها قادرة على مواصلة الركض على درب الرواد الأوائل، الذين حملوها على أكتافهم في بواكير انطلاقتها.
لا يمكن لـ"فتح" أن تستعيد دورها دون أن يكون المؤتمر الثامن منطلقاً لوحدة وطنية شاملة، تنهي الانقسام، وتؤسس لشراكة حقيقية تفرد فيها الحركة حطتها، لكي ينال الكل الوطني شرف الإمساك بطرفها لحمل حجر منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
يجب و بالإمكان أن تبادر "فتح"، بوصفها قاطرة النضال ومعقد الآمال، للعمل على تعويض النقص واستدراك الفوات؛ عبر إجراء المراجعات، وتصويب المسارات، وتقويم اعوجاج السياسات، واستعادة الثقة المتآكلة بهيئات الحركة ومؤسساتها، ومعالجة ما شجر بين رفاق الدرب من خلافات، فلا يكفي أن تكون "فتح" صاحبة الطلقة الأولى، بل أن تكون درعاً تدرأ عن شعبها الرصاصة الأخيرة.
الخميس 14 مايو 2026 9:22 صباحًا -
بتوقيت القدس
مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، لا تبدو الحاجة ملحّة فقط لتجديد الهيئات القيادية أو إعادة ترتيب البنية التنظيمية، بل لفتح مراجعةٍ عميقةٍ وشجاعة للنظام الداخلي للحركة بوصفه الوثيقة الناظمة لمسارها السياسي والكفاحي والتنظيمي. فالنظام الداخلي ليس نصاً إدارياً جامداً، بل هو التعبير الحقيقي عن هوية الحركة، وطبيعة مشروعها الوطني، وحدود علاقتها بالشعب والسلطة والمؤسسات، وآليات تجددها واستمرارها.
لقد خاضت فتح، منذ انطلاقتها، تحولاتٍ هائلة؛ انتقلت من حركة تحرر وطني تقود الكفاح الفلسطيني المعاصر، إلى حركةٍ تحمل أعباء المشروع الوطني بكل تعقيداته السياسية والقانونية والإدارية والدبلوماسية. غير أن هذا التحول، بكل ما حمله من إنجازات وتحديات، أوجد اختلالاتٍ تنظيمية وسياسية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ جدية تعيد التوازن بين "فتح الثورة" و"فتح السلطة"، وبين الشرعية التاريخية والشرعية التنظيمية المتجددة.
وأولى القضايا التي ينبغي أن يتناولها التطوير هي إعادة تعريف الهوية الفكرية والسياسية للحركة بصورة أكثر وضوحاً وحداثة. ففتح مطالبة اليوم بتأكيد نفسها كحركة تحرر وطني ديمقراطي جامعة، تستند إلى الحق الطبيعي والتاريخي للشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، وتؤمن بالتعددية السياسية والشراكة الوطنية ووحدة التمثيل الفلسطيني، بعيداً عن الانغلاق التنظيمي أو الاحتكار السياسي. كما أن من الضروري إعادة الفصل المفاهيمي والتنظيمي بين الحركة بوصفها إطاراً وطنياً تحررياً، وبين السلطة بوصفها أداةً إدارية انتقالية، حتى لا تذوب الحركة داخل البيروقراطية الرسمية أو تفقد طابعها الكفاحي والشعبي.
وفي السياق ذاته، فإن ترسيخ الديمقراطية الداخلية أصبح ضرورة وجودية لا مجرد مطلب تنظيمي. فالحركات الوطنية تضعف حين تتحول الشرعية التاريخية إلى بديل عن التداول الديمقراطي، وحين تغيب المحاسبة لصالح النفوذ الشخصي أو مراكز القوى. لذلك فإن تطوير النظام الداخلي يجب أن يشمل تحديداً واضحاً لسقوف المسؤوليات التنظيمية، وتعزيز الانتخابات الدورية الحقيقية، واستقلالية الهيئات الرقابية والقضائية الحركية، وتكريس مبدأ المحاسبة والشفافية، بما يعيد الثقة للكادر التنظيمي ويمنح الأجيال الجديدة فرصة المشاركة والتأثير.
كما أن المؤتمر الثامن مدعو لإعادة الاعتبار لدور الشباب والمرأة داخل البنية القيادية للحركة، ليس من باب التمثيل الشكلي، بل باعتبارهما طاقة التجدد والاستمرار. فلا يمكن لحركةٍ قادت الشعب الفلسطيني لعقود أن تواجه تحديات المستقبل بعقلٍ تنظيمي مغلق أو بنخبٍ لا تتجدد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء منظومات إعداد فكري وسياسي وتنظيمي حديثة، تعيد بناء الكادر الفتحاوي على أسس وطنية وكفاحية ومعرفية متقدمة.
وفي ظل التحولات الدولية والإقليمية، يصبح من الضروري أيضاً تحديث مفهوم النضال الوطني داخل النظام الداخلي نفسه، بحيث لا يقتصر على أشكال المواجهة التقليدية، بل يمتد إلى أدوات الاشتباك القانوني الدولي، والمقاومة الشعبية، والإعلام الرقمي، والدبلوماسية الشعبية، وحماية الرواية الوطنية الفلسطينية في مواجهة محاولات التزييف والإلغاء. فالصراع اليوم لم يعد صراع جغرافيا فقط، بل صراع رواية ووعي وشرعية ومكانة قانونية وأخلاقية أمام العالم.
ولا تقل أهمية عن ذلك قضية مكافحة الترهل والفساد التنظيمي، عبر إرساء قواعد واضحة للشفافية المالية، ومنع تضارب المصالح، وفصل النفوذ الوظيفي عن القرار التنظيمي، لأن الحركات الكبرى لا تسقط فقط بالهزيمة الخارجية، بل قد تنهار أيضاً حين يتآكل بنيانها الداخلي وتفقد ثقة جماهيرها.
إن المؤتمر الثامن أمام فرصة تاريخية حقيقية؛ فإما أن يشكل محطة تجديد وطني وتنظيمي تعيد لـِفتح حيويتها ودورها الجامع، وإما أن يبقى مجرد استحقاقٍ تنظيمي عابر. ففتح التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، لا تزال قادرة على استعادة المبادرة، شرط أن تمتلك شجاعة النقد الذاتي، وإرادة الإصلاح، والقدرة على بناء نظام داخلي عصري، ديمقراطي، مقاوم، يحفظ تاريخ الحركة ويؤسس لمستقبلها في آنٍ معاً.
الخميس 14 مايو 2026 9:21 صباحًا -
بتوقيت القدس
رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراه في الوظيفة العمومية
في أي عملية مراجعة تنظيمية جادة داخل حركة فتح، خصوصا في سياق المؤتمر الثامن، يبرز سؤال مركزي لا يمكن تجاهله : كيف يتم إنتاج بعض المسميات التنظيمية واستمرارها رغم تغير الواقع، مقابل مسميات أخرى فقدت فاعليتها وشرعيتها الزمنية ولم تعد تعبر عن الحالة الحركية أو المجتمعية ؟
في الواقع التنظيمي، تتشكل بعض المواقع أو المسميات عبر تراكمات تاريخية أو توازنات داخلية سابقة، ثم تتحول مع الزمن إلى هياكل قائمة بذاتها، حتى وإن تراجع دورها الفعلي، هذا النوع من الإنتاج التنظيمي غالبا ما يتم عبر قرارات مرحلية أو توافقات مؤقتة، لكنه مع مرور السنوات يفقد مبرراته الموضوعية، خاصة إذا لم يتم تجديده عبر انتخابات دورية أو تقييم مؤسسي شفاف، وهنا تظهر الإشكالية استمرار الشكل رغم غياب المضمون.
في المقابل، بالرغم من التمثيل لكافة المسميات والهيئات والنقابات والاتحادات وهي في بعضها حقيقية الجذور في المجتمع والعمل المؤسساتي الفلسطيني، ولكن البعض استثمرها لمأرب شخصية مما همش أو أضعف دورها داخل البنية التنظيمية لصالح مواقع منتجة تنظيميا أكثر منها منتجة اجتماعيا.
هذا الخلل أدى وإن تغاضى عنها أصحاب القرار إلى فجوة بين الشرعية التنظيمية والشرعية الشعبية، حيث تصبح بعض المواقع قائمة على التراكم الإداري لا على التمثيل الفعلي، ومن أبرز الإشكاليات التي يمكن رصدها في هذا السياق إنتاج مواقع تنظيمية جديدة لتلبية توازنات داخلية دون دراسة الحاجة الفعلية لها وبقاء مواقع قديمة رغم انتهاء دورها العملي أو تغير وظيفتها وضعف آليات المراجعة الدورية التي تعيد تقييم جدوى الهيئات والمواقع وتداخل الصلاحيات بين مواقع تنظيمية ونقابية وهيئات مجتمعية، ما يخلق حالة من التشويش بدل التكامل والشراكة.
إن هذا الواقع أنعكس سلبا على دور النقابات والاتحادات والهيئات وغيرها من المسميات، التي يفترض أن تكون أكثر حيوية وديناميكية، لكنها تجد نفسها أحيانا محكومة بهياكل لا تعكس وزنها الحقيقي الشرعي أو دورها الفعلي، وعملها موسمي وفق ما تتطلب الظروف ما يضعف قدرتها على التأثير في القرار الحركي.
إن أحد أهم التحديات أمام المؤتمر الثامن يتمثل في إعادة ضبط الشرعية التنظيمية على أساسين متلازمين:أولا الشرعية الزمنية، أي تحديد مدة واضحة لكل موقع تنظيمي قابل للتجديد أو التغيير عبر آليات ديمقراطية، ثانياً الشرعية الوظيفية، أي ربط استمرار أي مسمى بمدى قيامه بدور فعلي وملموس داخل المجتمع والمؤسسة والحركة.
من دون ذلك، ستظل بعض المواقع تعاد إنتاجها بشكل تلقائي، بينما تتراجع هيئات فاعلة ومؤثرة عن موقعها الطبيعي، وهو ما يخلق خللا في التوازن التنظيمي ويضعف منسوب الثقة الداخلية.
إن الاستثمار الحقيقي للمؤتمر لا يكون في تثبيت الواقع كما هو، بل في إعادة هندسة البنية التنظيمية على أسس واضحة الكفاءة، التمثيل الحقيقي، والفاعلية، مع فتح المجال أمام النقابات والاتحادات والهيئات لاستعادة دورها الطبيعي كقوة حية داخل الحركة، وليس كإطار رمزي أو هامشي وموسمي مع عدم استثمار الأوضاع تحت مسميات المطالب والحقوق لتحقيق مأرب شخصية، وبذلك فقط يمكن تحويل المؤتمر من محطة لإعادة توزيع المواقع، إلى محطة لإعادة بناء الشرعية التنظيمية على أسس حديثة، تعكس الواقع الفلسطيني وتستجيب لتحدياته المتغيرة.
الخميس 14 مايو 2026 9:20 صباحًا -
بتوقيت القدس
تمر ذكرى النكبة الكبرى هذا العام، وحرب المستوطنين في الضفة وهجماتهم على الأراضي والمواشي والمزارع والمواطنين الفلسطينيين مستمرة ومتصاعدة بعنف يشتد وتنكيل دائم، بينما تتواصل سياسات القهر والفقد والقتل والحصار في غزة، والواقع لا يزال على حاله، حيث ظروف المعيشة الصعبة بين الخيام ومراكز النزوح، وشحّ في الغذاء والدواء، إلى جانب التهويد في القدس، والذي يتخذ أشكالًا أكثر تطرفًا، ليس فقط من خلال تغيير الطابع العام الجغرافي والديمغرافي للمدينة المقدسة، أو من خلال الاقتحامات الدائمة لباحات المسجد الأقصى وتدنيسه بالرقصات والغناء، بل من جوانب أخرى تمس حياة المقدسيين الذين يعيشون معاناة دائمة مع قطعان المستوطنين الأغراب وسياسات الاحتلال التي تخنق حياة الناس وتضعهم في عزلة بعيدًا عن محيطهم العربي الفلسطيني.
