اسرائيليات

السّبت 16 مايو 2026 12:08 مساءً - بتوقيت القدس

صراع الأجنحة في جيش الاحتلال: سباق محموم على منصب نائب رئيس الأركان

تتصاعد حدة المواجهات الداخلية في جيش الاحتلال الإسرائيلي بالتزامن مع التحديات العسكرية الخارجية، حيث يبرز صراع محموم حول هوية النائب الثاني لرئيس الأركان. وتأتي هذه الأزمة في وقت حساس مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، مما يثير مخاوف من تراجع قدرة وزير الأمن يسرائيل كاتس على فرض رؤيته في اختيار القيادات العليا.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن اللواء آيال زامير، الذي تسلم مهامه رئيساً للأركان في مارس 2025، لا ينوي تمديد ولايته لعام رابع، مفضلاً الاكتفاء بثلاث سنوات فقط. هذا التوجه يضع ضغوطاً زمنية على هيئة الأركان لاختيار بدلاء للمناصب الحساسة قبل دخول البلاد في دوامة الدعاية الانتخابية التي قد تعطل التعيينات.

ويعتبر منصب نائب رئيس الأركان في النصف الثاني من ولاية القائد العام هو المفتاح الحقيقي للوصول إلى قمة الهرم العسكري مستقبلاً. وبحسب الأعراف المتبعة، فإن الضابط الذي يشغل هذا المنصب في هذه الفترة الزمنية المحددة يكون المرشح الطبيعي والأوفر حظاً لخلافة رئيس الأركان عند انتهاء ولايته.

في هذا السياق، يبرز اسم اللواء أوري غوردين كأحد أقوى المرشحين لشغل المنصب، خاصة بعد إنهائه مهامه في القيادة الشمالية وحصوله على إجازة قصيرة بانتظار الترقية. وتفيد مصادر بأن غوردين بدأ بالفعل تحركات غير رسمية داخل أروقة هيئة الأركان، حيث شوهد يتردد بكثرة على مكتب رئيس الأركان لمناقشة ملفات عملياتية حاسمة.

ويمتلك غوردين سجلاً عسكرياً حافلاً، شمل قيادة دورية هيئة الأركان العامة ولواء 'ناحال' والقيادة الشمالية، مما يعزز من فرصه في المنافسة. ويرى مراقبون أن صعود غوردين قد يضعه في مواجهة مباشرة مع اللواء أمير برعام، المدير العام الحالي لوزارة الأمن، والذي يُصنف رسمياً كمرشح بارز لقيادة الجيش مستقبلاً.

على جبهة أخرى، يظهر اللواء يانيف عاسور كخيار بديل وقوي لمنصب النائب، مستفيداً من الثناء الذي يتلقاه من وزير الأمن يسرائيل كاتس. عاسور الذي يقود المنطقة الجنوبية حالياً، يمتلك خبرة ميدانية واسعة اكتسبها من قيادة لواء غولاني ووحدة 'إيغوز'، بالإضافة إلى شغله منصب رئيس لواء العمليات سابقاً.

وتواجه القيادة السياسية معضلة قانونية وزمنية، حيث إن إعلان موعد الانتخابات قد يغل يد الوزير كاتس عن اتخاذ قرارات بتعيينات كبرى. وفي حال تعثر التوافق على نائب جديد، فمن المرجح أن يستمر النائب الحالي تامر يديعي في منصبه حتى نهاية ولاية زامير، وهو سيناريو تدعمه حالة التقارب الملحوظة بين يديعي ووزير الأمن.

وتتوقع مصادر عسكرية أن تشهد الأسابيع القليلة المقبلة حسماً لعدد من المناصب القيادية الأخرى التي ترتبط بشكل وثيق بهيكلية هيئة الأركان. ويشمل ذلك مناصب حساسة مثل السكرتير العسكري لوزير الأمن، والملحق العسكري في واشنطن، وقائد القيادة المركزية، وهي تعيينات تتطلب تنسيقاً عالياً بين المستويين العسكري والسياسي.

كما برز اسم اللواء غسان عليان كمرشح محتمل لتولي منصب رفيع في الجولة القادمة، خاصة بعد الدور الذي لعبه في إدارة العمليات المرتبطة بالساحة السورية. ويعكس ترشيح عليان رغبة القيادة العسكرية في الاستفادة من الخبرات المتراكمة للضباط الذين أداروا جبهات مشتعلة خلال الفترة الماضية.

وفي المقابل، يبدو وضع اللواء شلومي بيندر مستقراً في الوقت الراهن، حيث يحظى بدعم ثلاثي من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن ورئيس الأركان. ويُعد بيندر حالياً من أكثر الجنرالات نفوذاً داخل المؤسسة العسكرية، مما يجعله بعيداً عن مقصلة التغييرات الوشيكة التي قد تطال أسماء أخرى.

وتشير التقارير إلى أن حالة عدم اليقين بشأن التعيينات قد تدفع ببعض كبار الضباط والعمداء إلى تقديم استقالاتهم أو طلب التقاعد المبكر. ويشعر عدد من القادة بالإحباط نتيجة ما يصفونه بـ'الانسداد الوظيفي' أو تداخل الحسابات السياسية في الترقيات العسكرية المهنية، وهو ما قد يؤثر على تماسك هيئة الأركان.

إلى جانب ذلك، يراقب قادة مثل إيتسيك كوهين، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، وعومار تيشلر، قائد القوات الجوية، هذه التحولات بحذر شديد. فالتغيير في منصب نائب رئيس الأركان سيؤدي بالضرورة إلى سلسلة من التغييرات المتلاحقة في قيادات الأجنحة والوحدات الحيوية داخل الجيش.

ختاماً، تبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف مدى قدرة يسرائيل كاتس على حسم هذه المعركة الداخلية لصالحه وصالح رؤيته للجيش. فبين طموحات الجنرالات وحسابات السياسيين، يجد جيش الاحتلال نفسه أمام مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل هرم القيادة لسنوات طويلة قادمة.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 12:08 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي واسع جنوب لبنان: غارات مكثفة وأوامر إخلاء تثير موجة نزوح جديدة

شهدت مناطق واسعة في جنوب لبنان، اليوم السبت، موجة جديدة من التصعيد العسكري الإسرائيلي العنيف، حيث استهدفت الغارات الجوية والقصف المدفعي بلدات وقرى في أقضية النبطية وصيدا وصور. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة في وقت حساس، حيث تزامنت مع صدور أوامر إخلاء إسرائيلية مفاجئة لسكان عدة مناطق تمهيداً لتدميرها.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الطيران الحربي نفذ غارات وصفت بالعنيفة على بلدات الغسانية وكوثرية السياد والبابلية وتبنا الواقعة في قضاء صيدا. كما طال القصف الجوي مناطق المروانية والبيسارية في قضاء الزهراني، مما أحدث دماراً واسعاً في الممتلكات والبنى التحتية التي يزعم الاحتلال أنها تابعة لحزب الله.

وسبقت هذه الغارات تحذيرات عاجلة وجهها الجيش الإسرائيلي لسكان تسع قرى وبلدات جنوبية بضرورة المغادرة الفورية، شملت قعقعية الصنوبر وتفاحتا وارزي وأنصار وغيرها. وقد أدت هذه التهديدات المباشرة إلى حالة من الذعر بين المدنيين، مما دفع المئات منهم إلى مغادرة منازلهم على عجل خوفاً من الاستهداف الوشيك.

ورصدت تقارير محلية حركة نزوح كثيفة وغير مسبوقة من القرى المستهدفة باتجاه مدينتي صيدا وبيروت، حيث اكتظت الطرقات بالسيارات الفارة من جحيم القصف. ويعاني النازحون ظروفاً إنسانية صعبة في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية بتوسيع رقعة العمليات العسكرية في العمق اللبناني.

وفي قضاء النبطية، تعرضت بلدة يحمر الشقيف لغارة جوية صباحية، تبعها قصف مدفعي مركز طال أطراف بلدتي كفرتبنيت وأرنون. كما استهدف القصف المدفعي الطريق الحيوي الواصل بين أرنون وكفرتبنيت، مما أدى إلى انقطاع جزئي في حركة المرور وصعوبة وصول فرق الإغاثة.

وأشارت مصادر صحفية إلى أن قوات الاحتلال لم تكتفِ بالقصف الجوي والمدفعي، بل قامت بتنفيذ عمليات نسف وتفجير لمنازل سكنية في عدد من القرى الحدودية. وتأتي هذه العمليات ضمن استراتيجية تدمير ممنهج تهدف إلى خلق منطقة عازلة وتهجير السكان الأصليين من قراهم بشكل دائم.

وفي قضاء صور، طالت القذائف المدفعية أطراف بلدتي الحنية والقليلة، فيما استهدفت غارة جوية المنطقة الواقعة بين السماعية ودير قانون رأس العين. وتستمر هذه الهجمات في ظل تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي لا تغادر سماء المنطقة، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني.

ويثير هذا التصعيد تساؤلات كبرى حول مصير التهدئة، خاصة وأنه يأتي غداة إعلان الولايات المتحدة عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً. وكان من المفترض أن يدخل هذا التمديد حيز التنفيذ اعتباراً من 17 مايو الجاري، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى خروقات إسرائيلية واسعة.

وتشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الجهات الصحية اللبنانية إلى أن العدوان المستمر منذ مارس 2026 قد خلف خسائر بشرية فادحة. حيث استشهد حتى الآن نحو 2951 شخصاً، وأصيب أكثر من 8988 آخرين بجروح متفاوتة، فضلاً عن نزوح ما يزيد عن مليون لبناني من ديارهم.

ويبقى المشهد في جنوب لبنان مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل إصرار الاحتلال على مواصلة عملياته العسكرية وتجاهل المساعي الدولية للتهدئة. وتتجه الأنظار الآن نحو ردود الفعل الدولية والمحلية حيال هذا التصعيد الذي يهدد بانهيار كامل للتفاهمات التي رعتها واشنطن مؤخراً.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 11:37 صباحًا - بتوقيت القدس

جغرافيا الذاكرة: كيف حمت 'الأشياء الصغيرة' الهوية الفلسطينية من المحو؟

في ظل الصراعات الكبرى التي ترسم مصائر الشعوب، تنصرف الأنظار عادة نحو المعاهدات الدولية والقرارات الأممية الكبرى. لكن في الحالة الفلسطينية، تشكلت جغرافيا موازية خلف كواليس المشهد الرسمي، تحرسها 'الأشياء الصغيرة' التي تحولت إلى خطوط دفاع أولى في معركة الوعي الوطني.

منذ نكبة عام 1948، لم تكن المقتنيات المنزلية البسيطة مجرد بقايا من الماضي، بل غدت شواهد حية على مكان مسلوب وحياة كانت قائمة. هذه الأشياء حفظت جينات الهوية التاريخية من محاولات التشويه أو النسيان التي انتهجها الاحتلال على مدار عقود.

حين أُجبر الفلسطينيون على الرحيل تحت وطأة الاقتلاع، حملوا معهم ما استطاعوا إنقاذه في لحظات الرحيل القاسية. البعض احتفظ بمفتاح بيته ظناً منه أن العودة ستكون قريبة، بينما حزم آخرون وثائق الأرض والصور العائلية كأغلى ما يملكون.

مع مرور الزمن، كبرت الدلالة الرمزية لهذه المقتنيات لتؤكد أن الوجود الفلسطيني لم يبدأ من خيمة اللجوء. لقد تحولت هذه الصغائر إلى أرشيف شعبي واسع تصونه العائلات في خزائنها وذاكرتها اليومية بعيداً عن المؤسسات الرسمية.

المفتاح الصدئ الذي يحتفظ به اللاجئ لم يعد مجرد قطعة معدنية صامتة، بل تحول إلى الرمز السياسي والأخلاقي الأكثر تعبيراً عن حق العودة. إنه يمثل 'العمارة الذهنية' للبيت المفقود، مذكراً صاحبه بتفاصيل العتبة التي عجز الاحتلال عن هدمها في الوعي.

تنتقل وصية المفتاح بين الأجيال كفعل مقاوم يعاكس فكرة أن التقادم يسقط الحق في المكان. واليوم، يحمل الشاب الفلسطيني مفتاحاً لبيت لم يره قط، لكنه يدرك تماماً موقعه في قريته المهجرة التي رسمتها له حكايات الأجداد.

على الصعيد القانوني، وقفت أوراق 'الطابو' القديمة وسندات الملكية العثمانية كحائط صد منيع أمام الماكنة القانونية الإسرائيلية. هذه الوثائق المهترئة تدحض المقولة الزائفة بأن فلسطين كانت 'أرضاً بلا شعب' قبل عام 1948.

تثبت هذه السجلات الورقية الصلة العضوية للإنسان بأرضه، حيث يوثق كل حوض وشجرة زيتون باسم صاحبها الحقيقي. إنها مواجهة مباشرة مع 'قانون أملاك الغائبين' الذي حاول شرعنة مصادرة الأراضي الفلسطينية بذرائع قانونية واهية.