تمر ذكرى النكبة الكبرى، والنكبات تتواصل على شعبنا الفلسطيني في كل أماكن تواجده، ولا تزال القرارات الدولية في أدراج الأمم المتحدة ومجلس الأمن مقفلًا عليها، ومجرد حبر على ورق، وخلال سنوات النكبة بقيت الهيئات الدولية على حالها عاجزة عن إنهاء الاحتلال، وغير قادرة على محاسبته على جرائمه المستمرة والمتواصلة حتى اليوم، وهذا جعل الحكومات المتعاقبة للكيان تتمادى أكثر في سلوكها العدواني وسياساتها العنصرية، وهي تزيد من بطشها بحق فلسطين أرضًا وشعبًا وقضية، وتتمادى أمام حالة الصمت والضعف الدولي.
إن المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي بدأ مع وعد بلفور المشؤوم لا يزال يتمدد ويتوسع، ولا تزال عقيدة الطرد وتهجير الناس من بيوتهم وأرضهم غاية وهدفًا ترفعه حكومات الكيان المتعاقبة، وتسعى بكل السبل لتكريس احتلالها الكولونيالي ومشروعها الاستعماري الذي يتمدد في البر والبحر والجو، ولا يعترف بأي حدود، ويتهرب من الاتفاقيات، ويضرب القانون الدولي، ويواصل اعتداءاته وقرصنته ودمويته، وبنفس الوتيرة تدخل النكبة الكبرى عامها الثامن والسبعين، والمخيم لا يزال شاهدًا على أبشع جريمة في العصر الحديث، والإبادة في غزة شاهدة على أبشع احتلال عرفته البشرية، وهذه السنوات هي عمر الاحتلال الذي يواصل محاولاته لتفريغ كل الأرض الفلسطينية من أصحابها، وطردهم إلى المنافي والشتات، وهذا ليس بالأمر الخفي، بل إنهم يجاهرون به، ويهددون ويتوعدون كل يوم، ويصادقون على ما يسمونه تشريعات في الكنيست هدفها إحلال المزيد من المستوطنين الأغراب بدلًا من أصحاب الأرض الأصليين.
إن النكبة إحدى أبشع الصور وأكثرها مرارة عبر التاريخ القديم والمعاصر، حيث لم يذكر التاريخ مثل هذه البشاعة وهذه اللعنة التي حدثت، والتي لم تقتصر على طرد أهل الأرض وسكانها، ولم تتوقف عند شكل الهجرة والتشريد والطرد، بل تعدت ذلك بكثير من سرقة للتاريخ وتزويره، وللتراث والعادات والتقاليد، وحتى لأسماء الشوارع والحارات والعائلات، ومصادرة هوية الأمكنة وثقافة البلاد وتطورها وصور الحضارة التي كانت سائدة فيها لقرون طويلة، وهم بذلك يحاولون طمس الهوية العربية والفلسطينية وشطبها بكل الوسائل والطرق، ولم تتوقف هذه الممارسات حتى يومنا هذا، وهم في كل لحظة يجددون مسعاهم لتهويد الأمكنة، ويسعون لتشويه التاريخ وتزويره بشتى الطرق والوسائل.
الخميس 14 مايو 2026 9:20 صباحًا -
بتوقيت القدس
منذ عودته إلى البيت الأبيض، يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إعادة تقديم نفسه باعتباره رجل “الصفقات الكبرى” القادر على إخضاع الخصوم عبر مزيج من الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية والمفاوضات السياسية، لكن القراءة المتأنية للخطاب الأمريكي تجاه إيران تكشف أن ما يُطرح تحت عنوان “الاتفاق” لا يحمل في جوهره معنى التسوية المتوازنة، بل يعكس محاولة لفرض الاستسلام السياسي والاستراتيجي على دولة ما زالت ترفض الانخراط الكامل في المشروع الأمريكي في المنطقة.
الولايات المتحدة لا تتحدث مع إيران باعتبارها دولة تمتلك مصالح وهواجس أمنية وحقوقاً سيادية، بل باعتبارها خصماً ينبغي تجريده من عناصر قوته كافة، ولهذا تبدو المفاوضات في العقل السياسي الأمريكي امتداداً للحرب بوسائل أخرى، لا طريقاً حقيقياً نحو السلام، فعندما تعجز القوة العسكرية عن تحقيق أهدافها كاملة، تتحول طاولة التفاوض إلى أداة لاستكمال ما لم يُنجز بالنار والدمار.
وفي الثامن والعشرين من فبراير الماضي، بدأت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عدواناً جديداً على إيران استمر أربعين يوماً، وأسفر عن سقوط آلاف المدنيين، واستهداف المدارس والمستشفيات والمساجد والبنية التحتية ومقدرات الشعب الإيراني، ورغم حجم القوة المستخدمة، لم ينجح العدوان في تحقيق صورة “النصر الحاسم” التي روجت لها واشنطن وتل أبيب، وهنا عادت لغة المفاوضات إلى الواجهة، لا باعتبارها مراجعة للسياسات العدوانية، بل كمحاولة للحصول عبر السياسة على ما تعذر انتزاعه في الميدان.
دونالد ترمب يريد من إيران كل شيء تقريباً؛ يريد تقليص برنامجها النووي إلى الحد الذي يفقدها أي قدرة ردع مستقبلية، ويريد تحجيم نفوذها الإقليمي، وإعادة صياغة دورها السياسي بما يتناسب مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية للشرق الأوسط، ويريد كذلك ضبط قرارها السيادي وإدخالها في منظومة الهيمنة الغربية بشروط أمريكية خالصة، لكن في المقابل، ماذا يقدم؟ لا توجد ضمانات حقيقية، ولا التزام واضح برفع العقوبات بصورة جذرية، ولا اعتراف فعلي بحقوق إيران السياسية والأمنية، ولا حتى تعهدات بعدم تكرار العدوان، إنها معادلة تقوم على الأخذ الكامل مقابل الحد الأدنى من التنازلات الأمريكية.
هذه العقلية ليست جديدة في السياسة الأمريكية، بل تمثل امتداداً لمنطق الهيمنة الذي حكم علاقة واشنطن بكثير من دول العالم، فالإدارة الأمريكية لا ترى في الاتفاقات سوى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنطقة الشرق الأوسط التي تُعد مركزاً حيوياً للمشاريع الأمريكية والإسرائيلية، لذلك فإن أي “اتفاق” لا يحقق لإيران حقها في السيادة والأمن ورفع الحصار الاقتصادي بشكل حقيقي سيبقى أقرب إلى وثيقة إذعان منه إلى تسوية سياسية عادلة.
المفارقة أن واشنطن تتحدث دائماً عن الاستقرار والسلام، بينما تعتمد في الوقت نفسه على الحروب والعقوبات والحصار والتجويع لتحقيق أهدافها، فمن الصعب إقناع شعوب المنطقة بأن من يدعم الحروب ويمد الاحتلال بالسلاح ويساند عمليات القصف والتدمير يمكن أن يتحول فجأة إلى وسيط سلام نزيه، ولهذا تنظر قطاعات واسعة في المنطقة إلى الخطاب الأمريكي بعين الشك، وترى أن ما يجري ليس سعياً لإنهاء الأزمات، بل لإعادة إنتاج السيطرة الأمريكية بصيغ جديدة.
إيران، مثل غيرها من الدول التي تعرضت للحصار والضغوط، تدرك أن التفاوض تحت التهديد لا يصنع سلاماً مستقراً، وأن أي تنازل استراتيجي لا يقابله احترام متبادل وضمانات حقيقية لن يكون سوى بداية لمزيد من الضغوط، ولهذا تبدو المعركة اليوم أبعد من مجرد خلاف سياسي أو ملف نووي؛ إنها صراع على شكل المنطقة ومستقبلها، وعلى حق الدول في امتلاك قرارها بعيداً عن الهيمنة الخارجية.
في النهاية، تكشف تجربة السنوات الماضية أن واشنطن لا تريد من خصومها اتفاقات متوازنة بقدر ما تريد إعادة تشكيلهم وفق مقاسها السياسي والأمني، أما الشعوب التي دفعت أثمان الحروب والعقوبات والدمار، فقد باتت أكثر وعياً بأن السلام الحقيقي لا يُبنى على الإملاءات، وأن الاتفاق الذي يُكتب بلغة القوة والإخضاع لا يمكن أن يصنع استقراراً دائماً، بل يؤسس لجولات جديدة من الصراع وعدم الاستقرار.
الخميس 14 مايو 2026 9:19 صباحًا -
بتوقيت القدس
تبدو الحالة الفلسطينية اليوم وكأنها تقف عند عتبة تاريخية غير محسومة. فهي ليست انهيارًا كاملًا للنظام السياسي القائم، وليست استمرارًا طبيعيًا له، بل حالة فراغ ممتد تتآكل فيه البنى القديمة دون أن تتشكل بعدُ بنية بديلة قادرة على ملء هذا الفراغ.
وفي قلب هذا المشهد تتقاطع الأزمتان الأكبر؛ أزمة حركة فتح في تمثيلها التاريخي، وأزمة حركة حماس في الانتقال من شرعية المقاومة إلى مأزق القدرة على القيادة الجامعة. لكن ما يظهر على السطح كأزمة فصائل، يخفي في العمق أزمة أخطر تتعلق ببنية التمثيل الوطني الفلسطيني نفسه، كما تشكلت تاريخيًا، وبقدرتها على الاستمرار في إنتاج شرعية سياسية جامعة في واقع شديد التعقيد، تحت الاحتلال والانقسام وإعادة تشكيل المجال الفلسطيني ذاته.
من هنا، فإن قراءة المشهد لا يمكن أن تتم من زاوية تنظيمية أو فصائلية ضيقة، بل من زاوية تحولات فكرة “التمثيل الوطني” نفسها، وكيف انتقلت من مشروع تحرر جامع إلى بنية سياسية مأزومة تتنازعها حدود السلطة وحدود المقاومة وحدود الواقع.
فتح: من الحركة الجامعة إلى أزمة التمثيل التاريخي
لا تبدو أزمة حركة فتح اليوم أزمة تنظيمية عابرة يمكن ردّها إلى خلافات داخلية أو صراع مواقع أو حتى تراجع شعبية. فهذه كلها مظاهر لأزمة أعمق وأخطر تتعلق بالمعنى الذي قامت عليه الحركة أصلًا، وبالدور التاريخي الذي منحها شرعيتها طوال عقود بوصفها التعبير الأوسع عن الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
ذلك أن فتح لم تكن مجرد تنظيم سياسي بين تنظيمات، بل كانت، منذ انطلاقتها، الإطار الذي نجح في جمع التناقضات الفلسطينية داخل فكرة وطنية واحدة. ولهذا تحديدًا، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل الحركة، بل بمستقبل فكرة التمثيل الوطني الفلسطيني نفسها. كيف تحوّل الإطار الوطني الأوسع إلى بنية تخشى التعدد وتتخلي عنه تدريجيًا؟ وماذا يبقى من حركة تحرر حين تصبح أولويتها الأساسية إعادة إنتاج بنيتها المغلقة؟
لفهم ما يجري، لا يكفي النظر إلى اللحظة الراهنة وحدها، بل إلى المسار الطويل الذي انتقلت خلاله فتح من حركة تحرر وطني مفتوحة إلى بنية سلطة تخشى الاختلاف أكثر مما تخشى الجمود.
في بداياتها، امتلكت فتح عنصر قوتها الأهم وهي المرونة التاريخية. لم تكن حركة أيديولوجية صلبة ذات تعريف فكري مغلق، بل مساحة واسعة استطاعت استيعاب الفلسطينيين بمختلف اتجاهاتهم الاجتماعية والسياسية والفكرية. وقد منحتها هذه القدرة على الاحتواء شرعية تجاوزت التنظيم نفسه، لتصبح أقرب إلى صيغة تمثيل وطني شامل.
لكن هذه الميزة التي صنعت قوة الحركة تحولت تدريجيًا إلى عبء على البنية التي تشكلت بعد اتفاق أوسلو. فمنذ انتقال مركز الثقل من مشروع التحرر إلى مشروع السلطة، بدأت طبيعة الحركة تتغير ببطء ولكن بعمق. لم تعد القضية الأساسية كيف يُعاد بناء الحركة الوطنية في مواجهة الاحتلال، بل كيف تُدار سلطة محدودة الصلاحيات تحت شروط الاحتلال ذاته.
ومع مرور الوقت، نشأت طبقة سياسية وإدارية وأمنية باتت مصالحها مرتبطة أكثر ببقاء البنية القائمة من ارتباطها بقدرتها على تجديد المشروع الوطني. وهكذا بدأ التحول الكبير من حركة تنتج السياسة إلى سلطة تنتج الإدارة، ومن إطار يحشد المجتمع حول فكرة التحرر إلى جهاز يستهلك معظم طاقته في الحفاظ على الاستقرار الداخلي وإدارة التوازنات اليومية، دون رؤية راسخة تربط مرحلة التحرر الوطني، بالبناء المؤسسي القادر على تعزيز الصمود.
لم يحدث هذا التحول بصورة مفاجئة أو درامية، بل عبر عملية طويلة من التآكل البطيء، حيث تراجع النقاش الداخلي، وضاقت مساحة التعددية، وتصاعد نفوذ الولاء الشخصي، وتحولت المؤسسات التنظيمية إلى أطر تُصادق على القرار أكثر مما تُنتجه. وفي الوقت ذاته، كانت الأجيال الجديدة تبتعد تدريجيًا عن الحركة، لا بسبب موقف أيديولوجي، بل لأنها لم تعد ترى فيها فضاءً سياسيًا حيًا قادرًا على تمثيل تطلعاتها والإجابة على أسئلتها. ومع كل أزمة سياسية أو وطنية كبرى، كانت الفجوة تتسع أكثر بين المجتمع الفلسطيني وبين البنية السياسية التي يُفترض أنها تمثله، دون أن يُقابل ذلك مراجعة بنيوية جادة، بل مزيد من الانغلاق.
ومن هنا تأتي أهمية ما يُطرح حول المؤتمر الثامن للحركة، لا بوصفه استحقاقًا تنظيميًا، بل بوصفه لحظة مفصلية في إعادة تشكيل مستقبل فتح نفسها. فالاتجاه العام يوحي بمحاولة إعادة هندسة البنية القيادية بطريقة تُقلّص التعدد إن لم يكن إلغاؤه، وتُعزز الهيمنة الكلية على مركز القرار. ويبدو أن ما يجري لا يتعلق فقط بإعادة توزيع المواقع، بل بإعادة تعريف من يملك حق التأثير داخل الحركة، لصالح منظومة موالية لمركز السلطة وأقل قدرة على الاعتراض.
هذا المسار، رغم ما يبدو أنه يهدف إلى الاستقرار، يحمل في داخله مفارقة خطيرة؛ فالحركات الوطنية لا تقوى بالانغلاق، بل بالقدرة على استيعاب التعدد. وكلما ضاق المجال الداخلي، ضاق معه المجال الوطني نفسه. وهنا تصبح فتح، التي قامت على فكرة البيت الوطني الواسع، أمام تحول عكسي، من إطار جامع إلى بنية تخشى التعدد.
حماس: من شرعية المقاومة إلى مأزق القيادة
لا يمكن فهم موقع حركة حماس في اللحظة الفلسطينية الراهنة بوصفه موقع فصيل سياسي تقليدي داخل مشهد تعددي، بل بوصفه تعبيرًا عن تحوّل أعمق أصاب بنية النظام الوطني الفلسطيني نفسه، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول من يمثل الفلسطينيين، بل حول طبيعة التمثيل ذاته وحدوده وإمكاناته.
فصعود الحركة لم يكن نتيجة قوتها الذاتية فقط، بل أيضًا نتيجة تآكل تدريجي في قدرة النموذج الذي قادته حركة فتح على احتواء التعدد الفلسطيني وإنتاج أفق سياسي جامع، خصوصًا بعد انسداد مسار التسوية وتراجع الثقة بإمكاناته. في هذا الفراغ، لم تظهر حماس كبديل فصائلي تقليدي، بل كحامل لفكرة الفعل والمقاومة في مواجهة انسداد سياسي طويل، ما منحها شرعية مركبة جمعت شرعية المقاومة، وشرعية الصمود، وشرعية الاعتراض على مسار سياسي بدا عاجزًا عن تحقيق اختراق في بنية الصراع مع إسرائيل. لكن هذه الشرعية، رغم اتساعها الرمزي والاجتماعي، لم تتحول إلى أساس مستقر لقيادة وطنية جامعة.
منذ لحظة سيطرتها على قطاع غزة، دخلت الحركة في انتقال غير محسوم من موقع المقاومة إلى موقع الحكم، دون أن يُحسم شكل هذا الانتقال أو نتائجه. فالمقاومة تقوم على المرونة وإبقاء أفق الصراع مفتوحًا، بينما الحكم يقوم على الإدارة اليومية وضبط المجتمع وتحمّل كلفة الاستقرار في بيئة شديدة الاختناق.
ومع الوقت، لم يُحل هذا التناقض بل جرى التعايش معه، لتجد الحركة نفسها داخل ازدواجية بنيوية بين منطقين متعارضين؛ منطق المقاومة الذي يمنحها شرعيتها الأصلية، ومنطق الحكم الذي يفرض عليها مسؤوليات معقدة لا تنسجم مع بنيتها الأولى.
الحروب المتكررة على غزة، خصوصًا حرب الإبادة، أعادت ترسيخ صورة حماس بوصفها قوة صمود في مواجهة تفوق عسكري ساحق، ما عزز حضورها الرمزي داخل قطاعات واسعة من الفلسطينيين، لا سيما الأجيال الشابة التي رأت في تجربتها استعادة لفعل سياسي كان مفقودًا في سياق طويل من الانسداد.
لكن هذه الشرعية الصلبة في بعدها الرمزي لا تكفي وحدها لبناء قيادة وطنية جامعة. فقيادة الحالة الفلسطينية لا تُقاس فقط بقدرة المواجهة أو الصمود، بل بقدرة أعمق على إدارة التعدد الداخلي، وصياغة توافق وطني، وبناء نموذج حكم قابل للاستمرار، وفتح أفق سياسي يتجاوز حالة الحرب الدائمة.
وهنا تبدأ حدود التجربة في الظهور. فجزء أساسي من الإشكال يكمن في البنية المركبة للحركة نفسها؛ فهي ليست حركة مقاومة فقط، ولا سلطة حكم فقط، ولا تنظيمًا أيديولوجيًا مغلقًا، بل مزيج متداخل من هذه الوظائف. غير أن هذا التداخل لم يتحول إلى مصدر قوة، بل إلى حالة توتر دائمة بين ثلاث وظائف متعارضة..منطق المقاومة، ومنطق الحكم، ومنطق الهوية.
فمنطق المقاومة يحتاج إلى التصعيد وإبقاء الصراع مفتوحًا، بينما منطق الحكم يحتاج إلى الاستقرار وإدارة المجتمع، في حين يفرض منطق الهوية سقوفًا أيديولوجية وسياسية تحدد شكل المجال العام. ومع غياب الحسم بين هذه المستويات، أصبحت الحركة تدير التناقض بدل تجاوزه. ورغم ما راكمته من حضور سياسي ومجتمعي واسع، فإن تحولها إلى قيادة وطنية جامعة يواجه حدودًا بنيوية تتعلق بقدرتها على استيعاب التعدد الفلسطيني بكل تعقيداته، وبطبيعة العلاقة بين المرجعية الأيديولوجية والمجال الوطني العام، إضافة إلى القيود التي تفرضها البيئة الإقليمية والدولية على أي حركة تحمل طابعًا مقاومًا مسلحًا.
وفي المقابل، يبقى جزء واسع من الرأي العام، خصوصًا الشباب، منجذبًا إلى رمزيتها بوصفها قوة صمود ومواجهة، حتى وإن لم يتحول هذا الانجذاب إلى تفويض مفتوح لقيادة سياسية شاملة.
لكن مأزق حماس لا يمكن عزله عن مأزق النظام السياسي الفلسطيني ككل. فالمشهد يقوم على تقاطع عجزين متوازيين هما عجز فتح عن إعادة إنتاج شرعية تمثيلية جامعة بعد تحوّلها إلى بنية سلطوية مغلقة نسبيًا، وعجز حماس عن تحويل شرعية المقاومة إلى مشروع قيادة وطنية شامل. وبين هذين القطبين يتشكل فراغ سياسي لا تملؤه أي صيغة مستقرة، بل تتجاور فيه الشرعيات دون أن تندمج في إطار واحد.
البديل وإعادة التأسيس: نحو هندسة عبور للتمثيل الوطني
في هذا السياق، يكتسب النقاش الذي برز خلال الحرب حول فكرة الحكومة الانتقالية غير الفصائلية أو الإدارات الانتقالية غير الحزبية في غزة دلالة تتجاوز بعدها الإداري. سواء تعلق الأمر بحكومة وفاق لا تشارك فيها الفصائل، أو بلجان إسناد وإدارة ذات طابع غير تنظيمي، فإن جوهر الفكرة يعكس تحوّلًا تدريجيًا في الواقع والتفكير السياسي الفلسطيني، مفاده أن الفصائل، بكل ثقلها التاريخي، لم تعد قادرة وحدها على احتكار إدارة المجال العام أو إنتاج التوافق الوطني.
هذا لا يعني نفي دورها أو تجاوز شرعيتها التاريخية، بل يشير إلى تآكل قدرتها على احتكار التمثيل والحكم في آن واحد؛ أي انتقال من نموذج الفصيل بوصفه وحدة التمثيل والقرار، إلى تصور أكثر تعقيدًا يفصل بين الشرعية التاريخية وبين متطلبات إدارة المجال العام.
لكن هذا التحول لم يُنتج بديلًا مكتملًا بعد، بل يعكس فراغًا انتقاليًا مفتوحًا أكثر مما يعكس صيغة مستقرة. فالفصائل لم تُستبدل، لكنها لم تعد كافية وحدها، والدولة لم تتشكل بعد، لكن متطلبات إدارتها بدأت تُفرض خارج منطقها التقليدي.
وهنا تتقاطع أزمة حماس مع أزمة النموذج الفصائلي بأكمله. فالمسألة لم تعد تتعلق بقدرة طرف بعينه على الحكم، بل بقدرة البنية السياسية الفلسطينية كلها على الاستمرار في إنتاج التمثيل بصيغته القديمة.