إلى جانب الوثائق الفردية، تلعب سجلات وكالة 'الأونروا' دوراً تكميلياً في توثيق النكبة وحماية شبكة العلاقات الاجتماعية. هذه السجلات ليست مجرد بيانات إدارية، بل هي قاعدة معلومات تربط الأجيال اللاحقة بأصولها الجغرافية ومسارات نزوحها الأولى.

أما الثوب الفلسطيني المطرز، فيمثل نوعاً فريداً من الخرائط المنسوجة بالخيوط والألوان التي لا يمكن محوها. كل غرزة تحمل شيفرة جغرافية تميز هوية المدن، من يافا وحيفا إلى الخليل وغزة، معلنة عن حضارة ضاربة في الجذور.

استطاعت المرأة الفلسطينية من خلال هذا الثوب أن ترتدي قريتها في المخيم وتتباهى بها في المنافي البعيدة. وبذلك تحول الثوب من زينة تقليدية إلى بيان سياسي متنقل يثبت امتلاك الشعب الفلسطيني لثقافة أصيلة ومتجذرة.

وبالتوازي مع ذلك، تعمل الصور الفوتوغرافية القديمة كحارس لملامح الحياة المدنية والريفية قبل وقوع الكارثة. صور العائلات في المزارع والشهادات المدرسية تعيد تقديم الفلسطيني كإنسان صاحب ثقافة ورفاه، وليس مجرد حالة إنسانية طارئة.

تمنح الحكاية الشفوية هذه المقتنيات الصامتة حياتها ومعناها الحقيقي، حيث يروي الكبار للصغار تفاصيل العيش اليومي. هذه الروايات المتوارثة عن مواسم الحصاد ورائحة الأرض تشكل عملية شحن دائم للذاكرة الوطنية الفلسطينية.

تثبت التجربة الفلسطينية أن مواجهة مشاريع المحو تبدأ من التمسك بالتفاصيل الصغيرة التي تربط الحق التاريخي بالملموس. لقد منعت هذه الأشياء تحول الغياب الفيزيائي إلى نسيان، وظلت شاهدة على أن فلسطين حقوق لا تزال تبحث عن عدالة.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

38 محاولة لكسر الحصار: أسطول الصمود العالمي يبحر نحو غزة بمشاركة 54 سفينة

تتواصل الجهود الدولية لكسر الحصار الإسرائيلي المشدد على قطاع غزة، حيث سجلت السجلات الحقوقية وصول عدد المحاولات البحرية إلى نحو 38 محاولة حتى اليوم. ويواجه المتضامنون الدوليون مخاطر الاعتقال والتعذيب في سبيل الوصول إلى 2.3 مليون فلسطيني يعانون من سياسات التجويع والعزل التي يفرضها الاحتلال بعيداً عن أعين العالم.

انطلق مؤخراً 'أسطول الصمود العالمي' من مدينة مرمريس التركية المطلة على البحر المتوسط، في واحدة من أكبر المحاولات التاريخية لكسر الحصار. يضم الأسطول 54 سفينة متنوعة، وعلى متنها أكثر من 500 ناشط ومتضامن من جنسيات مختلفة، يحملون رسائل إنسانية وإغاثية عاجلة لسكان القطاع المحاصر.

يعود تاريخ فرض الحصار البري والجوي والبحري على قطاع غزة إلى منتصف عام 2007، ومنذ ذلك الحين انطلقت عدة رحلات بحرية نجح بعضها في البداية. إلا أن البحرية الإسرائيلية بدأت لاحقاً بانتهاج سياسة القوة المفرطة لاعتراض السفن ومنعها من الوصول إلى شواطئ غزة، مما أدى لعدة صدامات دموية في المياه الدولية.

تظل حادثة 'أسطول الحرية' عام 2010 هي الأكثر دموية في ذاكرة المتضامنين، حين هاجمت قوات الاحتلال سفينة 'مافي مرمرة' بالرصاص الحي. أسفر ذلك الهجوم عن استشهاد 10 متضامنين أتراك وإصابة العشرات، مما تسبب في أزمة دبلوماسية دولية حادة كشفت وجه الاحتلال في التعامل مع النشطاء السلميين.

خلال الأشهر الماضية، تصاعدت وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية لتشمل سفن 'مادلين' و'حنظلة' في يونيو ويوليو، بالإضافة إلى اعتراض سفن تابعة لـ 'أسطول الصمود' قبالة جزيرة كريت. واحتجزت سلطات الاحتلال حينها 21 قارباً ونحو 175 ناشطاً، في محاولة لإجهاض أي جهد دولي يسعى لتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين.

يتشكل 'أسطول الصمود العالمي' من تحالفات دولية واسعة، أبرزها 'الحركة العالمية نحو غزة' و'تحالف أسطول الحرية' الذي تأسس عام 2010. وتهدف هذه التحالفات إلى لفت الأنظار للوضع الإنساني الكارثي في القطاع، والعمل على إنهاء الحصار الإسرائيلي غير القانوني عبر الضغط الشعبي والميداني.

تشهد المبادرة الحالية مشاركة عربية وإقليمية لافتة، من بينها 'قافلة الصمود' التي انطلقت عام 2025 بمشاركة واسعة من دول المغرب العربي. كما برزت مبادرة 'صمود نوسانتارا' كقافلة شعبية من دول جنوب شرق آسيا، مما يعكس اتساع رقعة التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية ورفض حرب الإبادة.

كشف الناشط البرازيلي تياغو أفيلا، عضو اللجنة التوجيهية للأسطول، عن فظائع تعرض لها النشطاء عقب اعتراض سفنهم في المياه الدولية. وأكد أفيلا أن القوات الإسرائيلية مارست عمليات اختطاف بحق المشاركين، ونقلتهم إلى سجونها في انتهاك صارخ لكافة القوانين والأعراف الدولية التي تحمي الملاحة والنشطاء.

تحدث أفيلا عن تجربته القاسية في سجن عسقلان، حيث تعرض للضرب والتعذيب والاستجواب المتواصل خلال فترة احتجازه التي استمرت 10 أيام في الحبس الانفرادي. ورافق أفيلا في هذه التجربة الناشط الفلسطيني الإسباني سيف أبو كشك، مما يبرز حجم التنكيل الذي يمارسه الاحتلال ضد المدافعين عن حقوق الإنسان.

رغم التهديدات الإسرائيلية المستمرة بالاعتقال والتنكيل، يصر منظمو الأسطول على مواصلة الإبحار باتجاه غزة لكسر حاجز الصمت الدولي. ويرى المشاركون أن ما يتعرضون له من مخاطر لا يقارن بحجم المأساة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون تحت القصف والحصار والتجويع المستمر منذ أكتوبر 2023.

تهدف المهمة الإنسانية الجديدة إلى فتح ممر بحري آمن ومستدام، يضمن تدفق المساعدات الإغاثية والطبية بعيداً عن قيود الاحتلال البرية. ويؤكد القائمون على الرحلة أن كل سفينة تبحر هي بمثابة صرخة احتجاج ضد التواطؤ الدولي والصمت تجاه الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في غزة.

تتوقع الدوائر الحقوقية أن يواجه الأسطول الحالي مستويات أعلى من العنف الإسرائيلي، نظراً لضخامة عدد السفن والمشاركين وتوقيت الرحلة الحساس. ومع ذلك، يشدد النشطاء على أن هدفهم هو تذكير العالم بأن الفلسطينيين ليسوا وحدهم، وأن الشعوب الحرة لن تتوقف عن المحاولة حتى كسر الحصار.

تعتبر هذه التحركات البحرية جزءاً من حراك عالمي أوسع يسعى لفضح سياسة الإبادة الجماعية وتدمير البنية التحتية التي انتهجها الاحتلال في حربه الأخيرة. ويمثل الأسطول أداة ضغط سياسية وإعلامية تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه حصار غير شرعي مستمر منذ عقدين.

في نهاية المطاف، يبقى بحر غزة هو الشاهد الوحيد على وجوه المتضامنين الذين لم ترهبهم آلة الحرب الإسرائيلية، والذين يواصلون ركوب الأمواج من أجل كرامة الإنسان. إنها معركة إرادات بين نشطاء عزل يسلحهم الإيمان بالعدالة، وبين قوة احتلال تسعى لطمس الحقيقة وعزل غزة عن محيطها الإنساني.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 10:52 صباحًا - بتوقيت القدس

شهيد في جنين وإصابات برصاص المستوطنين خلال اقتحامات واسعة للضفة

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، صباح اليوم السبت، عن استشهاد الشاب نور الدين فياض، البالغ من العمر 34 عاماً، متأثراً بجروح خطيرة أصيب بها برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي. وجاء ذلك خلال عملية اقتحام نفذتها الوحدات الإسرائيلية لمخيم جنين، حيث اندلعت مواجهات عنيفة في المنطقة.

وتزامن هذا التصعيد الميداني مع الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، حيث كثفت قوات الاحتلال من عملياتها العسكرية في مختلف مدن ومخيمات الضفة الغربية. وشملت الاقتحامات بلدات وقرى في طوباس وطولكرم وقلقيلية، وسط إجراءات أمنية مشددة وتفتيش للمنازل.

وفي محافظة الخليل، أفادت مصادر طبية بإصابة ثلاثة مواطنين فلسطينيين جراء اعتداءات نفذها مستوطنون متطرفون مساء الجمعة. وأكد الهلال الأحمر الفلسطيني أن طواقمه تعاملت مع إصابة بالرصاص الحي في منطقة الفخذ ببلدة الظاهرية، ناتجة عن إطلاق مستوطن النار بشكل مباشر تجاه المواطنين.

كما شهدت حارة جابر داخل مدينة الخليل اعتداءات بالضرب المبرح من قبل مجموعات من المستوطنين، مما أدى لإصابة فلسطينيين اثنين بجروح ورضوض مختلفة. وقد جرى تقديم الإسعافات الأولية للمصابين في الميدان قبل نقلهم إلى المستشفيات القريبة لاستكمال العلاج اللازم.

ووثقت مقاطع مصورة قيام المستوطنين بمهاجمة منازل الفلسطينيين في منطقة وادي الحصين بالخليل باستخدام الحجارة، مما تسبب في أضرار مادية جسيمة. وتأتي هذه الهجمات في ظل حماية وتواجد مكثف من قوات الاحتلال التي لم تتدخل لوقف اعتداءات المستوطنين على المدنيين.

وفي ريف رام الله، هاجم مستوطنون أطراف بلدة شقبا، حيث أضرموا النيران في مركبتين تعود ملكيتهما لمواطنين فلسطينيين. كما طالت الاعتداءات أربع مركبات أخرى وغرفاً زراعياً، وذلك بالتزامن مع اقتحام قوات الاحتلال للمنطقة لتأمين انسحاب المستوطنين المعتدين.

أما في محافظة بيت لحم، فقد اقتحمت قوات الاحتلال بلدة نحالين وتمركزت في وسطها، حيث نفذت حملة مداهمات واسعة للمنازل والمحال التجارية. وأسفرت هذه العملية عن اعتقال عدد من المواطنين، فيما لم يتم الكشف عن هوياتهم أو الوجهة التي نُقلوا إليها حتى اللحظة.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر محلية بأن قوات خاصة إسرائيلية تسللت إلى مدينة قلقيلية باستخدام مركبات مدنية مموهة. وقامت هذه القوات بمداهمة عدة مناطق في المدينة، مما أثار حالة من التوتر والمواجهات مع الشبان الفلسطينيين الذين حاولوا التصدي للاقتحام.

وعلى صعيد الانتهاكات في دور العبادة، تداولت منصات فلسطينية مشاهد تظهر اقتحام قوات الاحتلال لمسجد 'بيت الشيخ' في خربة طانا شرق بيت فوريك. وحاولت القوات منع المصلين من أداء الصلاة عدة مرات، إلا أن الأهالي أصروا على إقامتها رغم التضييقات العسكرية المفروضة.

من جانبه، كشف تقرير لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصاعد مخيف في وتيرة الاعتداءات خلال شهر نيسان/أبريل الماضي، حيث سُجل أكثر من 1600 اعتداء. وتوزعت هذه الانتهاكات بين اعتداءات مباشرة للجيش وهجمات منظمة للمستوطنين، تركزت معظمها في نابلس والخليل ورام الله.

ونددت وزارة الخارجية الفلسطينية في بيان لها بحملة الاقتحامات المستمرة واعتداءات المستوطنين، خاصة في مدينة القدس المحتلة. ووصفت الوزارة هذه التحركات بأنها تهديد خطير يهدف إلى تغيير الوضع القائم وفرض سياسة الأمر الواقع عبر القوة العسكرية والتحريض السياسي.