ومن هذا التقاطع بين عجزين أو أزمتين، تتولد الحاجة إلى التفكير في مستوى ثالث لا يقوم على الفصيل ولا على اللحظة الراهنة، بل على إعادة تأسيس فكرة التمثيل نفسها.
هذا التحول مرتبط أيضًا بالسياق الأوسع للصراع مع إسرائيل، التي لم تعد مجرد قوة احتلال تقليدية، بل منظومة تعيد تشكيل الواقع الفلسطيني وتفكيك مجاله الوطني، بما يعيد إنتاج الأزمة بشكل دائم.
ورغم ذلك، فإن اللحظة لا تخلو من إمكانات أبرزها حجم الكارثة الوطنية، والوعي الشبابي الجديد الأقل خضوعًا للانقسام الفصائلي، وتحولات دولية تفتح هامشًا لخطاب العدالة، لكن دون أن تتحول إلى بديل سياسي جاهز.
هنا يصبح “البديل الوطني” ليس استبدال الفصائل، بل إعادة تعريف موقعها داخل بنية أوسع، بحيث تتحول من احتكار للتمثيل إلى مكونات داخل نظام وطني تعددي. هذا يتطلب إعادة تعريف التمثيل ذاته، من بنية مغلقة إلى بنية منفتحة، ومن احتكار إلى تعدد، ومن إدارة أزمة إلى هندسة انتقال.
لكن ذلك يصطدم بتعقيدات عميقة؛ فالفصائل شبكات اجتماعية وأمنية متجذرة، والانقسام تاريخي، والاحتلال يعيد إنتاج التفكك بدل تجاوزه.
ومع ذلك، فإن الأزمة لم تعد تخص طرفًا واحدًا، بل أصبحت أزمة نظام كامل، لا فتح قادرة على الاحتكار، ولا حماس قادرة على التأسيس، ولا البنية القائمة قادرة على الاستمرار دون تغيير. هنا، يصبح “التوافق”ضرورة انتقالية وليس اتفاقًا نهائيًا، بل هندسة عبور من نظام مأزوم إلى نظام قيد التشكل. وقد بات هذا المسار ممرًا إجباريًا، ليس فقط للإنقاذ الوطني، بل ولإنقاذ الحركتين في سياق مراجعات جادة، والاحتكام لصندوق الاقتراع.
ومن هنا تظهر فكرة “النخب المشتبكة” بوصفها احتمالًا لإعادة وصل السياسة بالمجتمع، وكسر احتكار التمثيل دون إنتاج بديل مغلق. وبين الفشل الذي يضغط من الداخل، والتحولات التي تفتح من الخارج، يبقى السؤال مفتوحًا؛ هل يمكن تحويل هذا الفراغ إلى لحظة ولادة سياسية جديدة تعيد تعريف المشروع الوطني دون أن تفقد جوهره التحرري والإنساني؟
في المحصلة، يقف المشروع الوطني الفلسطيني أمام لحظة اختبار، إما إعادة إنتاج الأزمة داخل البنية القديمة، أو الانتقال إلى إعادة تأسيس هادئة تعيد تعريف التمثيل والقيادة والمجتمع.
أخيرًا، لا تبدو الحالة الفلسطينية أزمة فصائل فحسب، بل أزمة قدرة على إنتاج أفق المستقبل، وعلى تمثيل مجتمع كامل يعيش تحت الاحتلال وخطر التصفية.
الخميس 14 مايو 2026 9:18 صباحًا -
بتوقيت القدس
ما تشهده قرى وبلدات الضفة الغربية من اعتداءات متزامنة من إحراق منازل ومركبات واستهداف المواطنين الأبرياء في الفندقومية وجالود وغرب سلفيت يمثل تصعيداً منظماً من قبل مجموعات استعمارية تعمل بعقيدة عنف ممنهج وتحت مظلة حماية سياسية وأمنية توفرها حكومة اليمين المتطرفة، بالإضافة إلى استمرار تنفيذ مخططات منظمات "جبل الهيكل" التي تتم بتنسيق وتوافق مع حكومة الاحتلال، بالمساس بالمسجد الأقصى المبارك في خطوة تهدف إلى فرض وقائع جديدة بالقوة على الأرض .
التحضيرات الجارية لذبح "قربان الفصح" داخل باحات الأقصى تبدو أكثر جدية وخطورة من أي وقت مضى، في ظل توفير غطاء سياسي وأمني رسمي لهذه الجماعات الأمر الذي ينذر بإشعال فتيل وتحويل الصراع إلى صراع ديني خطير ستكون لها تداعيات لا يمكن احتواؤها على المستويين الإقليمي والدولي، ما لم يتم لجم هذه الحكومة وجماعاتها المتطرفة الإرهابية ووقفها فورا .
بالإضافة إلى الحرب المستمرة على قطاع غزة، والتي تؤدي يوميا إلى ارتقاء شهداء إضافة إلى اعتداءات المستعمرين في الضفة الغربية من قتل وحرق وتدمير، لن تغير جوهر الصراع، لأنه ما دام الاحتلال قائماً فلن يكون هناك أمن ولا استقرار في المنطقة والعالم، والحل الوحيد للأزمات والحروب التي تعانيها منطقة الشرق الأوسط، هو حل القضية الفلسطينية حلا عادلا وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، والقانون الدولي، رغم أنها عملية طويلة ومعقدة ودموية، فإنها الخيار الوحيد لتجنيب العالم المزيد من ويلات الحروب.
سلوك وممارسات حكومة الاحتلال يشكل نموذجاً واضحاً لإرهاب استعماري مركب تتداخل فيه ممارسات التطهير القسري مع سياسات الإفلات من العقاب في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف ويعكس توجها رسميا لتكريس بيئة طاردة للحياة الفلسطينية عبر أدوات الحرق والترويع والعقاب الجماعي، وان استهداف الممتلكات والبنية المحلية ومحاولة بث الرعب بين المدنيين يندرج ضمن جريمة منظمة ذات طابع عنصري.
وما من شك أنه رغم أن الخيارات المتاحة أمام المنطقة والعالم صعبة وخطيرة نتيجة استمرار الحروب والأزمات، وتآكل معايير الشرعية الدولية والقانون الدولي، فإن الفرصة قائمة لإعادة الاستقرار الإقليمي، ووقف الانعكاسات الخطيرة لهذه الحروب على النظام الدولي، من خلال السعي إلى تحقيق تسوية مستقبلية أساسها إنهاء الاحتلال وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة في الحرية والاستقلال وتجسيد استقلال دولته الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وفق الشرعية العربية والدولية والقانون الدولي.
لا بد من استمرار العمل وضرورة الشروع الفوري في مسار قانوني دولي لملاحقة عصابات المستعمرين كجماعات وأفراد وعدم الاكتفاء بإدانتهم سياسيا بل تصنيفهم ككيانات إرهابية منظمة ومحاسبة قادتهم ومموليهم وكل من يمدهم بالسلاح ووسائل النقل والحماية أمام المحاكم الدولية المختصة.
الخميس 14 مايو 2026 9:18 صباحًا -
بتوقيت القدس
في لحظة تتزامن فيها الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، تبدو مشاهد الأعلام الإسرائيلية التي تغزو التلال والشوارع ومفارق الطرق أكثر من مجرد استفزازات عابرة ينفذها المستوطنون، بل هي من بين أكثر المشاهد دلالة على طبيعة المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.
المسألة هنا لا تتعلق بتعبير عابر عن الهوية كما يحاول الخطاب الإسرائيلي تقديمها، بل نحن امام ممارسة استعمارية كلاسيكية تستخدم الرمز البصري كأداة للهيمنة وإعادة تشكيل المجال العام، نفسيا وسياسيا، فالاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الارض بالقوة العسكرية والمستوطنات والقوانين العنصرية والطرق الالتفافية، بل يسعى ايضا الى احتلال العين والوعي والحيز اليومي للفلسطيني.
خلال الاشهر والسنوات الماضية توسعت هذه الظاهرة بصورة غير مسبوقة، خصوصا بعد العدوان على غزة وتصاعد خطاب اليمين الديني والقومي في دولة الاحتلال، فتحولت الأعلام الى ما يشبه نقاط سيادة متنقلة، ترسل رسالة واضحة، مفادها ان الفضاء الفلسطيني ذاته بات خاضعا لاعادة تعريف قسري.
في هذا السياق يصبح مرور الفلسطيني يوميا بمحاذاة عشرات الأعلام تجربة نفسية مقصودة، هدفها ترسيخ الشعور بالهيمنة والاخضاع، وتطبيع حضور المستوطن باعتباره صاحب السيادة الفعلية، حتى داخل الاماكن التي يفترض انها فلسطينية بحسب أوهام اوسلو.
المفارقة ان هذا الافراط في استخدام الرموز يكشف في الوقت ذاته عن ازمة عميقة داخل الجماعات الاستيطانية نفسها، فالواثق من شرعيته التاريخية والسياسية لا تحتاج عادة الى هذا الكم الهائل من الاستعراض الرمزي اليومي، ولهذا يبدو انتشار الأعلام مرتبطا ايضا بحالة القلق الوجودي التي تعيشها دولة الاحتلال بعد سنوات من التصدعات الداخلية والانقسامات السياسية، فضلا عن فشل القوة العسكرية في حسم الصراع، او انتاج استقرار مستدام، ومن هنا يتحول العلم الى اداة تعويض نفسي بقدر ما هو اداة سيطرة سياسية.
الاخطر ان هذه الممارسات لا تنفصل عن مشروع اعمق لاعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، فالأعلام التي تزرع على جوانب الطرق وقمم التلال وفي محيط المستوطنات، تمهد تدريجيا لتحويل السيطرة الرمزية الى وقائع سياسية وأمنية دائمة، وقد اظهرت تجارب استعمارية عديدة من الجزائر الى جنوب افريقيا ان السيطرة على المشهد البصري كانت دائما جزءا من محاولة فرض رواية المستعمر ومحو حضور الشعوب الاصلية، وفي الحالة الفلسطينية يجري التعامل مع أصحاب الارض الاصليين، الفلسطينيين، الذين يسعى المشروع الاستيطاني الى دفعهم تدريجيا خارج المشهد السياسي والبصري وحتى النفسي.
لكن خطورة الظاهرة لا تعني الاستسلام لها، فالمعركة هنا ليست عسكرية فقط، بل معركة سردية ووعي وفضاء عام، ولذلك تبدو الحاجة ملحة الى استراتيجية فلسطينية تعيد انتاج الحضور البصري والرمزي الفلسطيني، سواء في المدن والطرقات والفضاءات العامة، ليس بوصفه ردا عاطفيا مؤقتا، بل باعتباره فعلا سياسيا وثقافيا منظما، يعيد تثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة مشروع استعماري يدرك تماما ان من يسيطر على الصورة يقترب كثيرا من السيطرة على الوعي، لان من ينجح في احتلال العين والشارع والذاكرة، يقترب كثيرا من احتلال الحاضر والمستقبل نفسه.
الخميس 14 مايو 2026 9:17 صباحًا -
بتوقيت القدس
ينعقد مؤتمر حركة فتح الفلسطينية في ظل أوضاع تنظيمية داخلية عنوانها "الانقسام"، ووطنية عنوانها "غياب الأئتلاف الوطني والوحدة"، وجموح من قبل سلطات وأجهزة وسياسات المستعمرة الإسرائيلية في القمع والبطش، والتطهير العرقي والإبادة الجماعية، وتمزيق الأرض والبشر بالاستيطان والحواجز، للحيلولة دون تماسك الأرض، ووحدة الشعب، بهدف إحباط مشروع حل الدولتين.
كما ينعقد المؤتمر في ظل حرب امتدت للاقليم نحو لبنان واليمن وإيران على خلفية مبادرة حركة حماس الكفاحية ضد الاحتلال يوم 7 أكتوبر 2023 وتداعياتها لمدة سنتين، صمدت خلالها غزة افي مواجهة حرب الإبادة والاجتياح، ورضخ العدو لتوقيع قرار وقف إطلاق النار مع حركة حماس برعاية أميركية يوم 10/10/2025، وعلى أثر التضامن الأقوى من قبل القوى السياسية اللبنانية وفي طليعتها حزب الله، والقوى السياسية اليمنية وفي طليعتها حركة أنصار الله، وغيرهم وصولاً إلى الدعم والإسناد الإيراني الذي سبب حرب التدمير والقتل والاغتيالات للشعب وللقيادة والبنى التحتية للقدرات الإيرانية، ولولا الموقف الإيراني المساند لفلسطين لما أقدمت الولايات المتحدة والمستعمرة الإسرائيلية على حربها ضد إيران وهجومها الأول في حزيران 2024، والثاني في شباط 2026 ولايزال.
حققت حركة فتح مبادرات وانجازات كفاحية وسياسية، بدأت بولادة حركة العمل والكفاح المسلح في 1/1/1965، ومشاركتها في معركة الكرامة 21 آذار 1968، التي أعطتها حالة الحضور وقيادة منظمة التحرير، وكافة المعارك التي خاضتها عبر مسيرة النضال الطويلة وأخر إنجاز شجاع حققه الرئيس الراحل ياسر عرفات نقل العنوان والموضوع والنضال الفلسطيني من المنفى إلى الوطن بفعل: 1- نتائج الانتفاضة الأولى 1987، و2- اتفاق أوسلو التدريجي متعدد المراحل 1993، ولكن هذا التفرد والعطاء أفقد حركة فتح وصفها الذي تميزت به: العمود الفقري للنضال، وأول الرصاص وأول الحجارة، فقد باتت شريكة لها من موقع القوة والاقتدار: حركة حماس وشراكتها في أفعال النضال حيث حققت إنجازات عملية ملموسة، وصعود مكانتها الجماهيرية والسياسية، ومن هنا على حركة فتح أن تتواضع وتتعامل معها من موقع الشراكة:
أولاً: قدمت حماس التضحيات والاستشهاد والاغتيال لقياداتها الأولى أسوة بتضحيات وبسالة قيادات حركة فتح الذين رحلوا على طريق النضال والتضحية.
ثانياً: حينما بادرت حركة فتح والرئيس محمود عباس والأجهزة الإدارية والأمنية إجراء انتخابات المجلس التشريعي يوم 25/1/2006، حققت حركة حماس فوزاً بائناً، وحصلت على 74 مقعداً، مقابل حركة فتح على 45 مقعداً، مما أهلها لتشكيل الحكومة بتكليف من الرئيس .
ثالثاً: حينما إرتكبت حركة حماس خطيئة الانقلاب الدموي في حزيران 2007، وتفردها في إدارة قطاع غزة لغاية 7 أكتوبر 2023، لم تتمكن حركة فتح من إستعادة قطاع غزة إلى حضن الشرعية الفلسطينية، لأكثر من ستة عشر عاماً متتالية.
رابعاً: لم تتمكن حركة فتح من إجراء الانتخابات التشريعية وفق المرسوم الرئاسي الصادر يوم 15 كانون الثاني يناير 2021، على أن تجري الانتخابات التشريعية يوم 22 آيار مايو 2021/ والرئاسية يوم 31 تموز يوليو 2021، عاد وأصدر الرئيس قراراً بإلغاء وتأجيل الانتخابات يوم الخميس 29 نيسان ابريل 2021، على خلفية إخفاق حركة فتح في تقديم قائمة إنتخابية واحدة، حيث تشكلت ثلاثة قوائم فتحاوية من بين 36 قائمة انتخابية وهي قائمة العاصفة وشكلتها اللجنة المركزية برئاسة محمود العالول، وقائمة الحرية وشكلها عضو اللجنة المركزية الأسير مروان البرغوثي برئاسة ناصر القدوة عضو اللجنة المركزية، وقائمة المستقبل التي شكلها تيار الإصلاح الديمقراطي برئاسة سمير مشهرواي عضو المجلس الثوري.
خامساً: أقدمت حركة حماس على عملية غير مسبوقة يوم 7 أكتوبر 2023، في مناطق الاحتلال الأولى عام 1948، قتل خلالها أكثر من 1200 إسرائيلي وتم أسر 251 إسرائيلياً، وفشل برنامج المستعمرة من تحقيق الأهداف التي وضعها يؤاف جالنت وهي: 1- إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين بدون عملية تبادل، 2- تصفية حركة حماس وإنهائها، وكانت النتيجة أن المستعمرة رضخت لعملية تبادل وأطلقت سراح 1570 أسيراً فلسطينياً، ووقعت مع حركة حماس على قرار وقف إطلاق النار برعاية أميركية يوم 10/10/2025.
دعا العديد من الأصدقاء والأشقاء إلى اجتماعات مشتركة للفصائل الفلسطينية في الجزائر وموسكو وبكين وقبلهم في مكة والقاهرة، ولكنها لم تثمر عن تحقيق أي نتيجة عملية تُنهي عملية التمزق والانقسام وغياب الوحدة الوطنية، ويعود ذلك إلى دوافع الاستئثار من كليهما، من فتح بما لديها من سلطة في رام الله وقيادة منظمة التحرير، وحماس بما لديها من سلطة في قطاع غزة، وهذا إخفاق يُسجل على قيادة حركة فتح كما يُسجل على قيادة حركة حماس، رغم فاشية الاحتلال وتطرفه وإستهدافه للكل الفلسطيني.
ينعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، وأمامها تحديات عميقة حادة وإخفاقات تراكمية متعددة تتمثل بما يلي: أولاً فشل الوحدة لصفوف حركة فتح، وقرارات الطرد والفصل لقيادات وكوادر تيار الإصلاح الديمقراطي الذي يقوده محمد دحلان وسمير مشهراوي، ثانياً فشل تحقيق الأئتلاف الوطني مع حماس والجهاد الإسلامي والمبادرة الوطنية في إطار منظمة التحرير، ثالثاً فشل مسار المفاوضات مع حكومات المستعمرة وفق إتفاق أوسلو الذي بادرت له حركة فتح منفردة عن باقي الفصائل، وحققت إنجازاً فلسطينياً غير مسبوق، ولكنه لم يكتمل بفعل سياسات اليمين الإسرائيلي المتطرف.
السؤال كيف ستعيد حركة فتح لنفسها روح المبادرة ومعالجة التحديات الثلاثة بعقلية منفتحة على الطريق الطويل الذي بادرت له وشقت طريقها نحوه.
الخميس 14 مايو 2026 9:16 صباحًا -
بتوقيت القدس
أوشك الإسلاميون على الدخول في مئويتهم الثانية منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد الإمام حسن البنا عام 1928، وهم اليوم يقفون أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة؛ لحظةٍ تتجاوز سؤال البقاء إلى سؤال القدرة على التجدد، وتتجاوز فكرة المعارضة التقليدية إلى سؤال الكفاءة في إدارة الدولة والمجتمع. فالحركات التي لا تُراجع خطابها وأدواتها قد تنجح في صناعة الأنصار، لكنها قد تعجز عن صناعة المستقبل، لأن العالم تبدّل، والأجيال الجديدة لم تعد تُقنعها الشعارات وحدها، بل باتت تبحث عن الحرية والعدالة والتنمية وكرامة الإنسان.
لقد دخل الإسلاميون مرحلةً جديدة من تاريخهم السياسي والفكري، وهم يواجهون تحديات عميقة تتعلق بطبيعة الدولة الحديثة، والعلاقة مع المجتمع، ولغة الخطاب، وحدود التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الحكم والإدارة.
ومن أبرز الإشكالات التي واجهت الحركات الإسلامية الانتقال من “ثقافة الجماعة” إلى “ثقافة الدولة”. فقد نجحت هذه الحركات في بناء قواعد شعبية واسعة، ورسّخت حضورها الدعوي والاجتماعي، لكنها حين اقتربت من السلطة اكتشفت أن إدارة الدولة لا تتم بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى خبرة في الاقتصاد والإدارة والعلاقات الدولية، وإلى فهمٍ أعمق لتعقيدات الدولة ومؤسساتها.
وفي هذا السياق تبدو التجربة التركية بقيادة رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية واحدةً من أهم التجارب التي حاولت المواءمة بين الهوية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة. فقد اختارت النخبة التركية ذات الخلفية الإسلامية طريق التدرج السياسي والانفتاح الاقتصادي، والحديث بلغة التنمية والإصلاح بدل الصدام المباشر مع الدولة العميقة والعلمانية الصلبة.
وقد استطاعت تركيا تحقيق قفزات اقتصادية وصناعية مهمة، ووسّعت حضورها الإقليمي والدولي، وقدّمت نموذجًا للإسلاميين يقوم على البراغماتية السياسية واحترام العملية الديمقراطية. لكن التجربة التركية لم تخلُ من إشكالات، خاصة ما يتعلق بالحريات العامة واستقلال القضاء والأزمات الاقتصادية التي ظهرت في السنوات الأخيرة.
أما التجربة الجزائرية فبدت أكثر حذرًا وتعقيدًا، خاصة بعد أحداث التسعينيات وما خلّفته من جراح دامية. ولهذا اختارت قطاعات واسعة من التيار الإسلامي هناك، خاصة في تجربة حركة مجتمع السلم التي ارتبطت بالشيخ محفوظ نحناح ثم شخصيات لاحقة مثل عبد الرزاق مقري، نهج المشاركة بدل المغالبة، والعمل من داخل النظام السياسي بدل الصدام معه.
وقد ساعد هذا الخيار على تجنيب الجزائر مزيدًا من الانقسامات، لكنه جعل بعض الإسلاميين عرضة لانتقادات تتعلق بالتكيف المفرط مع السلطة، وفقدان القدرة على إحداث تغيير ملموس يشعر به الشارع الجزائري.
أما على مستوى لغة الخطاب، فإن التحدي يبدو أكثر حساسية. فالحركات الإسلامية نشأت في بيئات استعمارية وصراعية، وكانت لغة التعبئة والمظلومية جزءًا من تكوينها السياسي. لكن عالم اليوم لم يعد يستجيب كثيرًا لهذه اللغة التقليدية، بل أصبح أكثر اهتمامًا بلغة التنمية والحقوق وبناء الإنسان.
ومن هنا تبرز أهمية التجربة الماليزية، خاصة في عهد مهاتير محمد، التي قدّمت نموذجًا مختلفًا في العلاقة بين الإسلام والتنمية. فقد ركزت ماليزيا على التعليم والصناعة والتكنولوجيا ومحاربة الفساد، وربطت بين القيم الإسلامية ومشروع النهضة الحضارية، بدل البقاء أسيرة الصراعات الأيديولوجية التقليدية.
واللافت أن أنور إبراهيم ما زال يسير، إلى حدٍّ كبير، على النهج ذاته، من حيث التركيز على الإصلاح المؤسسي والانفتاح الاقتصادي، وتقديم خطاب إسلامي أكثر اعتدالًا ومرونة، يجمع بين الهوية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة. وربما كانت خصوصية التجربة الماليزية أنها قدّمت الإسلام باعتباره طاقةً للنهوض الحضاري، لا مجرد أداة للصراع السياسي.