وأشارت الخارجية إلى أن مشاركة وزراء في حكومة الاحتلال في هذه الممارسات الاستفزازية تعكس توجهاً رسمياً لتصعيد الأوضاع في الضفة الغربية. وحذرت من أن استمرار هذه السياسة سيؤدي إلى مزيد من الانفجار في المنطقة، مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوقف هذه الجرائم.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الضفة الغربية تعيش حالة من الغليان منذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023. حيث أسفرت المواجهات والاعتداءات منذ ذلك الحين عن استشهاد 1155 فلسطينياً وإصابة الآلاف، في ظل حملات اعتقال طالت نحو 22 ألف شخص.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين واليسار المبكر: كتاب جديد يوثق مسيرة الحزب الشيوعي منذ الانتداب حتى التسعينيات

يفتح كتاب 'الحزب الشيوعي الفلسطيني من التأسيس إلى التغيير' للباحث محمد منصور أبو ركبة، ملفاً شائكاً في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر. تستعرض الدراسة الصادرة عن دار الصومعة عام 2026، مسار واحدة من أقدم الحركات السياسية في المنطقة، والتي شهدت تداخلات معقدة بين الأيديولوجيا الأممية والسؤال القومي التحرري.

تؤكد القراءة التاريخية أن الشيوعية في فلسطين كانت من الطليعة التي تصدت للاستعمار الاستيطاني منذ بداياته الأولى تحت الانتداب البريطاني. وقد وجه الحزب نضالاته ضد الهجرة اليهودية الممنهجة، محذراً من خطورتها في تغيير الديموغرافيا الوطنية وتشكيل أغلبية غريبة في البلاد.

حدد الشيوعيون الأوائل هدفهم الرئيس في تصفية الاحتلال وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره عبر حكومة ديمقراطية مستقلة. ورغم رفضهم الأولي لمشاريع التقسيم، إلا أن موازين القوى الدولية آنذاك دفعتهم للموافقة على قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947.

شكلت مسألة الوحدة الوطنية ركيزة أساسية في أدبيات الحزب، حيث نُظر إليها كضرورة علمية لتحليل واقع الطبقات الاجتماعية ومصالحها. وانتقد الحزب حصر الوحدة في الفصائل المسلحة فقط، داعياً لتوسيع القاعدة التمثيلية لتشمل القوى الشعبية والاقتصادية المعادية للاحتلال.

بدأ النشاط الشيوعي في فلسطين يمتد إلى المحيط العربي في منتصف العشرينيات، مما أثار قلق سلطات الانتداب البريطاني والفرنسي. ورأى الحزب أن المشرق العربي وحدة واحدة ذات مصالح مشتركة، وأن التجزئة الحاصلة هي نتاج تسويات استعمارية متضاربة.

فرضت بريطانيا حصاراً فكرياً مشدداً لمنع تسرب مبادئ الثورة الروسية إلى فلسطين، خوفاً من تأثيراتها المعادية للإمبريالية. ومع ذلك، وصلت هذه الأفكار عبر الوافدين الذين تأثروا بالتحولات العالمية، مما ساهم في تشكيل النواة الأولى للحركة العمالية والنقابية.

تأسس الحزب رسمياً في مدينة يافا عام 1919، وسرعان ما انضم إلى 'الكومنترن' في موسكو ليكون جزءاً من المنظومة الشيوعية العالمية. وحذر قادته الأوائل من الانقياد وراء السياسات الصهيونية، داعين للبحث عن صيغ للتعايش القائم على العدالة الاجتماعية.

برزت إشكالية 'تعريب الحزب' كواحدة من أكثر القضايا تعقيداً في مسيرته، حيث واجهت مقاومة من بعض العناصر اليهودية داخل القيادة. وكان شرط الكومنترن واضحاً بضرورة منح العرب دوراً قيادياً يتناسب مع كونهم الأغلبية الساحقة في البلاد.

لحل أزمة الكوادر، أوفد الحزب أول مجموعة من الشيوعيين العرب إلى موسكو عام 1927 لتلقي التثقيف السياسي والتنظيمي. وكان من بين هؤلاء القادة رضوان الحلو ونجاتي صدقي، الذين لعبوا دوراً محورياً في توجيه نشاط الحزب نحو الفلاحين والعمال العرب.

في عام 1943، تأسست 'عصبة التحرر الوطني' كإطار يساري وطني عريض يضم المثقفين والعمال العرب في فلسطين. ولم تكن العصبة مجرد انشقاق حزبي، بل مثلت طليعة سياسية تهدف لحماية المطالب الاجتماعية والاقتصادية للجماهير في مواجهة الاستعمار.

أكد أميل توما، أحد أبرز قادة العصبة أن هذا التنظيم ولد من حاجة المجتمع الفلسطيني لحزب يحمل التراث التقدمي للأمة. واعتبرت العصبة نفسها جزءاً لا يتجزأ من الحركة الوطنية الفلسطينية، مع التركيز على البعد الطبقي في الصراع ضد الإمبريالية.

بعد عام 1948 وإقامة دولة الاحتلال، واجه الشيوعيون العرب تحولات دراماتيكية في واقعهم السياسي والتنظيمي. فبينما وافق البعض على قرار التقسيم واندمج في أطر جديدة، عارض آخرون هذا المسار مما أدى لبروز أزمات فكرية عميقة داخل الحركة.

شهدت فترة ما بعد النكبة انقساماً في المواقف تجاه السياسات الإسرائيلية والاتحاد السوفيتي والمد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر. وناضل التيار المناهض للصهيونية داخل الحزب ضد الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948.

يختتم الكتاب بتوثيق دور المثقفين والشعراء الشيوعيين الذين تحولوا إلى رموز وطنية رسخت جذورها في تراب الوطن. وقد قدم هؤلاء نماذج للتضحية في الدفاع عن حقوق الكادحين، مما جعل من المدرسة الشيوعية رافداً أساسياً للفكر الثوري الفلسطيني.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

انعطافة دبلوماسية: دمشق ترفع علمها في الرباط وتطوي صفحة عقود من القطيعة

لم تكن مراسم رفع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، علم بلاده فوق مبنى السفارة السورية في الرباط مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل مثلت لحظة رمزية مكثفة تختصر مساراً طويلاً من التحولات السياسية. هذه الخطوة تعكس تغيراً عميقاً في الوعي والخيارات الاستراتيجية التي أعادت تشكيل ملامح المنطقة العربية بعد سنوات من الانكسارات والقطيعة.

تأتي عودة البعثة الدبلوماسية السورية إلى المغرب لتعلن بشكل ضمني نهاية حقبة اتسمت بالتوتر، وبداية مرحلة جديدة تختلف في خطابها وأهدافها. لسنوات طويلة، ظلت العلاقات بين البلدين رهينة لإرث سياسي ثقيل صنعه النظام السوري السابق، الذي وضع دمشق في مواجهة مباشرة مع المصالح المغربية العليا.

لقد كان انحياز دمشق السابق لأطروحات جبهة البوليساريو، وتقديم الدعم السياسي والإعلامي لها، يمثل بالنسبة للمغاربة مساساً صريحاً بوحدة مملكتهم الترابية. هذا الموقف حول العاصمة السورية لسنوات إلى منصة لدعم الحركات الانفصالية، ضمن شبكة تحالفات إقليمية ضمت أطرافاً راديكالية أدت في النهاية إلى عزلة دمشق.

وعلى الرغم من الخلاف السياسي الحاد مع النظام، إلا أن الرباط حرصت على التمييز بين موقفها من السلطة وعلاقتها بالشعب السوري. فمنذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، تبنى المغرب موقفاً إنسانياً وأخلاقياً واضحاً، داعماً لتطلعات السوريين نحو التغيير والحرية بعيداً عن الحسابات الضيقة.

تبرز استضافة المغرب لمؤتمر 'أصدقاء سوريا' في عام 2012 كواحدة من أهم المحطات التي جسدت هذا الدعم، حيث جمعت الرباط عشرات الدول للاعتراف بحق السوريين في تقرير مصيرهم. لم يكن ذلك الاجتماع مجرد تظاهرة دبلوماسية، بل كان رسالة سياسية قوية ضد منطق العنف والحلول الأمنية التي انتهجتها السلطة آنذاك.

إنسانياً، فتح المغرب أبوابه لمئات العائلات السورية الفارة من ويلات الحرب، ووفر لهم فرص الإقامة والعمل والتعليم دون اعتبارهم عبئاً أمنياً. كما امتدت المبادرات المغربية إلى خارج الحدود عبر إقامة مستشفى ميداني في مخيم الزعتري بالأردن، لتقديم الرعاية الطبية اللازمة للاجئين السوريين في ظروفهم القاسية.

هذا الترابط الإنساني له جذور تاريخية وثقافية عميقة، تتجسد في استقبال الملك الراحل الحسن الثاني للشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري. فقد وجد الأميري في المغرب ملاذاً آمناً وتقديراً فكرياً بعد التضييق الذي واجهه في بلاده، مما عكس الفرق بين دولة تحتفي بالمثقف ونظام يراه تهديداً.

اليوم، ومع حديث القيادة السورية الجديدة عن 'فتح صفحة جديدة'، يبدو أن هناك مراجعة حقيقية للسياسات التي قادت سوريا نحو التفكك والعزلة الدولية. إن الإشارات المتكررة من دمشق بضرورة احترام سيادة المغرب ووحدته الترابية تمثل حجر الزاوية في بناء علاقة دبلوماسية مستدامة وقوية.

إن إعادة فتح السفارة في هذا التوقيت الحساس تأتي بينما يعيد العالم العربي تشكيل توازناته بعد عقد من الصراعات الدامية والاستقطابات الحادة. سوريا الخارجة من ركام الاستبداد تبحث اليوم عن استعادة عمقها العربي عبر بوابة المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول، بعيداً عن شعارات 'الممانعة' القديمة.

لقد أثبتت التجارب المريرة أن الشعارات الأيديولوجية التي رفعت لعقود لم تساهم في حماية القرار العربي المستقل، بل عمقت الانقسامات البينية. لذا، فإن مشهد الدبلوماسية السورية في الرباط يكرس نهجاً براغماتياً جديداً يعتمد الحوار والتقارب كمدخل واقعي لترميم العلاقات العربية المتضررة.

ليست السفارات في جوهرها مجرد مبانٍ إدارية، بل هي مرايا تعكس رغبة الشعوب في التواصل وتجاوز الخصومات التاريخية والمحاور المغلقة. ما حدث في الرباط يتجاوز الإجراء الإداري ليكون محاولة جادة لترميم الذاكرة العربية التي أنهكتها السياسات الإقصائية والحروب الطويلة.

يدرك السوريون اليوم، بعد الأثمان الباهظة التي دفعوها أن العودة للمحيط العربي تتطلب عقلية سياسية جديدة تختلف تماماً عما كان سائداً لنصف قرن. كما يدرك المغاربة أن وقوفهم مع الشعب السوري كان استثماراً أخلاقياً في مستقبل عربي يقوم على التضامن الحقيقي لا الشعارات الزائفة.

إن الرباط اليوم تبدو أقرب إلى 'دمشق الحرة' التي تتطلع للمستقبل، بعيداً عن إرث البعث الذي خاصم روح العروبة في لحظات تاريخية فارقة. هذه اللحظة تؤكد أن المنطقة العربية لا تزال قادرة على إنتاج المصالحات رغم كل الندوب التي خلفتها الصراعات السياسية والعسكرية.

يبقى الأمل معلقاً على أن تمتد هذه الروح التصالحية لتشمل العلاقات المغربية الجزائرية، لإنهاء النزيف الصامت في جسد المغرب الكبير. فالتاريخ والجغرافيا يفرضان على الأشقاء العودة للحكمة، وإدراك أن المستقبل المشترك لا يُبنى إلا بالتعاون وتجاوز جراح الماضي من أجل الأجيال القادمة.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس زيارة ترمب لبكين: انبهار أمريكي بعمارة 'قاعة الشعب' وغياب لملف تايوان

شهدت أروقة قاعة الشعب الكبرى في العاصمة الصينية بكين كواليس لافتة سبقت انطلاق المباحثات الرسمية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ. وثقت لقطات مصورة حالة من الانبهار سادت أوساط الوفد الأمريكي المرافق، حيث ركزت الكاميرات على تفاعلات المسؤولين مع العمارة التاريخية للمكان قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

ظهر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في حالة من التأمل العميق لزخارف سقف القاعة الضخمة، متنقلاً بنظره بين التفاصيل الفنية الدقيقة التي تزين المعلم الصيني البارز. ولم يكتفِ روبيو بالمشاهدة، بل أشار بإصبعه نحو السقف مبدياً إعجابه الشديد عبر إيماءات واضحة، في توثيق للحظة خروج عن البروتوكول الرسمي الصارم.