أما في المغرب، فقد حاول حزب العدالة والتنمية بقيادة شخصيات مثل عبد الإله بن كيران أن يقدّم خطابًا إصلاحيًا هادئًا يقوم على العمل من داخل مؤسسات الدولة، والتعامل بمرونة مع طبيعة النظام السياسي المغربي. وقد نجح الحزب لفترة في بناء علاقة جيدة مع الشارع المغربي، مستفيدًا من لغة بسيطة وقريبة من الناس.
لكن التجربة المغربية واجهت بدورها تحديات وانتكاسات، خاصة بعد شعور قطاعات من الرأي العام بأن سقف الإصلاح ظل محدودًا، وأن الحزب أصبح جزءًا من توازنات السلطة أكثر من كونه حاملًا لمشروع تغيير حقيقي.
وفي الحقيقة، لا توجد تجربة إسلامية كاملة أو معصومة من الأخطاء، لكن ما يمكن ملاحظته أن الحركات الإسلامية التي نجحت نسبيًا في الاستمرار كانت تلك التي امتلكت قدرًا أكبر من المرونة السياسية، وقدرة أعلى على تطوير خطابها والانفتاح على قضايا المجتمع والدولة الحديثة.
لقد تغيّر العالم كثيرًا، ولم يعد السؤال المطروح على الإسلاميين: “هل أنتم مع الشريعة أم ضدها؟” بقدر ما أصبح السؤال: كيف ستديرون الاقتصاد؟ وكيف ستحمون الحريات؟ وكيف ستتعاملون مع التنوع الديني والسياسي والثقافي؟
وهنا تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعات فكرية وسياسية عميقة تعيد تعريف العلاقة بين الدعوي والسياسي، وبين التنظيم والدولة، وتؤسس لخطاب أكثر إنسانية واتزانًا وقدرة على بناء الشراكات الوطنية.
فالمئوية الثانية للإسلاميين لن تُقاس بعدد المقاعد البرلمانية، ولا بحجم الحشود الجماهيرية، بل بقدرتهم على إنتاج خطاب جديد أكثر نضجًا وانفتاحًا، وعلى تقديم نموذج في الحكم والإدارة يوازن بين القيم الإسلامية وروح العصر ومتطلبات الدولة الحديثة.
الخميس 14 مايو 2026 9:15 صباحًا -
بتوقيت القدس
د. دلال عريقات: "فتح" كحركة تحرر تاريخياً مطالبة باستعادة دورها وإرثها برؤية عصرية تستجيب للتحولات الدولية وتطلعات الجيل الفلسطيني الجديد
عوني المشني: التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني كبيرة والمؤتمر لا يمتلك إجابات عملية لهذا الواقع ومخرجاته ستكون عبارات فضفاضة وخطابًا تقليديًا
عبد الغني سلامة: بحث الأطر الفلسطينية بما فيها المؤتمر الثامن إنهاء أوسلو بحاجة لبدائل واضحة لأن تداعياته ستمس مستقبل القضية الفلسطينية برمتها
د. رائد الدبعي: المرحلة الحالية تعكس انتقالاً تدريجياً من إدارة السلطة إلى إدارة مشروع تحرر وطني يستوجب استعادة البعد التحرري لحركة "فتح"
ماجد هديب: من المتوقع أن تتجه "فتح" نحو إعادة بناء النظام السياسي وإحياء دور منظمة التحرير باعتبارها الممثل الجامع للشعب الفلسطيني
محمد هواش: المؤتمر تقع على عاتقه بلورة برنامج سياسي للتعامل مع المشروع الإسرائيلي وتوفير أدوات فاعلة لتجديد الأطر القيادية بالانتخابات الشاملة
رام الله – خاص بـ"القدس"–
ينعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح اليوم، في واحدة من أكثر المراحل السياسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني تعقيدًا وحساسية، وسط تحديات متراكمة تفرض نفسها على أجندته، تبدأ من تصاعد التوجهات الإسرائيلية الهادفة إلى تقويض السلطة الفلسطينية ومحاولات إنهاء اتفاق أوسلو وتوسيع الاستيطان، ولا تنتهي عند الأزمات الداخلية الفلسطينية، ما يضع الحركة أمام استحقاق سياسي وتنظيمي يتجاوز حدود إعادة ترتيب البيت الداخلي إلى البحث عن إجابات عملية لمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.
ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث مع "القدس"، أن أمام المؤتمر جملة من التحديات الجوهرية، في مقدمتها صياغة رؤية سياسية قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وإعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل في ظل تصاعد سياسات الضم وإنهاء حل الدولتين، إلى جانب البحث في مستقبل اتفاق أوسلو وإمكانات التعامل مع محاولات اليمين الإسرائيلي التنصل منه أو إلغائه، في ظل عدم امتلاك بدائل واضحة قد تضمن استقرار النظام السياسي الفلسطيني وتحافظ على المؤسسات الوطنية من الانهيار.
كما يواجه المؤتمر بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، تحديًا داخليًا لا يقل تعقيدًا، يتمثل في قدرته على الانتقال من الطابع الانتخابي والتنظيمي إلى إنتاج مخرجات سياسية واستراتيجية حقيقية، تعالج أزمات الانقسام، وتعيد بناء الثقة الشعبية، وتبلور برنامجًا وطنيًا موحدًا يعزز الصمود الفلسطيني، ويوازن بين الحفاظ على مؤسسات السلطة الفلسطينية واستعادة البعد التحرري للحركة، في ظل تصاعد الضغوط الإسرائيلية وتراجع فرص التسوية السياسية التقليدية.
تحديات إلغاء أوسلو
تعتبر أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د.دلال عريقات أن تحركات الكنيست الإسرائيلي باتجاه الدفع لإلغاء اتفاق أوسلو لا تمثل مجرد خطوة قانونية أو سياسية داخلية، بل تعكس محاولة استصدار إعلان عملي عن نهاية مرحلة انتقالية استُخدمت لعقود لإدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بدل حله، الأمر الذي يضع حركة فتح أمام "لحظة مراجعة تاريخية" لمستقبل دورها الوطني.
وتوضح أن تزامن ذلك مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة "فتح" لا يقتصر على إعادة ترتيب البنية التنظيمية للحركة، بل يفترض أن ينتج رؤية وطنية جديدة تتجاوز منطق إدارة السلطة، نحو إعادة تعريف وظيفة النظام السياسي الفلسطيني في ظل واقع يتسم بتصاعد الاستيطان، وسياسات الضم، والتوترات الميدانية، ومحاولات تقويض حل الدولتين.
وتؤكد عريقات أن المخرجات المتوقعة للمؤتمر يجب أن تشمل إعادة صياغة العلاقة مع إسرائيل باعتبارها قوة احتلال وليست شريكاً في عملية سلام، إلى جانب تجديد الشرعية الوطنية عبر مسارات ديمقراطية تعزز ثقة الشارع الفلسطيني، وتطوير أدوات المقاومة بما يشمل المسارات السياسية والدبلوماسية والقانونية والاقتصادية، إضافة إلى تعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام باعتباره ثغرة استراتيجية تمس المشروع الوطني.
أهمية تمكين الشباب والنساء
وتشدد عريقات على أهمية تمكين الشباب والنساء داخل الحركة ومؤسسات صنع القرار، إلى جانب إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الجامع والمرجعية الأساسية للمشروع الوطني الفلسطيني.
المؤتمر أمام مرحلة مفصلية
وترى عريقات أن المؤتمر ينعقد في مرحلة مفصلية تتسم بتحولات إقليمية ودولية عميقة، مع وجود حكومة إسرائيلية تتبنى سياسات الضم والتهجير بشكل معلن، ما يفرض على الفلسطينيين الانتقال من حالة إدارة الأزمة إلى بناء مشروع تحرر وطني متكامل وطويل الأمد.
وتؤكد عريقات أن التحدي الجوهري لا يكمن فقط في توصيف المخاطر، بل في امتلاك الإرادة السياسية اللازمة للانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، عبر صياغة استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين الصمود السياسي والاقتصادي والمجتمعي، واستعادة ثقة الشارع عبر الإصلاح والشفافية والمشاركة، وتفعيل الدبلوماسية الفلسطينية والرواية الوطنية في الفضاء الدولي.
ضرورة توحيد الجغرافيا السياسية الفلسطينية
وتشدد عريقات على ضرورة توحيد الجغرافيا السياسية الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ضمن رؤية وطنية واحدة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة مشروع تحرر وطني شامل، مؤكدة أن حركة فتح، بوصفها تاريخياً حركة تحرر قادت المشروع الوطني، مطالبة اليوم باستعادة هذا الدور والإرث برؤية عصرية تستجيب للتحولات الدولية وتطلعات الجيل الفلسطيني الجديد.
مفهومان متناقضان يطرحهما المؤتمر
يرى الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن المؤتمر الثامن لحركة "فتح" يطرح مفهومين متناقضين؛ الأول فرصة حقيقية للمراجعة السياسية والتنظيمية واستخلاص الدروس من المرحلة السابقة بهدف صياغة استراتيجيات جديدة، والثاني لا يتجاوز كونه عملية "إعادة تدوير للنخب التنظيمية" دون أثر جوهري على مسار الحركة أو النظام السياسي الفلسطيني.
ويوضح المشني أن طريقة التحضير للمؤتمر، إلى جانب توجهات غالبية المشاركين، تشير إلى أنه يميل ليكون مؤتمرًا انتخابيًا بالدرجة الأولى، في حين يتم التعامل مع البعد السياسي باعتباره نقاشًا بروتوكوليًا أو "حوارًا شكليًا"، ما يحدّ من إمكانية إنتاج مخرجات استراتيجية حقيقية.
إمكانية تكرار سيناريوهات النتائج
ويرى المشني أن النتائج المتوقعة للمؤتمر لا تتجاوز، في أفضل الأحوال، بيانًا عامًا يتضمن عبارات تقليدية وكليشيهات سياسية مكررة، لن يكون لها تأثير ملموس على مجريات العمل السياسي بعد انتهاء المؤتمر، مشيرًا إلى أن هذا النمط سبق تكراره في مؤتمرات سابقة دون تغيير فعلي في آليات صنع القرار.
ويلفت المشني إلى أن السياسات الفلسطينية تُرسم فعليًا من قبل مجموعة محدودة لا تنتظر مخرجات المؤتمرات الداخلية لتعديل مسارها، ما يجعل تأثير المؤتمر على القرار السياسي ضعيفًا أو شبه معدوم.
ويعتبر المشني أن انعقاد المؤتمر في ظل صراع إقليمي ودولي متسارع، يشهد تحولات جيوسياسية عميقة في المنطقة والعالم، لا يبدو خطوة محسوبة، متسائلًا عن قدرة المؤتمر على صياغة سياسات أو تحديد مسار استراتيجي دون انتظار نتائج هذا الصراع المفتوح.
ويرى المشني أن هذا التوقيت يعكس، في جوهره، أن المؤتمر ليس سياسيًا بقدر ما هو "بازار انتخابي"، في ظل غياب رؤية استراتيجية قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية.
مخرجات قد لا تقدم إجابات حقيقية وعملية
ويشير المشني إلى أن التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني كبيرة لا تقتصر على قرارات الضم أو إنهاء اتفاق أوسلو، بل تشمل أيضًا أزمة اقتصادية متفاقمة، وحرب تهجير وإبادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب توسع الاستيطان، ومخرجات المؤتمر من غير المتوقع أن تقدم إجابات حقيقية وعملية على هذه التحديات وهذا الواقع.
ويعتقد المشني أن ما سيصدر عن المؤتمر لن يتعدى عبارات فضفاضة وخطابًا تقليديًا سرعان ما يتلاشى أثره بعد ساعات من انتهاء أعماله، معتبرًا أن المرحلة الحالية لا تشير إلى حل للأزمة بقدر ما تعكس تعميقًا لها.
إلغاء أوسلو.. ضمن مشروع أوسع لليمين الإسرائيلي
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عبد الغني سلامة أن التوجهات المتصاعدة داخل اليمين الإسرائيلي نحو التنصل من اتفاقية أوسلو، وصولاً إلى محاولة إلغائها رسمياً، تأتي في سياق مشروع أوسع يتبناه اليمين الحاكم يقوم على ما يصفه بـ"تصحيح الأخطاء التاريخية لإسرائيل"، معتبراً أن هذا التوجه لا يقتصر على أوسلو وحدها، بل يشمل مجمل الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني.
اليمين الإسرائيلي ومحاولة التخلص من "الأخطاء"
ويوضح سلامة أن اليمين الإسرائيلي ينظر إلى عدد من المحطات التاريخية باعتبارها "أخطاء" ينبغي تصويبها، وفي مقدمتها عدم تهجير الفلسطينيين الذين بقوا داخل أراضي عام 1948، والذين باتوا يشكلون، وفق الرؤية الإسرائيلية اليمينية، تحدياً ديموغرافياً متزايداً.
ويشير سلامة إلى أن اليمين الإسرائيلي يعتبر بقاء الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد عام 1967 خطأً آخر، إلى جانب استمرار عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وما يرتبط بها من ملف حق العودة، في ظل محاولات إسرائيلية–أميركية متواصلة لتقليص دور الوكالة أو إنهائه.
ويلفت سلامة إلى أن اتفاق أوسلو يحتل موقعاً مركزياً في هذا السياق، إذ يُنظر إليه داخل أوساط اليمين الإسرائيلي باعتباره "خطيئة تاريخية" ارتكبها إسحاق رابين والتيار اليساري في إسرائيل، ما يدفع الحكومة الحالية إلى محاولة التراجع عنه أو تفريغه من مضمونه.
إلغاء أوسلو ليس خطوة سهلة
ورغم ذلك، يشدد سلامة على أن إلغاء أوسلو ليس خطوة سهلة أو قراراً يمكن أن يُحسم بتصويت داخل الكنيست فقط، نظراً لارتباط الاتفاق باعتبارات تتجاوز الداخل الإسرائيلي، تشمل الاستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى، والتوازنات الجيوسياسية الإقليمية، فضلاً عن الرعاية الأميركية والضمانات الدولية والأوروبية التي رافقت توقيعه، ما يجعل أي تغيير جذري فيه رهناً بموافقات وتفاهمات أوسع.
قرارات فلسطينية حول أوسلو لم تنفذ بالفعل
وفي ما يتعلق بالموقف الفلسطيني، يشير سلامة إلى أن مؤسسات فلسطينية رسمية، وفي مقدمتها المجلس المركزي الفلسطيني، اتخذت خلال السنوات الماضية قرارات تتعلق بإعادة النظر في الالتزامات الناجمة عن أوسلو، من بينها وقف التنسيق الأمني، إلا أن معظم هذه القرارات لم تُنفذ فعلياً، لافتاً إلى أن المؤتمر الثامن وقراراته في هذا السياق مهمة أيضاً.
ويرى سلامة أن السلطة الفلسطينية تواجه أزمة سياسية واقتصادية عميقة تحدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية من هذا النوع، موضحاً أن بحث الأطر الفلسطينية بما فيها المؤتمر الثامن، قضية إنهاء أوسلو يتطلب وجود بدائل واضحة، لأن تداعياته ستمس مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
ويتوقع سلامة استمرار الوضع القائم خلال المرحلة المقبلة، بحيث يبقى اتفاق أوسلو قائماً شكلياً دون تنفيذ استحقاقاته الأساسية من أي طرف، في ظل غياب حالة سلم أو حرب شاملة، وتعثر المفاوضات، إلى حين حدوث تغييرات أوسع في موازين القوى الإقليمية والدولية، تشمل ملفات كالحرب الروسية–الأوكرانية والتوتر الأميركي–الإيراني وإعادة ترتيب الشرق الأوسط.
ويؤكد سلامة أن الحفاظ على السلطة الفلسطينية يمثل أولوية وطنية في المرحلة الحالية، باعتبارها تجسيداً للهوية السياسية والكيانية الفلسطينية، إلى جانب دورها الأمني والاجتماعي والاقتصادي في دعم صمود الفلسطينيين على أرضهم.
المؤتمر أمام الإجابة عن أسئلة مركزية
يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د.رائد الدبعي أن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة "فتح" يأتي في واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية منذ توقيع اتفاق أوسلو، في ظل مؤشرات متزايدة على تآكل هذا الاتفاق على الأرض وما يجري الحديث عنه بشأن التصويت في الكنيست على إلغاء الاتفاق، رغم كونه جاء برعاية دولية وأميركية، يعكس تصاعد خطاب اليمين الديني المتطرف داخل الكنيست واتجاهه نحو نفي الوجود الفلسطيني واعتبار كامل الأرض "أرض إسرائيل".
ويوضح الدبعي أن هذا الواقع يفرض على المؤتمر الإجابة عن أسئلة مركزية تتعلق بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، وأشكال المقاومة، والوحدة الوطنية، وتعزيز الصمود، إضافة إلى إعادة تعريف العلاقة بين حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وهوية الحركة، ونظامها الداخلي، وبرنامجها السياسي للمرحلة المقبلة، فضلاً عن مستقبل العلاقة مع إسرائيل على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، في ظل استمرار الاستيطان والضم والاقتحامات ومحاولات إضعاف السلطة الفلسطينية.
أهمية استعادة البعد التحرري لـ"فتح"
ويشير الدبعي إلى أن المرحلة الحالية تعكس انتقالاً تدريجياً من إدارة السلطة إلى إدارة مشروع تحرر وطني، يستوجب استعادة البعد التحرري لحركة فتح، في ظل التحولات الإسرائيلية التي تتجه نحو إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية، مقابل مساعٍ فلسطينية لترتيب البيت الداخلي وتعزيز النظام السياسي.
ويرى الدبعي أن ما يجري داخل المؤتمر يميل إلى تغليب البعد الانتخابي والتنظيمي على حساب البعد البرامجي، ما يجعل من الصعب توقع حدوث اختراق جذري في البرنامج السياسي للحركة، مرجعاً ذلك إلى بنية المؤتمر التي يغلب عليها الطابع الوظيفي بشقيه الأمني والمدني، إلى جانب كثافة المرشحين لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، فضلاً عن قناعة القيادة بأن الظرف الحالي غير ملائم لتغييرات استراتيجية كبرى في ظل التحديات الإقليمية والدولية وضغوط الإصلاح الخارجية.
ضرورة تبني فتح سياسات جديدة
ويعتبر الدبعي أن الاهتمام الدولي والإقليمي بمخرجات المؤتمر سيتحدد من خلال مدى قدرة الحركة على تبني سياسات جديدة ترتقي لمتطلبات المرحلة، دون تغيير جوهري في الاستراتيجيات العامة، وإنما في أدوات العمل والبرامج وآليات التنفيذ.
ويؤكد الدبعي أن مواجهة مخرجات المؤتمر للتحديات يرتبط مباشرة بحجم ودور حركة فتح داخل النظام السياسي الفلسطيني وتاريخها وحضورها الواسع في المجتمع، موضحاً أن المؤتمر لا يناقش قضايا تنظيمية فقط، بل يواجه سؤالاً مصيرياً يتعلق بمستقبل المشروع الوطني في ظل محاولات إسرائيل طمس فكرة الدولة الفلسطينية، والتوسع الاستيطاني، والتحولات الإقليمية والدولية، وتراجع ثقة الأجيال الشابة بالأطر السياسية التقليدية.
ويؤكد الدبعي أن نجاح المؤتمر لن يُقاس فقط بنتائج الانتخابات الداخلية، بل بقدرته على تقديم إجابات عملية للسؤال المركزي: كيف يمكن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني في مرحلة تستهدف فيها سياسات الاحتلال تفكيك أسسه السياسية والجغرافية.
لحظة حاسمة وحساسة
يوضح الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح يأتي في لحظة حاسمة وحساسة في تاريخ القضية الفلسطينية، في ظل عاملين يفرضان نفسيهما بقوة على المشهد الفلسطيني؛ الأول يتمثل في التوجهات الإسرائيلية المتصاعدة نحو إنهاء الإطار السياسي لاتفاقية أوسلو، والثاني يتمثل في الحرب على قطاع غزة وما رافقها من متغيرات سياسية وميدانية، في ظل محاولات فصل القطاع عن الولاية القانونية والسياسية للسلطة الفلسطينية.
فتح.. العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني
ويشير هديب إلى أن مخرجات المؤتمر المرتقبة يمكن قراءتها ضمن أربعة محاور رئيسية تشمل الأبعاد السياسية والتنظيمية والوطنية والمؤسساتية، مشيراً إلى أن حركة فتح لم تعد تُقرأ بوصفها تنظيماً سياسياً فحسب، بل باعتبارها العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني، وصاحبة الدور المركزي في المشروع الوطني الفلسطيني، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بمستقبل السلطة والقضية الفلسطينية.
أهمية إعادة فتح تعريف خطابها السياسي
ويتوقع هديب أن تتجه حركة فتح نحو إعادة تعريف خطابها السياسي، عبر تبني لغة أكثر تشدداً تجاه الاحتلال الإسرائيلي، والانتقال من مفهوم التسوية القائمة على الحوار السياسي التقليدي إلى مسار يقوم على الدمج بين المواجهة السياسية والقانونية والدبلوماسية، من خلال تعزيز الحضور الفلسطيني في مؤسسات الأمم المتحدة، لا سيما المحاكم الدولية، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية.
إعادة تشكيل موازين القوى داخل الحركة
ويرجح هديب أن يشهد المؤتمر إعادة تشكيل موازين القوى داخل الحركة من خلال انتخاب قيادة جديدة للجنة المركزية والمجلس الثوري، بما يعكس صعود جيل تنظيمي جديد يسعى إلى صياغة تحالفات داخلية وإعادة رسم معالم مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، الأمر الذي قد يحد من تأثير القيادات التقليدية أو التاريخية في رسم سياسات المرحلة المقبلة.
مخرجات المؤتمر المحور الأكثر أهمية
ويعتبر هديب أن مخرجات المؤتمر تمثل المحور الأكثر أهمية، متوقعاً أن تتجه الحركة نحو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وإحياء دور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الجامع للفلسطينيين، إلى جانب الفصل الوظيفي بين مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وحركة فتح، مع تعزيز المقاومة الشعبية وتوسيع أدوات المواجهة السياسية والقانونية مع إسرائيل.
أهمية الحفاظ على مؤسسات السلطة
ويشير هديب إلى أهمية البعد المؤسساتي، معتبراً أن الحفاظ على مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنع انهيارها يشكل أولوية، بالتوازي مع إطلاق إصلاحات داخلية لمعالجة تراجع الثقة الشعبية بالحركة ومواجهة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تقويض السلطة وإضعاف فرص إقامة الدولة الفلسطينية.