انضم وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إلى زميله روبيو في استكشاف جماليات القاعة، حيث تبادل الوزيران حديثاً جانبياً قصيراً حول التصميم المعماري. وبدا الثنائي منشغلين بتتبع الخطوط الهندسية والزخارف التقليدية التي تعكس عراقة الدولة الصينية، مما أضفى جواً من الهدوء النسبي قبيل بدء النقاشات السياسية المعقدة.

من جانبه، خطف الملياردير ورجل الأعمال إيلون ماسك الأنظار بتواجده ضمن الوفد الرسمي، حيث شوهد وهو يقف على درج القاعة بانتظار وصول الزعيم الصيني. واستغل ماسك هاتفه المحمول لتوثيق اللحظات التاريخية، ملتقطاً صوراً ومقاطع فيديو للمراسم والترتيبات الأمنية والبروتوكولية المحيطة بالحدث العالمي.

أظهرت المقاطع المتداولة ماسك وهو يدور حول نفسه بشكل متكرر على الدرج، في محاولة منه للحصول على زوايا تصوير شاملة تغطي كافة جوانب القاعة التاريخية. وتعكس هذه التحركات اهتماماً خاصاً من رجل الأعمال بالتفاصيل اللوجستية والجمالية لواحد من أهم الرموز السياسية في جمهورية الصين الشعبية.

على الصعيد السياسي، أصدر البيت الأبيض بياناً مقتضباً وصف فيه الاجتماع الذي جرى يوم الخميس بأنه كان 'جيداً' ومثمراً. وأوضح البيان أن المحادثات تركزت بشكل أساسي على الملفات الاقتصادية، وبحث سبل تعزيز التبادل التجاري والتعاون المالي بين واشنطن وبكين في المرحلة المقبلة.

لوحظ في البيان الرسمي الأمريكي غياب تام لأي ذكر لقضية تايوان، وهو الملف الذي طالما شكل نقطة توتر جوهرية في العلاقات بين البلدين. ويأتي هذا التجاهل المتعمد في البيان رغم التحذيرات الصينية السابقة بأن سوء التعامل مع هذا الملف قد يؤدي إلى صدام مباشر بين القوتين العظميين.

يرى مراقبون أن التركيز على الجوانب الاقتصادية وتجاهل القضايا الخلافية الحادة يعكس رغبة متبادلة في تهدئة الأجواء وتجنب التصعيد الفوري. ومع ذلك، تبقى المشاهد الجانبية للوفد الأمريكي في بكين مؤشراً على حجم الاهتمام الذي توليه إدارة ترمب لإعادة صياغة العلاقة مع التنين الصيني من بوابة المصالح المشتركة.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

صلاح الدين الأيوبي.. مدرسة في الزهد والعبادة والقيادة التاريخية

تعد شخصية الناصر صلاح الدين الأيوبي نموذجاً فريداً للحاكم الذي جمع بين حزم القائد وورع العابد، حيث انعكست تربيته الإيمانية على كافة قراراته السياسية والعسكرية. وقد أكد معاصروه أن سر قوته لم يكمن في العتاد فحسب، بل في اتصاله الوثيق بالله وتمسكه بالقيم الأخلاقية التي جعلت منه مدرسة تاريخية خالدة.

فيما يتعلق بعقيدته، حرص صلاح الدين على تلقي العلم من كبار الفقهاء والمشايخ، مبتعداً عن الغلو والتعقيد، ومنهجاً عقيدته على الاستقامة والنظر الصحيح. ولم يكتفِ بسلامة معتقده الشخصي، بل كان يشرف بنفسه على تعليم أطفاله أصول الدين لترسخ في أذهانهم منذ الصغر، مؤمناً بأن الجيل القادم يجب أن يتسلح بالإيمان قبل السيف.

أما عن صلاته، فقد نقلت مصادر تاريخية عن القاضي ابن شداد أن السلطان كان شديد المواظبة على صلاة الجماعة، لدرجة أنه لم يتركها لسنوات طويلة. وحتى في أحلك ظروف مرضه، كان يستدعي الإمام ليصلي به قائماً ما دام عقله حاضراً، وكان يحرص على السنن الرواتب وقيام الليل قبل صلاة الصبح بانتظام.

وفي مشهد يجسد الزهد الحقيقي، كشفت التقارير التاريخية أن صلاح الدين فارق الحياة ولم يترك وراءه أي ثروة مادية أو عقارات أو بساتين. فبالرغم من اتساع رقعة ملكه، إلا أن صدقات النفل استنفدت كل ما ملكه، ولم يوجد في خزانته عند وفاته سوى بضعة دراهم وجرم واحد من الذهب.

وعلى صعيد الالتزام بالفرائض، أظهر صلاح الدين حرصاً فائقاً على قضاء ما فاته من صيام رمضان بسبب انشغاله بالجهاد أو تواتر الأمراض عليه. وشرع في قضاء تلك الأيام بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها، حيث واظب على الصوم لأكثر من شهر متواصل رغم تحذيرات الأطباء من تأثير ذلك على صحته.

كان السلطان ملهماً في حرصه على براءة ذمته أمام الله، حيث كان يقول لمن يلومه على إجهاد نفسه بالصيام: 'لا أعلم ما سيكون'. واستمر في مجاهدة نفسه حتى أتم قضاء ما عليه من فوائت، مما يعكس عمق الخشية والتقوى التي كانت تحرك جوارحه وتوجه سلوكه اليومي.

وفيما يخص فريضة الحج، كان صلاح الدين يعتزم أداءها في العام الذي توفي فيه، وأمر بالفعل بالتأهب وإعداد الرفادة اللازمة للرحلة. إلا أن ضيق الوقت وفراغ اليد مما يليق بمقام الحكام في تلك الرحلة حال دون ذلك، ليقضي الله أمره قبل أن تتحقق أمنيته في زيارة البيت الحرام.

كان للقرآن الكريم مكانة خاصة في قلب الناصر، إذ كان يحب سماعه آناء الليل وأطراف النهار، ويشترط في إمامه أن يكون عالماً متقناً. وكان يستمع في برجه لعدة أجزاء من القرآن، ويظهر خشوعاً كبيراً تفيض معه عيناه بالدمع كلما مر بآيات الوعيد أو الرحمة.

ولم يقتصر حبه للقرآن على السماع، بل كان يشجع الصغار على حفظه، حيث يُروى أنه قرب طفلاً صغيراً وأجرى عليه وعلى والده رزقاً من مزرعة بعدما استحسن قراءته. هذا الرقّة في القلب كانت هي الوجه الآخر للقائد الصلب الذي واجه جيوش الصليبيين في ميادين القتال.

أما الحديث الشريف، فقد كان صلاح الدين يسعى خلفه أينما وجد، فإذا سمع عن شيخ ذي رواية عالية حضر إليه أو استحضره ليسمع منه. وكان يأمر الحاضرين بالجلوس إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرص على حضور أولاده ومماليكه لتلك المجالس العلمية.

وتذكر المصادر أن السلطان كان يتردد على الحافظ الأصفهاني في الإسكندرية ليروي عنه الأحاديث، ولم يمنعه كبر مقامه من السعي إلى العلماء في بيوتهم. وكان في خلوته يقرأ كتب الحديث بنفسه، فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه وبكى، مما يظهر شدة تأثره بالسنة النبوية.

إن هذه الصفات الإيمانية لم تكن مجرد طقوس تعبدية، بل كانت المحرك الأساسي لشخصيته القيادية التي اتسمت بالعدل والرحمة. فقد آمن صلاح الدين بأن النصر لا يتحقق إلا بتحقيق العبودية الشاملة لله، وهو ما جعله يحظى باحترام أعدائه قبل أصدقائه في كافة العصور.

لقد شكلت حياة صلاح الدين الأيوبي جسراً بين محراب العبادة وميدان التحرير، حيث أثبت أن القائد الناجح هو من يبدأ بإصلاح نفسه وتقوية صلته بخالقه. وبقيت سيرته حتى يومنا هذا مرجعاً لكل من يبحث عن التوازن بين متطلبات الحكم وقيم الزهد والتقوى.

ختاماً، يظل إرث صلاح الدين شاهداً على أن الانتصارات الكبرى في التاريخ الإسلامي كانت دائماً مرتبطة بجيل من القادة الذين قدموا الآخرة على الدنيا. فرحم الله السلطان الناصر الذي حرر القدس بقلب خاشع وسيف عادل، وترك خلفه سيرة عطرة لا تمحوها الأيام.

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

78 عاماً على النكبة: مسار متواصل من الاقتلاع وصمود لا ينكسر

تحل الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة الفلسطينية لتؤكد حقيقة تاريخية مفادها أن ما حدث عام 1948 لم يكن مجرد واقعة زمنية انتهت بمرور الوقت. إنها مسار ممتد من الألم الممنهج ومحاولات اقتلاع الوجود الفلسطيني من أرضه بأساليب تتغير وجوهها ويبقى جوهرها الإحلالي ثابتاً.

بدأت الحكاية بنكبة الاقتلاع الكبرى في عام 1948، حيث واجه الفلسطينيون تهجيراً قسرياً ومجازر وحشية أدت إلى ضياع الحيز الوطني الأول. لم يتوقف النزيف عند هذا الحد، بل تجدد في عام 1956 عبر عدوان استهدف غزة وسيناء، مما كرس سياسة الاستهداف التي لا تعرف حدوداً.

جاءت نكسة عام 1967 لتمثل نكبة ثانية، حيث احتُل ما تبقى من الأرض الفلسطينية واتسعت رقعة الشتات والمنافي. هذه المحطة أضافت أعباءً جديدة على الذاكرة الفلسطينية المثقلة باللجوء، ووضعت الشعب أمام تحديات وجودية في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.

في السبعينيات، واجه الوجود الفلسطيني نكبات في ساحات اللجوء، بدأت بأحداث عام 1970 التي أفقدت العمل الوطني ركيزة عربية هامة. ثم تلتها ويلات الحرب الأهلية اللبنانية في عامي 1975 و1976، حيث دفع الفلسطينيون أثماناً باهظة في أزقة الغربة والدم المهدور.

تظل مجزرة تل الزعتر عام 1976 واحدة من أقسى محطات الوجع في الذاكرة الفلسطينية الجماعية داخل مخيمات الشتات. لقد كانت تعبيراً صارخاً عن حجم الاستهداف الذي يلاحق اللاجئ الفلسطيني حتى في أماكن نزوحه القسري بعيداً عن دياره.

شهد عام 1982 اجتياح لبنان والخروج المر للمقاومة من بيروت، وهو ما مهد الطريق لفاجعة صبرا وشاتيلا الكبرى. هذه المجازر لم تكن مجرد حوادث قتل، بل كانت محاولة لكسر الإرادة السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني في المنفى.

استمرت المعاناة في منتصف الثمانينيات عبر ما عُرف بحرب المخيمات عام 1984، حيث فُرض الحصار والتجويع على اللاجئين. وجد الفلسطيني نفسه يدفع ثمن لجوئه المتكرر، في ظل صمت دولي وتواطؤ إقليمي زاد من قسوة العيش في المخيمات.

على الصعيد السياسي، يُنظر إلى اتفاق أوسلو عام 1993 بوصفه نكبة سياسية أدت إلى تجزئة الأرض والتفريط في الحقوق الأساسية. هذا المسار رسخ واقعاً يفتقر للسيادة الحقيقية وحول القضية من تحرر وطني إلى إدارة ذاتية تحت هيمنة الاحتلال.

تفاقمت الأزمة السياسية مع بدء التنسيق الأمني عام 1994، الذي خلق شرخاً في النسيج الوطني الفلسطيني. وباتت ملاحقة الفلسطيني لأخيه الفلسطيني تحت ذرائع أمنية تخدم مصالح الاحتلال، واحدة من أعمق الجراح في الجسد الفلسطيني المعاصر.

منذ عام 2006، دخل قطاع غزة في نكبة ممتدة عبر حصار خانق وعقاب جماعي لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث. هذا الحصار الذي يجري أمام سمع العالم وبصره، يهدف إلى كسر إرادة الصمود وتحويل حياة الملايين إلى جحيم مستمر.

في الضفة الغربية والقدس، تستمر النكبة الصامتة من خلال التوسع الاستيطاني الذي يلتهم الأرض ساعة بساعة. إن سياسة قضم الأراضي وتهويد المعالم تهدف إلى خلق واقع جغرافي يستحيل معه إقامة دولة فلسطينية متصلة أو استعادة الحقوق.

وصلت المأساة إلى ذروتها في عام 2023 مع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، والتي فاقت في بشاعتها كل التصورات. هذا الفصل الدموي يمثل محاولة صريحة للمحو والتهجير القسري المتكرر، لكنه يصطدم بصمود أسطوري يرفض الانكسار أو التنازل عن الهوية.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس

ذاكرة الماء المنسية.. كيف شكلت البحار والأنهار هوية الفلسطيني قبل النكبة؟

تختزل حكاية شبان قرية 'طيرة اللوز' الذين أطلقوا الرصاص نحو موج البحر الهائج قبل النكبة، عمق العلاقة الوجدانية والارتباك التاريخي بين الفلسطيني وبيئته المائية. هذه القصة التي يرويها جمال أبو غيدة عن أجداده، لم تكن مجرد طرفة، بل تعكس طبقة من الوعي الشعبي الذي كان يرى في البحر 'مكاناً ميتافيزيقياً' مهيباً يستحق المواجهة أو الاسترضاء.