ويوضح هديب أن داخل حركة فتح برز خلال الفترة الأخيرة تياران أساسيان؛ الأول يركز على الحفاظ على السلطة الفلسطينية باعتبارها مدخلاً للدولة عبر استمرار المسار التفاوضي، والثاني يدفع باتجاه إعادة الاعتبار لمنطق التحرر الوطني عبر المقاومة الشعبية وتكثيف التحرك في المحافل الدولية لمحاصرة إسرائيل سياسياً وقانونياً.
ورغم ذلك، يرجّح هديب استمرار هيمنة ما وصفه بـ"تيار السلطة" داخل الحركة، ما يجعل احتمالات إطلاق استراتيجيات جديدة تتجاوز أوسلو محدودة، حتى في حال أقدم الكنيست الإسرائيلي على إلغاء الاتفاق.
ويتوقع هديب أن تتجه حركة فتح نحو إعادة تعريف نفسها كحركة تحرر وطني، من خلال تبني خطاب سياسي أكثر تشدداً، مع التلويح بالتحلل من بعض الالتزامات الأمنية، وتحميل إسرائيل مسؤولية انهيار أوسلو، إلى جانب تعزيز الحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية، وإحياء المقاومة الشعبية، مع الإصرار في الوقت نفسه على الحفاظ على السلطة ومنع انهيار مؤسساتها.
ليس بالضرورة الربط بين انعقاد المؤتمر والغاء أوسلو
يشدد الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش على أن محاولات أطراف اليمين الحاكم في إسرائيل الدفع باتجاه إلغاء اتفاقية أوسلو أو التنصل من التزاماتها لا ترتبط بشكل مباشر بانعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، معتبراً أن الربط بين الحدثين يفتقر إلى الدقة السياسية، لأن الدعوات الإسرائيلية لإنهاء الاتفاق ليست جديدة، بل تعود إلى سنوات، وتصاعدت بصورة أوضح خلال الأشهر الأخيرة من قبل وزراء في الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
ويوضح هواش أن توجهات اليمين الإسرائيلي نحو تقويض أوسلو تنسجم مع سياسة إسرائيلية متواصلة تقوم على تجاوز الاتفاق عملياً على الأرض، عبر إضعاف السلطة الفلسطينية ومنعها من الوفاء بالتزاماتها السياسية والاقتصادية تجاه المجتمع الفلسطيني، إلى جانب الاستمرار في التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، والسيطرة على الموارد، والتضييق الاقتصادي، بما يشمل أموال المقاصة وحرمان العمال الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل.
دفع الفلسطينيين للتخلي عن طموحاتهم الوطنية
ويعتبر هواش أن هذه السياسات تعكس رؤية إسرائيلية تسعى إلى دفع الفلسطينيين للتخلي عن طموحاتهم الوطنية المتعلقة بحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية، مقابل الإبقاء عليهم كسكان يملكون بعض الحقوق الفردية دون الاعتراف بحقوقهم القومية، بالتوازي مع محاولة السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وتقليص المسؤوليات الإسرائيلية تجاه السكان.
ويشدد هواش على أن تزامن الدعوات الإسرائيلية لإلغاء أوسلو مع انعقاد مؤتمر فتح الثامن لا يعني وجود علاقة سببية بينهما، معتبراً أن القضية تتجاوز حركة فتح لتشمل مجمل المؤسسات الفلسطينية الرسمية والأهلية والأطر والهياكل السياسية، في ظل ما وصفه بمحاولة إسرائيل، بدعم أميركي، تعطيل أي مساءلة دولية بشأن انتهاكاتها بحق الفلسطينيين، سواء في الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية.
انقلاب إسرائيل على اتفاق أوسلو
ويرفض هواش تحميل اتفاقية أوسلو مسؤولية التدهور الحالي في أوضاع الفلسطينيين، مؤكداً أن الاتفاق –رغم الملاحظات عليه– وضع حدوداً قانونية وإدارية للاحتلال، وكان إطاراً انتقالياً لإنهاء الاحتلال خلال خمس سنوات، إلا أن إسرائيل انقلبت على الاتفاق وعلى فكرة التسوية السياسية بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
ويشير هواش إلى أن المجتمع الدولي، رغم تمسكه الرسمي بحل الدولتين، يواجه تحدياً يتمثل في الدعم الأميركي الواسع للحكومة الإسرائيلية اليمينية، رغم وجود تحولات داخل المجتمع الأميركي تنتقد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، إلى جانب تحركات أوروبية باتجاه فرض عقوبات على مستوطنين متورطين باعتداءات ضد الفلسطينيين.
المسؤولية لا تقع على فتح لوحدها
ويرى هواش أن المؤتمر الثامن لحركة فتح تقع على عاتقه بلورة برنامج سياسي واضح للتعامل مع المشروع الإسرائيلي القائم على التوسع الاستيطاني وتقويض الحقوق الفلسطينية، وتوفير أدوات فاعلة لتحقيق هذا البرنامج، من خلال تجديد الأطر القيادية لفتح والمنظمة والسلطة بالانتخابات الشاملة.
لكن هواش يؤكد أن المسؤولية لا تقع على فتح وحدها، بل على مجمل الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير، عبر تطوير أدوات الصمود والنضال السياسي، وتعزيز الشراكات العربية والدولية، والحفاظ على إمكانية تطبيق حل الدولتين.
ويشدد هواش على أن الشعب الفلسطيني يواجه مشروعاً يستهدف وجوده وحقوقه الوطنية، ما يفرض على القوى الفلسطينية توحيد جهودها وبناء رؤية سياسية أكثر قدرة على مواجهة السياسات الإسرائيلية، مع تطوير أدوات العمل السياسي والدبلوماسي لحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية ومنع تصفيتها.
الخميس 14 مايو 2026 9:14 صباحًا -
بتوقيت القدس
في مرحلة تُعد الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية، يصبح نجاح المؤتمر مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات التنظيمية نحو حماية المشروع الوطني وإعادة بناء الثقة الفلسطينية الداخلية والخارجية.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
في لحظة فلسطينية تُعد من أكثر المراحل تعقيدًا وخطورة في تاريخ قضيتنا الوطنية، يأتي انعقاد المؤتمر لحركة فتح ليس كاستحقاق تنظيمي داخلي فقط، بل كحاجة وطنية ملحّة تفرضها التحولات السياسية العاصفة التي تمر بها فلسطين والمنطقة بأسرها.
شعبنا الفلسطيني يعيش اليوم واحدة من أصعب مراحله؛ حرب مدمرة على غزة، واقع اقتصادي خانق في الضفة الغربية، انسداد سياسي غير مسبوق، واستهداف مباشر للهوية الوطنية الفلسطينية.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبقى حركة فتح، بتاريخها الطويل وتضحيات أبنائها وشهدائها، الحارس الأساسي للمشروع الوطني الفلسطيني، والحركة التي قادت مسيرة النضال الوطني لعقود طويلة منذ انطلاقتها بقيادة الشهيد الرمز ياسر عرفات ورفاقه، وصولًا إلى المرحلة الحالية بقيادة الرئيس محمود عباس ورفاقه، الذين حملوا مسؤولية الحفاظ على القرار الوطني الفلسطيني في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح ومسؤولية، إن نجاح المؤتمر القادم لا يجب أن يُقاس فقط بعدد المقاعد في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، بل بمدى قدرته على الإجابة عن الأسئلة الوطنية الكبرى:
كيف نحمي المشروع الوطني الفلسطيني من محاولات التصفية؟
كيف نستعيد وحدة النظام السياسي الفلسطيني؟
كيف نعيد دمج كل من هم جزء أصيل من المشروع الوطني الفلسطيني؟
كيف نستعد لمرحلة إعادة إعمار غزة؟
كيف نبني اقتصادًا وطنيًا قادرًا على الصمود؟
كيف نحافظ على الأمن المجتمعي والسياسي؟
وكيف نعيد ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسساته الوطنية؟
إن المرحلة الحالية لا تحتمل الإقصاء أو الحسابات الضيقة، بل تتطلب انفتاحًا واسعًا على الكفاءات الوطنية.
العهد هو العهد… والقسم هو القسم.
وفقكم الله جميعًا لما فيه خير فتح وخير فلسطين، وأن ينجح هذا المؤتمر في اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب.
فنجاح المؤتمر ليس نجاحًا تنظيميًا فحسب… بل قد يكون بوابة حقيقية نحو إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وحماية المشروع الوطني، والوصول بشعبنا إلى بر الأمان…
بر الأمان الذي اسمه: دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس.
الخميس 14 مايو 2026 9:13 صباحًا -
بتوقيت القدس
استفاقت العاصمة الأوكرانية كييف فجر اليوم الخميس على وقع هجوم جوي مكثف شنته القوات الروسية، استخدمت فيه مزيجاً من الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ البالستية. وأفادت مصادر ميدانية بسماع دوي انفجارات عنيفة هزت أرجاء المدينة، ناتجة عن تصدي منظومات الدفاع الجوي للأهداف المعادية التي حاولت اختراق سماء العاصمة من محاور عدة.
ووجه فيتالي كليتشكو، رئيس بلدية كييف، نداءات عاجلة للسكان عبر منصات التواصل الاجتماعي، حثهم فيها على الالتزام بالبقاء داخل الملاجئ وعدم الخروج حتى انتهاء الإنذار الجوي. وأكد كليتشكو أن الهجوم الروسي اتسم بالعنف والتركيز على استهداف البنية التحتية والمناطق الحيوية داخل العاصمة، مما تسبب في حالة من الذعر بين المدنيين.
من جانبه، كشف تيمور تكاتشينكو، رئيس الإدارة العسكرية في كييف، عن سقوط حطام عدد من المسيرات التي تم اعتراضها فوق مناطق سكنية متفرقة، ما أدى إلى وقوع أضرار مادية جسيمة. وأظهرت توثيقات ميدانية اندلاع حرائق في مجمعات سكنية نتيجة تساقط الشظايا، فيما هرعت فرق الإطفاء والإنقاذ للتعامل مع النيران وإجلاء العالقين من المباني المتضررة.
العدو يهاجم كييف بطائرات مسيّرة وصواريخ بالستية، وعلى الجميع التوجه فوراً نحو الملاجئ للاحتماء من الضربات.
ولم يقتصر التصعيد الروسي على العاصمة فحسب، بل امتد ليشمل جبهات واسعة في شمال ووسط البلاد، حيث أكدت القوات الجوية الأوكرانية تعرض مناطق خاركيف وسومي وتشيرنيهيف لضربات صاروخية مركزة. كما طالت الهجمات منطقة بولتافا، في إطار ما يبدو أنه موجة منسقة تهدف إلى تشتيت قدرات الدفاع الجوي الأوكراني وإيقاع أكبر قدر من الخسائر.
وفي حصيلة أولية للخسائر البشرية، أفادت مصادر طبية وسلطات محلية بمقتل شخص واحد على الأقل وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة الخطورة جراء القصف المباشر أو سقوط الحطام. وتعمل الطواقم الإسعافية على حصر أعداد الضحايا في ظل استمرار عمليات رفع الأنقاض والبحث عن ناجين في المواقع التي تعرضت لإصابات مباشرة.
يأتي هذا التصعيد العسكري الخطير عقب انقضاء هدنة استمرت لثلاثة أيام أعلنتها موسكو بمناسبة ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية، لتعود وتيرة العمليات القتالية إلى ذروتها. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد حذر في وقت سابق من تكثيف الهجمات الجوية، مشيراً إلى أن روسيا أطلقت مئات المسيرات خلال الأيام القليلة الماضية لاستنزاف الدفاعات الأوكرانية.