يرى الباحث في التاريخ الاجتماعي، علي حبيب الله أن الذاكرة الفلسطينية المعاصرة تعاني مما وصفه بـ 'جفاف شرايين الماء'. فبينما طغت مفردات الجبل والزيتون والكوفية على السردية الوطنية، ظل النصف الآخر من فلسطين، المتمثل في الصيادين وزارعي الأرز وأصحاب الطواحين المائية، مغيباً خلف الخطاب البصري الجبلي.

كانت البيئات المائية في فلسطين، من نهر الأردن إلى العوجا والمقطع، تشكل نسيجاً اجتماعياً وثقافياً متكاملاً قبل عام 1948. ولم تكن هذه المجاري المائية مجرد معالم جغرافية، بل كانت محركاً للحياة اليومية وقوانين غير مكتوبة تنظم العيش المشترك بين القرى والمدن الساحلية والداخلية.

في بحيرة طبريا، كانت سمكة 'البربوت' تجسد تعايش الأديان بأسماء ثلاثة عفوية؛ فهي 'البلطي' للمسلمين، و'مار بطرس' للمسيحيين، و'موسى' لليهود الطبرانيين الأصليين. هذا التعدد اللساني يعكس كيف تغلغل الماء في تفاصيل الهوية الثقافية والدينية للسكان قبل أن يمزق التهجير القسري تلك الروابط.

طقوس قرية 'الزيب' الساحلية تقدم نموذجاً فريداً للشراكة بين الإنسان والبحر، حيث كان 'البُقبق' طقساً أساسياً في الأفراح. كان الأهالي يسكبون أول قدر من الأرز المطبوخ في الموج لإطعام السمك، في إشارة رمزية لـ 'العيش والملح' الذي يربط المجتمع المحلي ببيئته البحرية المعطاءة.

صناعة شباك الصيد كانت بحد ذاتها عملية تقنية معقدة تربط بين نبات الأرض وكائنات البحر، حيث كانت تُغزل يدوياً من شعر الخيل تحت ظلال أشجار الزنزلكت. هذه الممارسات اندثرت مع وقوع النكبة، التي لم تهدم البيوت فحسب، بل مزقت خيوط الشباك وجففت الحكايا المرتبطة بها.

يوضح حبيب الله أن الفلسطيني، رغم قربه من الساحل، ظل يحمل عقلية 'الفلاح' حتى في تعامله مع البحر، ولم يتحول بالكامل إلى 'ملاح'. هذا التوتر أنتج إرثاً من التمائم والأهازيج التي تعكس الخوف من المجهول المائي، وهو ما يفسر بقاء الذاكرة مرتبطة بالأرض أكثر من إبحارها في عمق المتوسط.

المطبخ الفلسطيني الساحلي كان جسراً للذاكرة حتى في الشتات، حيث يستذكر اللاجئون أطباق 'الصيادية' وسمك 'السلطان إبراهيم'. هذه العلاقة لم تكن سياحية، بل كانت 'علاقة مائدة ولسان' تربط المهجرين بمدنهم الأصلية مثل حيفا ويافا عبر نكهات لا تزال تقاوم النسيان.

في الأغوار وضفاف الأنهار، ساد عرف اجتماعي يُعرف بـ 'حُرمة النهر'، وهو ميثاق غير مكتوب يحدد كيفية استخدام المياه وحمايتها. واعتبر السكان أي تدخل استعماري لتحويل مجاري المياه، كما حدث في مشاريع سحب مياه العوجا، انتهاكاً مزدوجاً للمقدس المائي ولمصدر الرزق التاريخي.

تاريخ زراعة الأرز في فلسطين يعد من الحقائق المغيبة، حيث كانت مناطق الحولة وبيسان تشتهر بـ 'رز بانياس'. وتؤكد المصادر التاريخية أن الأرز كان محصولاً أصيلاً يُزرع على ضفاف الأنهار والبرك، قبل أن تهمش السردية الحديثة هذا الإرث وتصوره كمحصول مستورد من الخارج.

تجفيف بحيرة الحولة من قبل الحركة الصهيونية لم يكن مجرد مشروع هندسي أو بيئي، بل كان عملية 'اقتلاع لنمط حياة' كامل. فقد دمر المشروع بيئة 'الغوارنة' الذين عاشوا على صيد السمك وتربية الجاموس وصناعة الحصير من نبات البابير، محولاً إياهم إلى لاجئين بعيداً عن مياههم.

يعزو الباحث غياب الإرث المائي عن الذاكرة الجمعية إلى سبب جغرافي وسياسي؛ فمعظم الذين بقوا في الداخل الفلسطيني بعد النكبة هم سكان المناطق الجبلية. هذا الوجود الجبلي فرض فولكلوره الخاص في الغناء والمطبخ والزي، مما أدى إلى تضخم صورة الفلاح على حساب الصياد و'الغوراني'.

حضور البحر والنهر في الأدب والشعر الفلسطيني ظل في الغالب حضوراً رمزياً ومشعرناً، بعيداً عن واقع الناس الذين عاشوا الماء يومياً. ويرى حبيب الله أن استعادة هذا التاريخ تتطلب جهداً جماعياً لإعادة 'ري الذاكرة المجففة' والتعامل مع الجغرافيا كفاعل أساسي في تشكيل الوجدان الوطني.

إن إعادة الاعتبار لتاريخ فلسطين المائي ليست مجرد حنين للماضي، بل هي ضرورة لفهم أبعاد الصراع على المكان. فكل عين ماء أو نهر أو بحيرة كانت تدير حياة اجتماعية واقتصادية متكاملة، وضياع هذه التفاصيل يعني ضياع جزء أصيل من الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني فوق أرضه.

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 8:48 صباحًا - بتوقيت القدس

الموضوع لا يتعلق بالخراف


د. إبراهيم نعيرات

في الظاهر، تبدو الحكاية صغيرة إلى حد لا يستحق كل هذا القلق: مستوطنون يسرقون الأغنام في بعض قرى الضفة الغربية، يعتدون على الرعاة، أو يمنعونهم من الوصول إلى المراعي. أخبار تتكرر حتى كادت تتحول إلى مشهد اعتيادي في نشرات الأخبار، تمر سريعًا ثم تختفي وسط ضجيج الحرب والسياسة. لكن الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالخراف أبدًا. فحين تُقرأ هذه الحوادث ضمن السياق الأوسع لما يجري في الضفة الغربية، تبدو وكأنها جزء من سياسة أعمق بكثير، سياسة تقوم على دفع الفلسطيني تدريجيًا نحو الانفجار.

الخروف هنا ليس الهدف، بل الإنسان الذي يملكه. والمرعى ليس مجرد مساحة عشبية، بل آخر ما تبقى للفلسطيني من قدرة على البقاء فوق أرضه. في القرى الفلسطينية، خاصة في الأغوار وجنوب الخليل والتلال المعزولة، لا تشكل الأغنام مجرد مصدر رزق، بل تمثل حياة كاملة: الطعام، والدخل، والاستقرار، والشعور بأن لهذه العائلة مكانًا ما يزال قادرًا على الصمود. ولذلك فإن استهداف الرعاة وسرقة القطعان ليس فعلًا عشوائيًا أو جنائيًا معزولًا، بل جزء من عملية استنزاف طويلة تهدف إلى جعل الحياة الفلسطينية مستحيلة.

تبدأ العملية دائمًا بطريقة تبدو صغيرة وغير مثيرة للاهتمام. بؤرة استيطانية تظهر فوق تل قريب. طريق ترابي يُغلق. راعٍ يُمنع من الوصول إلى عين ماء. ثم تتصاعد الأمور: اعتداءات، تهديدات، إطلاق نار في الهواء، سرقة للمواشي، وحضور دائم للمستوطن المسلح بوصفه صاحب السلطة الفعلية في المكان. ومع الوقت، لا يعود الفلسطيني يخسر أرضًا أو مالًا فقط، بل يخسر الإحساس الطبيعي بالأمان. تصبح حياته كلها قائمة على التوتر والخوف والانتظار.

لكن ما يجعل الصورة أكثر خطورة أن هذه الاعتداءات لا تبدو منفصلة عن المناخ السياسي الذي تعيشه المنطقة منذ الحرب على غزة. هناك شعور متزايد بأن بعض القوى داخل إسرائيل ترى في اللحظة الحالية فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الضفة الغربية بالكامل، مستفيدة من انشغال العالم، والفوضى الإقليمية، وحالة الانهيار التي يعيشها النظام الدولي نفسه. وكأن الزمن تحول إلى عنصر في المعركة، سباق محموم لفرض وقائع جديدة قبل أن تتغير الظروف.

في هذا السياق، يصبح الاستفزاز سياسة قائمة بذاتها. الفلسطيني لا يُدفع فقط إلى التعب أو الإحباط، بل إلى لحظة الغضب القصوى. كل شيء يبدو وكأنه يتحرك في الاتجاه نفسه: الاقتحامات المتكررة، التوسع الاستيطاني، الإذلال اليومي على الحواجز، التضييق الاقتصادي، واعتداءات المستوطنين التي تتم غالبًا بلا محاسبة حقيقية. وحتى المسجد الأقصى لم يعد خارج هذه المعادلة، مع تصاعد الاقتحامات والاستفزازات التي يقودها سياسيون متطرفون مثل إيتمار بن غفير، في مشهد يبدو أقرب إلى اختبار دائم للأعصاب الفلسطينية.

وربما هنا تحديدًا تكمن الفكرة الأخطر: ليس فقط السيطرة على الفلسطيني، بل دفعه إلى الانفجار الكبير. فبعض التيارات اليمينية داخل إسرائيل تبدو وكأنها تراهن على انتفاضة فلسطينية شاملة، انتفاضة يخرج فيها الشارع كله دفعة واحدة، بما يسمح لاحقًا بتبرير رد فعل إسرائيلي أكثر عنفًا وجذرية. أي أن الانفجار نفسه قد يتحول إلى الأداة التي تُستخدم لإعادة رسم الواقع السياسي والأمني في الضفة الغربية.

لأن أي انتفاضة واسعة اليوم لن تشبه ما سبقها. المنطقة تغيرت، والعنف أصبح أكثر تدميرًا، وما حدث في غزة كشف إلى أي حد يمكن أن تذهب الحرب الحديثة حين تُرفع القيود السياسية والإنسانية. ولهذا، فإن انفجار الضفة الغربية قد يفتح الباب أمام مرحلة قاسية للغاية، ليس فقط على مستوى المواجهة مع إسرائيل، بل على مستوى الداخل الفلسطيني نفسه.

فالضفة اليوم تعيش فوق توازن هش. اقتصاد متعب، مدن مكتظة، مجتمع مرهق نفسيًا، وسلطة فلسطينية تواجه أزمة ثقة وشرعية منذ سنوات. وأي انفجار شامل قد يدفع هذا البناء كله نحو الانهيار. السلطة الفلسطينية نفسها قد تصبح في مهب الريح، غير قادرة على ضبط الشارع أو حتى الحفاظ على وجودها السياسي والإداري. وعندها قد تجد إسرائيل نفسها أمام واقع جديد تعتبره أكثر ملاءمة لمشاريعها: غياب أي شريك فلسطيني منظم، وتحول الضفة إلى مساحة مفتوحة لإدارة أمنية مباشرة ووقائع استيطانية متسارعة.

المفارقة القاسية أن الفلسطيني، وهو يحاول الدفاع عن نفسه، قد يجد نفسه في لحظة ما يدمر ما تبقى له أيضًا. فالانتفاضات لا تنتج فقط صور البطولة والمقاومة، بل تفتح أبواب الفوضى والاستنزاف والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وفي واقع هش أصلًا، قد تكون الكلفة هذه المرة أكبر من قدرة المجتمع الفلسطيني على الاحتمال.

ولهذا فإن سرقة الغنم ليست حادثة هامشية كما تبدو في ظاهرها، بل نافذة صغيرة على معركة أكبر بكثير. معركة لا تدور فقط حول الأمن أو الحدود، بل حول إعادة تشكيل الإنسان الفلسطيني نفسه: دفعه نحو اليأس، أو الرحيل، أو الانفجار. وفي كل الحالات، تكون النتيجة واحدة تقريبًا؛ فلسطيني يعيش تحت ضغط دائم، وأرض يجري تغيير ملامحها ببطء، حتى يصبح الواقع الجديد أمرًا عاديًا بعد سنوات من الاعتياد على الألم.

وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما في المشهد هو العنف ذاته، بل الطريقة التي يتحول بها هذا العنف إلى سياسة طويلة النفس، تُدار بالتدريج، وتُنفذ على أعصاب الناس وحياتهم اليومية، بينما يقف العالم متفرجًا على حكاية يظن أنها بدأت بخروف… لكنها في الحقيقة تتعلق بوطن كامل.


اسرائيليات

السّبت 16 مايو 2026 8:22 صباحًا - بتوقيت القدس

مشروع قانون في الكونغرس لإلزام 'إيباك' بالتسجيل كوكيل أجنبي

كشف النائب الجمهوري الأمريكي توماس ماسي عن تحرك تشريعي جديد يهدف إلى وضع حد لنفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، من خلال إلزام منظمة 'إيباك' بالتسجيل كوكيل أجنبي لدى الحكومة الأمريكية. ويأتي هذا المقترح في ظل تصاعد الضغوط السياسية والمالية التي تمارسها هذه الجماعات لإقصاء الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية داخل أروقة الكونغرس.

يحمل مشروع القانون المقترح اسم 'قانون وضوح الوكلاء السياسيين الأمريكيين'، ويسعى بشكل مباشر لتعديل قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الصادر عام 1938 المعروف اختصاراً بـ 'FARA'. ويهدف هذا التعديل إلى ضمان خضوع كافة الجهات التي تعمل لصالح قوى خارجية لنفس معايير الشفافية والإفصاح المعمول بها في الولايات المتحدة.

أكد النائب ماسي في تصريحات صحفية أن أي نشاط سياسي يهدف للتأثير على القرار الأمريكي لصالح دولة أجنبية يجب أن يكون معلناً وواضحاً أمام القانون. وأشار إلى أن هذا المبدأ يجب أن ينطبق على كافة الدول دون استثناء، سواء كانت حليفة مثل بريطانيا وأستراليا، أو دولاً أخرى مثل إسرائيل وقطر وتركيا.

تعتمد 'إيباك' حالياً في تصنيفها القانوني على كون مموليها وأعضائها يحملون الجنسية الأمريكية، مما يتيح لوزارة العدل اعتبارها جماعة ضغط محلية. ومع ذلك، يرى منتقدون أن المنظمة تعمل بتنسيق وثيق ومباشر مع الحكومة الإسرائيلية، مما يستوجب معاملتها كوكيل لدولة أجنبية لضمان النزاهة السياسية.

يُعرف توماس ماسي بمواقفه المستقلة داخل الحزب الجمهوري، حيث كان من القلائل الذين انتقدوا علناً تقديم المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل. وقد دعا مراراً إلى وقف تدفق الأسلحة في ظل استمرار الحرب في قطاع غزة، محذراً من التبعات الإنسانية الكارثية على المدنيين من النساء والأطفال.

تتزامن هذه الخطوة التشريعية مع معركة انتخابية شرسة يخوضها ماسي في ولاية كنتاكي، حيث يواجه تدفقاً غير مسبوق للأموال من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. وتهدف هذه الحملات المالية الضخمة إلى دعم منافسه 'إد غالرين'، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة يحظى بدعم المؤسسات التقليدية.

أفادت مصادر مطلعة بأن لجنة 'يونايتد ديموكراسي بروجيكت' المرتبطة بإيباك قد أنفقت ما يقارب 2.6 مليون دولار في حملات دعائية ضد ماسي. كما ضخ 'التحالف اليهودي الجمهوري' نحو 4 ملايين دولار إضافية لتعزيز فرص منافسه، في محاولة واضحة لتغيير الخارطة السياسية في الدائرة الرابعة بكنتاكي.

لم تقتصر الضغوط على الجوانب المالية فقط، بل امتدت لتشمل تحالفات سياسية واسعة ضمت جماعة 'المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل'. وقد شنت هذه الجماعة حملات إعلانية مكثفة تستهدف قاعدة ماسي الانتخابية، متهمة إياه بالخروج عن الخط العام للحزب فيما يخص دعم الحلفاء الخارجيين.

دخل الرئيس السابق دونالد ترامب على خط المواجهة بإعلان دعمه الصريح لمنافس ماسي، مما زاد من تعقيد المشهد الانتخابي. وقام مستشارو ترامب السياسيون بجمع ملايين الدولارات من كبار المتبرعين والمليارديرات المؤيدين لإسرائيل، وعلى رأسهم ميريام أديلسون وبول سينغر، لضمان هزيمة النائب المتمرد.

تحولت الانتخابات التمهيدية في هذه الدائرة إلى الأغلى في تاريخ مجلس النواب الأمريكي، حيث تجاوز حجم الإنفاق الإعلاني حاجز 25 مليون دولار. ويعكس هذا الرقم الضخم مدى الأهمية التي يوليها اللوبي الإسرائيلي لإسقاط أي صوت يجرؤ على مساءلة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية داخل الكونغرس.

وفي تعليقه على هذه التطورات، أوضح ماسي أن 95% من الأموال الموجهة ضده تأتي من مليارديرات مرتبطين باللوبي، وليس من الناخبين العاديين في دائرته. واختتم تصريحاته بالقول إن هذه القوى تدفع دائماً نحو مزيد من الحروب والإنفاق العسكري الخارجي، وهو ما يرفضه تماماً التزاماً بمبادئه السياسية.

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 7:52 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين في قلب احتفالات برشلونة: رسائل سياسية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر

منذ انطلاق حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، بدأت تظهر ومضات أمل من مختلف بقاع العالم، تؤكد أن الضمير الإنساني لا يزال حياً. هذه المواقف التي تجسدت في دول مثل جنوب إفريقيا وإيرلندا والنرويج، انتقلت مؤخراً إلى الملاعب الرياضية الكبرى، حيث برز نادي برشلونة الإسباني كأحد أهم المنصات التي أعلنت تضامنها مع الحق الفلسطيني بشكل عفوي ومؤثر.

خلال احتفالات النادي الكتالوني بلقب الدوري الإسباني عقب مباراة الكلاسيكو التي يتابعها المليارات، تصدر المشهد النجمان الصاعدان لامين يامال وفيرمين لوبيز وهما يحملان علم فلسطين. هذا الفعل لم يكن مجرد حركة عابرة، بل كان تعبيراً عن هوية مقاطعة كاتالونيا التي تُعرف تاريخياً بمواقفها المناهضة للظلم، مما جعل العلم الفلسطيني حاضراً في قلب الفرحة الرياضية الصاخبة.

تكمن أهمية هذا الموقف في القوة الناعمة التي يمتلكها نادي برشلونة، الذي يضم قاعدة جماهيرية تمتد عبر القارات وتخترق كافة الأطياف السياسية والدينية. إن رؤية العلم الفلسطيني بين أيدي نجوم المستقبل في النادي الساحر، يبعث برسالة قوية للاحتلال بأن محاولات طمس القضية الفلسطينية قد فشلت، وأن الوعي العالمي يتشكل بعيداً عن الروايات المضللة.

ردود الفعل الصهيونية لم تتأخر، حيث شنت أوساط سياسية وإعلامية حملات تحريضية ضد النادي الكتالوني، وصلت إلى حد المطالبة بمقاطعته دولياً. ويرى مراقبون أن هذا الغضب نابع من إدراك الاحتلال بأن صور التضامن في المحافل الرياضية الكبرى تهدم سنوات من الدعاية، وتؤكد أن التعاطف مع فلسطين أصبح جزءاً من الثقافة الشعبية العالمية.

تاريخياً، لم يكن برشلونة مجرد نادٍ لكرة القدم، بل كان دائماً حاملاً لراية الهوية الكتالونية وأبعادها الاجتماعية والسياسية العميقة. ومنذ عهد الأساطير مثل كرويف ومارادونا وصولاً إلى بيب غوارديولا، الذي يُعرف بمواقفه الداعمة لفلسطين، استمر النادي في تقديم نماذج إنسانية تتجاوز حدود اللعب، مما جعل موقفه الأخير امتداداً طبيعياً لهذا الإرث الطويل.

وفي مقابل هذا التضامن العالمي الصريح، تبرز حالة من الحسرة تجاه غياب المواقف القوية من بعض صناع المحتوى والرياضيين في العالم العربي والإسلامي. فبينما يرفع نجوم عالميون العلم الفلسطيني في قلب أوروبا، يلتزم البعض الصمت، متجاهلين القدرة الكبيرة للرياضة على التأثير في الرأي العام العالمي ونصرة القضايا العادلة دون الحاجة لطلقة رصاص واحدة.

إن نشيد برشلونة الذي يصدح بعبارة 'نحن شعب البلوغرانا لا يهم من أين أتينا'، يتجسد اليوم في وحدة الجماهير حول القضية الفلسطينية. هذا التلاحم بين الرياضة والقيم الإنسانية يثبت أن صوت الحق يمكن أن يصل إلى السماء، وأن راية فلسطين ستظل ترفرف في كل مكان يرفض الظلم، تماماً كما رفرفت في شوارع برشلونة وملاعبها.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 7:23 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤشرات الفشل الاستراتيجي: كيف استنزفت المواجهة مع إيران النفوذ الأمريكي؟

يرى روبرت كاغان، أحد أبرز منظري السياسة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة منيت بهزيمة استراتيجية وجيوسياسية في مواجهتها الأخيرة مع إيران. ويشير كاغان إلى أن الإدارة الأمريكية دخلت الصراع بتوقعات واهية حول انهيار سريع للنظام الإيراني، مشابهة لتلك التي سبقت غزو العراق، إلا أن الواقع الميداني أثبت صموداً إيرانياً غير متوقع رغم القصف المكثف واستهداف القيادات.

تعتبر السيطرة الإيرانية المحكمة على مضيق هرمز حجر الزاوية في إفشال المخططات الأمريكية، حيث تحول المضيق إلى ورقة ضغط استراتيجية منعت واشنطن من فرض واقع جديد ما بعد الحرب. وبحسب التحليلات، فإن العجز عن تأمين الملاحة الحرة دون تقديم تنازلات كبرى لطهران وضع الإدارة الأمريكية في مأزق سياسي وعسكري معقد أمام حلفائها وخصومها على حد سواء.

لقد تراجع صانع القرار في البيت الأبيض عن خيارات التصعيد الشامل بعدما اصطدمت الطموحات العسكرية بكلفة اقتصادية باهظة غير قابلة للاحتواء. فقد تسببت المواجهة في صدمات عنيفة لأسواق النفط العالمية واضطرابات في البورصات، فضلاً عن استنزاف الموارد العسكرية التي كانت مخصصة لمواجهة نفوذ الصين وروسيا في مناطق أخرى من العالم.

من أبرز مؤشرات الفشل الأمريكي هو التخبط في تحديد أهداف الحرب، حيث بدأت بشعار طموح وهو 'إسقاط النظام' ثم تراجعت تدريجياً لتصل إلى مجرد المطالبة بفتح مضيق هرمز. هذا التضاؤل في الأهداف جاء متزامناً مع زيادة هائلة في الحشود العسكرية، حيث ارتفع عدد حاملات الطائرات والقطع البحرية المشاركة دون تحقيق أي خرق استراتيجي يذكر.

على الصعيد الميداني، كشفت تقارير استندت إلى صور الأقمار الاصطناعية عن دمار واسع لحق بـ 15 قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة الخليج وإقليم كردستان العراق. وشملت الأضرار تدمير أكثر من 228 منشأة عسكرية، بما في ذلك رادارات متطورة ومنظومات دفاع جوي ومراكز قيادة، مما اضطر واشنطن لنقل بعض مراكز عملياتها إلى داخل الأراضي الأمريكية.

لقد أثبتت المواجهة فشل ما سُمي بـ 'مشروع الحرية' الذي استهدف كسر الحصار الإيراني على مضيق هرمز بالقوة العسكرية، حيث انسحبت القطع البحرية الأمريكية أمام التهديدات الإيرانية. وتخشى شركات الشحن العالمية المغامرة بسفنها العملاقة في ظل قدرة المسيرات الإيرانية زهيدة الثمن على إلحاق خسائر بمئات الملايين من الدولارات في قلب الممرات المائية.

داخلياً، واجهت الإدارة الأمريكية ضغوطاً شعبية واقتصادية متزايدة نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود، حيث قفز سعر غالون البنزين إلى مستويات قياسية تجاوزت 6 دولارات في بعض الولايات. وأفادت مصادر بأن المستهلك الأمريكي تحمل فاتورة إضافية بلغت 40 مليار دولار منذ بدء العمليات العسكرية، مما أثار مخاوف جدية من تداعيات سياسية في الانتخابات المقبلة.

تشير البيانات المالية إلى أن تكلفة العمليات العسكرية المباشرة التي أدارها البنتاغون بلغت نحو 29 مليار دولار، وهو رقم يرهق الميزانية الفيدرالية في ظل أزمات اقتصادية متلاحقة. وقد وجدت الأسر الأمريكية الفقيرة نفسها تنفق جزءاً كبيراً من دخلها الأسبوعي فقط لتغطية فروقات أسعار الطاقة، مما زاد من حالة السخط الشعبي ضد 'الحروب الأبدية'.

في المقابل، تصر طهران على موقفها الرافض لأي مفاوضات تحت الضغط، مشترطة وقفاً كاملاً للحرب ورفع الحصار البحري قبل العودة لطاولة البحث في الملف النووي. هذا الإصرار الإيراني وضع واشنطن في موقف حرج، حيث تبحث الآن عن 'مخرج آمن' يحفظ ماء وجهها دون الاضطرار لخوض حرب برية شاملة يرفضها الشعب الأمريكي والكونغرس.

لقد أدى هذا الصراع إلى تآكل ملحوظ في مصداقية الردع الأمريكي، حيث بدأت دول الخليج وأوروبا في إعادة تقييم تحالفاتها الأمنية بعد رؤية العجز الأمريكي عن حماية قواعده ومنشآته. وفي الوقت نفسه، تراقب الصين وروسيا هذا الاستنزاف الأمريكي باهتمام كبير، كونه يفسح المجال لتعزيز نفوذهما في الشرق الأوسط على حساب التراجع الأمريكي.

يؤكد المحللون أن النموذج الذي حاول ترامب تطبيقه في إيران، والمستوحى من تجارب سابقة، فشل تماماً في قراءة الواقع الاجتماعي والسياسي للداخل الإيراني. فبدلاً من حدوث انهيار داخلي أو حراك شعبي مساند للتدخل الخارجي، ساهمت الضربات العسكرية في تعزيز الالتفاف حول خيارات الصمود والمواجهة التي تتبناها القيادة في طهران.

إن الخيار الوحيد المتبقي أمام واشنطن لتحقيق أهدافها هو الانخراط في حرب برية وبحرية شاملة تهدف لاحتلال إيران، وهو خيار يصفه الخبراء بأنه 'شبه مستحيل'. فمثل هذه الخطوة تتطلب مئات الآلاف من الجنود وميزانيات تريليونية، وهو ما يتعارض كلياً مع الوعود الانتخابية بإنهاء التدخلات العسكرية الخارجية والتركيز على الاقتصاد المحلي.

تخرج إيران من هذه الجولة بمكاسب سياسية واضحة، حيث أثبتت قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية وتحدي القوة العسكرية الأولى في العالم لأكثر من شهرين متواصلين. هذا الصمود لم يغير فقط موازين القوى الإقليمية، بل فرض قواعد اشتباك جديدة تجعل من أي مغامرة عسكرية أمريكية مستقبلاً أمراً محفوفاً بالمخاطر الوجودية للمصالح الغربية.

في الختام، تبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تبحث عن مسار للانسحاب من أزمة لم تعد تملك مفاتيح حسمها، بينما تواصل إيران فرض شروطها الميدانية والسياسية. إن مؤشرات الفشل الاستراتيجي الأمريكي في هذه الحرب ستلقي بظلالها على السياسة الدولية لسنوات طويلة، معلنة ربما نهاية حقبة الهيمنة المنفردة على أمن الطاقة العالمي.

تحليل

السّبت 16 مايو 2026 7:05 صباحًا - بتوقيت القدس

بيانات أميركية متفائلة وواقع أكثر قتامة: إسرائيل ترفض التسوية ولبنان يدفع الثمن

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات-16/5/2026


تحليل إخباري


رغم اللغة التفاؤلية التي أحاطت بالإعلان الأميركي عن جولة المحادثات بين إسرائيل ولبنان يومي 14 و15 أيار ، فإن الوقائع السياسية والميدانية لا توحي بأن المنطقة تقترب فعلاً من تسوية مستقرة أو سلام دائم. فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان رسمي، أن الاجتماعات التي استضافتها واشنطن كانت "مثمرة للغاية"، وأن وقف الأعمال العدائية المعلن في 16 نيسان سيتم تمديده 45 يوماً إضافية لإفساح المجال أمام المزيد من التقدم، على أن تُستأنف المفاوضات السياسية في الثاني والثالث من حزيران ، بالتوازي مع إطلاق مسار أمني في وزارة الدفاع الأميركية في 29 مايو بمشاركة وفود عسكرية من الجانبين.


لكن هذا الإعلان الرسمي لا يبدو مختلفاً كثيراً عن سلسلة طويلة من اللقاءات والتفاهمات والوساطات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، والتي انتهى معظمها إلى الفشل أو التعطيل أو الانهيار الكامل بفعل التعنت الإسرائيلي أولاً، والانقسام اللبناني الداخلي ثانياً، إضافة إلى غياب أي إرادة دولية حقيقية لفرض حلول عادلة ومتوازنة.


فالسياسة الإسرائيلية، كما خبرها اللبنانيون والفلسطينيون والعرب عموماً، لا تقوم على منطق التسوية المتوازنة، بل على إدارة الصراع وإدامة التفوق العسكري والأمني. الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعاملت مع أي مفاوضات باعتبارها أداة لكسب الوقت، أو لاحتواء الضغوط الدولية، أو لإعادة ترتيب الأولويات الأمنية، وليس كمدخل لإنهاء النزاعات جذرياً. ولذلك، فإن الحديث المتكرر عن "السلام الدائم" و"الاعتراف المتبادل" غالباً ما يصطدم بواقع الاحتلال والاعتداءات والانتهاكات اليومية التي تجعل أي حديث عن الاستقرار مجرد خطاب دبلوماسي منفصل عن الحقيقة على الأرض.


في المقابل، لا يبدو لبنان في وضع يسمح له بخوض مفاوضات متماسكة أو فرض رؤية وطنية موحدة. فالدولة اللبنانية تعاني انقسامات سياسية عميقة، ومؤسسات مترهلة، وأزمة اقتصادية خانقة، إضافة إلى تضارب واضح في مقاربة ملف العلاقة مع إسرائيل بين القوى السياسية المختلفة. هذا التفكك البنيوي يجعل أي مسار تفاوضي هشاً بطبيعته، ومعرضاً للانهيار عند أول اختبار سياسي أو أمني.


كما أن التجارب السابقة لا تشجع على التفاؤل. فمن تفاهم نيسان عام 1996، إلى القرار 1701 بعد حرب تموز 2006، مروراً بعشرات الاجتماعات الأمنية والوساطات الدولية، لم تنجح أي من تلك المبادرات في إنتاج استقرار دائم على الحدود اللبنانية الفلسطينية. بل إن إسرائيل استمرت في خرق الأجواء اللبنانية، وشن الاعتداءات، وتهديد البنية التحتية اللبنانية، فيما بقي المجتمع الدولي عاجزاً عن إلزامها بأي احترام فعلي للقانون الدولي أو للقرارات الأممية.


إن الإصرار الأميركي على رعاية هذه المفاوضات يعكس أيضاً رغبة واشنطن في منع توسع المواجهة الإقليمية أكثر مما يعكس التزاماً حقيقياً بحل جذور النزاع. فالولايات المتحدة، التي تقدم نفسها وسيطاً، تبقى في نظر كثيرين منحازة بالكامل لإسرائيل سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، الأمر الذي يقوض مسبقاً أي ثقة بقدرتها على لعب دور نزيه ومتوازن.


المشكلة الجوهرية في كل مسار تفاوضي بين إسرائيل وجيرانها تكمن في غياب التوازن الحقيقي بين الطرفين. فإسرائيل تدخل المفاوضات وهي مدعومة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً من الولايات المتحدة والغرب، بينما يدخل الطرف العربي أو اللبناني مثقلاً بالأزمات والانقسامات والضغوط الداخلية. هذا الخلل البنيوي يجعل أي تفاوض أقرب إلى إدارة للأزمة منه إلى صناعة حل عادل. كما أن إسرائيل اعتادت استخدام الوقت التفاوضي لتكريس وقائع ميدانية جديدة، سواء عبر التصعيد العسكري أو فرض ترتيبات أمنية أحادية. لذلك، فإن الرهان على نجاح مسارات مشابهة دون تغيير جذري في ميزان الضغوط الدولية يبدو أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى الواقعية الدبلوماسية.


اللافت في البيانات الأميركية الرسمية المتعلقة بهذه الاجتماعات أنها تكرر المفردات نفسها المستخدمة منذ عقود: "السلام الدائم"، “السيادة”، "الأمن المشترك"، و"الاستقرار الحدودي". غير أن هذه اللغة الدبلوماسية فقدت الكثير من معناها بسبب الفجوة الهائلة بين التصريحات والممارسات الفعلية على الأرض. فإسرائيل لم تُظهر يوماً استعداداً حقيقياً للقبول بعلاقات متوازنة مع محيطها العربي بقدر ما سعت إلى فرض معادلات ردع وهيمنة دائمة. وحتى عندما يتم التوصل إلى تفاهمات مؤقتة، فإنها غالباً ما تُخرق عند أول تغير سياسي أو أمني. لهذا تبدو الجولات التفاوضية المتكررة وكأنها إعادة تدوير لأزمات مزمنة أكثر من كونها خطوات جدية نحو الحل.


أما لبنان، فيقف أمام معضلة مركبة تتجاوز البعد الأمني المباشر. فالأزمة ليست فقط في كيفية التعامل مع إسرائيل، بل أيضاً في طبيعة النظام السياسي اللبناني نفسه، القائم على الانقسام الطائفي والتجاذب الإقليمي. هذا الواقع يجعل القرار الوطني موزعاً بين مراكز قوى متعددة، ويضعف قدرة الدولة على التفاوض من موقع موحد وقادر على فرض الالتزامات. كما أن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي العميق جعل الأولويات الداخلية تتقدم على أي رؤية استراتيجية بعيدة المدى. وفي ظل هذه الظروف، تبدو أي مفاوضات عرضة للتعثر السريع، لأن الأساس السياسي والمؤسساتي اللازم لدعمها ما يزال هشاً وغير مستقر.


وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن المنطقة تشهد منذ سنوات مفاوضات لا تنتهي، فيما تتراجع فرص التسوية الفعلية مع كل جولة جديدة. فبدلاً من معالجة جذور الصراع، يجري الاكتفاء بإدارة التوتر ومنع الانفجار الشامل، وهي مقاربة تؤجل الأزمات لكنها لا تحلها. كما أن غياب أي مساءلة حقيقية لإسرائيل بشأن انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي يمنحها هامشاً واسعاً للاستمرار في سياسة القوة وفرض الوقائع. وفي المقابل، يبقى لبنان غارقاً في أزماته الداخلية، عاجزاً عن تحويل أي هدنة مؤقتة إلى استقرار سياسي وأمني دائم، أو إلى رؤية وطنية جامعة قادرة على الصمود.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 6:52 صباحًا - بتوقيت القدس

تحركات صينية لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران حول الملف النووي

أعادت الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى العاصمة الصينية بكين، وما رافقها من مباحثات معمقة حول الملف الإيراني، تحريك المياه الراكدة في مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن. وتأتي هذه التحركات في وقت حساس تسعى فيه الأطراف الدولية لتجنب التصعيد العسكري في المنطقة وتغليب المسارات الدبلوماسية.

من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده تبدي اهتماماً ملموساً بالعودة إلى طاولة المفاوضات، لكنه ربط هذا التوجه بمدى جدية الطرف الآخر في الوصول إلى تفاهمات حقيقية. وأشار عراقجي إلى أن طهران تلقت رسائل من واشنطن تفيد باستعداد الإدارة الأمريكية لمواصلة المحادثات النووية المتعثرة.

وفي سياق متصل، أوضح الوزير الإيراني أن بلاده تبذل جهوداً للحفاظ على حالة وقف إطلاق النار الراهنة، وذلك بهدف منح الدبلوماسية الفرصة الكافية لتحقيق خروقات في الملفات العالقة. وتعكس هذه التصريحات رغبة إيرانية في استكشاف نوايا إدارة ترمب الجديدة ومدى قدرتها على تقديم ضمانات مقبولة.

على الصعيد الأمريكي، أبدى الرئيس دونالد ترمب انفتاحاً غير مسبوق على مقترح يقضي بتعليق إيران لبرنامجها النووي لمدة تصل إلى عشرين عاماً. ويشترط البيت الأبيض لنجاح هذا المقترح وجود آليات رقابة صارمة تضمن الالتزام الكامل من قبل الجانب الإيراني بكافة البنود المتفق عليها.

ودخلت الصين بقوة على خط الأزمة، مدفوعة بمصالحها الاقتصادية الحيوية، حيث تعتمد بكين بشكل كبير على واردات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز. وأصدرت الخارجية الصينية سلسلة من المواقف التي تشدد على ضرورة اعتماد لغة الحوار والابتعاد عن خيارات العنف والحرب التي تهدد استقرار المنطقة.

وفي هذا الإطار، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى ضرورة العمل على إعادة فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن لضمان انسياب حركة التجارة العالمية. وأضاف وانغ يي أن بلاده تشجع كلاً من الولايات المتحدة وإيران على حل نزاعاتهما عبر القنوات الدبلوماسية والمحادثات المباشرة وغير المباشرة.

وشدد المتحدث باسم الخارجية الصينية على أن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد يمثلان ركيزة أساسية في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن المساس بها. واعتبرت بكين أن استقرار المنطقة يتطلب اتفاقاً شاملاً يراعي مصالح كافة الأطراف ويضمن عدم انزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة.

وتشير التقارير الواردة من واشنطن إلى أن المقترحات المتعلقة بتجميد النشاط النووي الإيراني ليست جديدة كلياً، بل جرى تداولها في جولات سابقة. وتضمنت هذه التصورات فترات زمنية متفاوتة لعملية التجميد، حيث تسعى واشنطن لانتزاع أطول مدة ممكنة لضمان شل القدرات النووية الإيرانية.

وكشفت مصادر إعلامية عن تسريبات تفيد بأن نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، طرح خلال زيارته الأخيرة إلى إسلام آباد مقترحاً مفصلاً للتجميد لمدة 20 عاماً. ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تتبنى هذا الطرح كقاعدة أساسية لأي اتفاق مستقبلي مع النظام في طهران.

في المقابل، كانت إيران قد تمسكت في وقت سابق بفترة تجميد قصيرة لا تتجاوز خمس سنوات، مما خلق فجوة واسعة في وجهات النظر. ومع تدخل الوسيط الباكستاني، بدأت المقترحات تتقارب لتتراوح المدة المقترحة بين 10 إلى 12 عاماً، قبل أن يعود ترمب لطرح صيغة العشرين عاماً مجدداً.

وتقوم الرؤية الأمريكية الحالية على تجميد كامل وشامل لأي نشاط نووي داخل المنشآت الإيرانية، سواء كانت تلك المعلنة للوكالة الدولية للطاقة الذرية أو غير المعلنة. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان توقف أجهزة الطرد المركزي عن العمل بشكل نهائي خلال فترة الاتفاق المقترحة.

أما التصور الإيراني المقابل، فيقوم على قبول فترة تجميد محددة، يعقبها السماح لطهران باستئناف عمليات تخصيب اليورانيوم بنسبة لا تتجاوز 3.67%. وتعتبر إيران أن الحق في التخصيب السلمي هو خط أحمر لا يمكن التنازل عنه في أي تسوية نهائية مع القوى الدولية.

ويبقى مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب أحد أعقد الملفات العالقة التي تحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي بين الطرفين. وبينما تضغط واشنطن لنقل هذا المخزون أو تسليمه بالكامل، تقترح طهران إيداعه لدى دولة ثالثة كضمانة، مع الاحتفاظ بحق استعادته في حال نقضت واشنطن العهد.

ويسعى الرئيس ترمب من خلال هذه التحركات إلى صياغة اتفاق جديد يختلف جوهرياً عن اتفاق عام 2015 الذي أبرمته إدارة أوباما. ويرى الفريق المحيط بترمب أن الاتفاق السابق كان يعاني من ثغرات زمنية ورقابية، ولذلك يصرون على فرض قيود أطول وأكثر صرامة على الطموحات النووية الإيرانية.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 5:07 صباحًا - بتوقيت القدس

اتهامات بالفساد تلاحق ترمب إثر صفقات أسهم ضخمة وتلاعب بملف الرقائق مع الصين

تصاعدت حدة التوترات السياسية في الولايات المتحدة عقب توجيه قيادات بارزة في الحزب الديمقراطي اتهامات مباشرة بالفساد للرئيس دونالد ترمب. وجاءت هذه التحركات بعد الكشف عن وثائق مالية تظهر تنفيذ صفقات ضخمة في أسواق الأسهم العالمية جرت تحت اسمه الشخصي، مما أثار تساؤلات قانونية وأخلاقية واسعة.

وشنت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن هجوماً حاداً عبر منصة 'إكس'، وصفت فيه ممارسات الرئيس بأنها تمثل 'كارثة على الأمن القومي'. وركزت وارن في انتقاداتها على عمليات تداول مشبوهة لأسهم شركة 'إنفيديا' الرائدة في صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى وجود رابط بين قرارات سياسية وأرباح مالية.

واتهمت وارن الإدارة الأمريكية بتسهيل مبيعات الشركة للصين، وهو ما أدى بدوره إلى قفزة مؤقتة في قيمة السهم السوقية. واعتبرت أن هذه الخطوات تعكس تضارباً صارخاً في المصالح، خاصة مع وجود استثمارات تقدر بملايين الدولارات باسم ترمب في ذات الشركة التي استفادت من التسهيلات التجارية.

وكشفت التقارير أن ترمب اصطحب معه جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة 'إنفيديا'، خلال زيارته الرسمية الأخيرة إلى بكين. ووفقاً للاتهامات، فقد مارس الرئيس ضغوطاً على نظيره الصيني شي جين بينغ لزيادة مشتريات بلاده من الرقائق المتطورة، رغم التحذيرات الأمنية من خطورة هذه التكنولوجيا.

في المقابل، سارع إريك ترمب، الذي يتولى إدارة جزء من إمبراطورية العائلة التجارية، لنفي هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً. وأكد في تصريحات صحفية أن كافة أصول العائلة تدار عبر صندوق استثماري مستقل تشرف عليه مؤسسة مالية كبرى، دون تدخل مباشر من أفراد العائلة في قرارات البيع أو الشراء.

ووصف نجل الرئيس الاتهامات المتداولة بشأن التداول الفردي للأسهم بأنها 'محض كذب وافتراء' تهدف للنيل من سمعة والده السياسية. وشدد على أن وجوده في رحلة الصين كان بصفة شخصية، وأن مرافقة رجال الأعمال للرئيس في جولاته الخارجية هو إجراء روتيني لدعم الاقتصاد الأمريكي.

من جانبه، دخل حاكم ولاية إلينوي، جاي بي بريتزكر، على خط المواجهة واصفاً ترمب بأنه 'الرئيس الأكثر فساداً في تاريخ الولايات المتحدة'. وتعكس هذه التصريحات القاسية حجم الانقسام السياسي العميق في واشنطن حيال ملف الذمة المالية للرئيس الحالي وطريقة إدارته لثروته.

وأظهرت الوثائق المسربة أن حجم المعاملات المالية التي نُفذت مؤخراً باسم ترمب تجاوز حاجز الـ 200 مليون دولار. وشملت هذه المحفظة الاستثمارية أسهماً في كبريات الشركات التكنولوجية والصناعية مثل أمازون، وأبل، ومايكروسوفت، بالإضافة إلى عملاق الطيران بوينغ.

ويثير هذا النشاط المالي المكثف مخاوف المراقبين بشأن مدى التزام البيت الأبيض بقواعد الفصل بين السلطة والأعمال الخاصة. وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه تقارير إلى تخفيف القيود الأخلاقية التي كانت مفروضة خلال الولاية الرئاسية الأولى لترمب، مما فتح الباب أمام استثمارات خارجية مثيرة للجدل.

وبحسب تقديرات مجلة 'فوربس' الصادرة في مارس 2026، فقد شهدت ثروة ترمب الشخصية نمواً ملحوظاً لتصل إلى 6.5 مليارات دولار. ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 1.4 مليار دولار خلال عام واحد فقط، وهو ما يغذي اتهامات الديمقراطيين باستغلال المنصب الرئاسي لتنمية الثروة الخاصة.

ويرى محللون سياسيون أن هذه القضية قد تتحول إلى مادة دسمة للتحقيقات البرلمانية في الكونغرس خلال الفترة المقبلة. إذ يسعى الديمقراطيون للحصول على تفاصيل أكثر دقة حول توقيت صفقات الأسهم ومدى تقاطعها مع القرارات التنفيذية التي اتخذها الرئيس بشأن التجارة مع الصين.

وتشكل قضية رقائق الذكاء الاصطناعي حساسية خاصة نظراً لارتباطها بالتنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين. فبينما تحاول المؤسسات الأمنية تقييد وصول الصين لهذه التقنيات، تظهر التحركات الأخيرة للرئيس توجهاً مغايراً يخدم المصالح التجارية المباشرة لشركات يمتلك فيها أسهماً.

وعلى الرغم من النفي المتكرر من عائلة ترمب، إلا أن غياب الشفافية الكاملة حول 'الصندوق الأعمى' الذي يدير أموالهم يظل نقطة ضعف يستغلها الخصوم. وتطالب المنظمات الرقابية بضرورة تجديد إجراءات تجميد الاستثمارات الخارجية لضمان عدم تأثر السياسة الخارجية بالمصالح المالية الشخصية.

ويبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات مع استمرار تسريب الوثائق المالية التي تكشف حجم التداخل بين القطاع الخاص والقرار السياسي. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يترقب الشارع الأمريكي ما ستسفر عنه الأيام القادمة من مواجهات قانونية قد تعيد صياغة معايير النزاهة في الرئاسة الأمريكية.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 4:07 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تعلن توقيف قيادي بـ 'كتائب حزب الله' العراقية بتهمة التخطيط لهجمات دولية

أعلنت السلطات الأمريكية رسمياً عن إلقاء القبض على محمد باقر سعد داود السعدي، الذي تصفه بأنه قيادي بارز في كتائب حزب الله العراقية. وتأتي هذه الخطوة في إطار ملاحقة واشنطن لمن تصفهم بالمسؤولين عن التخطيط لعمليات عدائية تستهدف أراضيها ومصالح حلفائها في الخارج.

وكشف مدير مكتب التحقيقات الفدرالي، كاش باتيل أن السعدي يمثل هدفاً استراتيجياً ذا قيمة عالية للأجهزة الأمنية الأمريكية. وأوضح باتيل أن الموقوف متورط في إدارة وتنسيق نشاطات تهدف لتنفيذ هجمات واسعة النطاق تتجاوز الحدود الإقليمية لتصل إلى مستوى عالمي.

وقد جرى نقل السعدي إلى مدينة نيويورك للمثول أمام القضاء الفدرالي، حيث يواجه ست تهم جنائية ثقيلة تتعلق بالإرهاب الدولي. ولم تفصح وزارة العدل الأمريكية عن التفاصيل الدقيقة لعملية التوقيف أو المكان الذي تم فيه ضبط المتهم قبل ترحيله إلى الولايات المتحدة.

ووفقاً للائحة الاتهام، فإن السعدي، البالغ من العمر 32 عاماً، قاد شبكة خططت لتنفيذ ما لا يقل عن 18 هجوماً في دول أوروبية مختلفة. كما شملت المخططات المنسوبة إليه تنفيذ عمليتين في كندا، وذلك في إطار سلسلة من الردود المنسقة على أحداث عسكرية شهدتها المنطقة مطلع العام الجاري.

وأشارت التحقيقات إلى أن هذه التحركات جاءت رداً على الهجوم الذي استهدف الأراضي الإيرانية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وتزعم السلطات الأمريكية أن السعدي وشركاءه اعتمدوا استراتيجية هجومية تستهدف المصالح الغربية والإسرائيلية بشكل مباشر في عدة عواصم ومدن عالمية.

وتضمنت الأدلة المقدمة ضد السعدي اتهامات بتزويد عميل سري تابع لمكتب التحقيقات الفدرالي بخرائط وصور دقيقة لمواقع حيوية. وشملت هذه المواقع كنيساً يهودياً رئيسياً في نيويورك، بالإضافة إلى مؤسسات دينية واجتماعية في مدينتي لوس أنجلوس وسكوتسديل بولاية أريزونا.

وأفادت مصادر مطلعة بأن المتهم ناقش مع العميل السري إمكانية استخدام عبوات ناسفة محلية الصنع لتنفيذ تفجيرات داخل الولايات المتحدة. ورغم هذه المخططات التفصيلية، أكدت وزارة العدل أن أياً من هذه الهجمات لم يقع فعلياً بفضل المتابعة الأمنية الاستباقية.

وربطت الوثائق القضائية بين السعدي وعدة حوادث وقعت بالفعل في أوروبا، من بينها حادثة طعن استهدفت شخصين في العاصمة البريطانية لندن. كما أشارت المصادر إلى محاولات حرق عمد استهدفت مدارس ومتاجر مرتبطة بجهات إسرائيلية في مدينتي أمستردام وميونخ خلال الأشهر الماضية.

وتعتقد الأجهزة الأمنية الأمريكية أن السعدي كان يعمل بشكل وثيق في سنوات سابقة مع قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني. وتعتبر واشنطن أن هذا الارتباط يعزز من خطورة الدور الذي كان يلعبه السعدي في تنسيق العمليات الخارجية للفصائل المسلحة المدعومة من طهران.

وتصنف الولايات المتحدة كتائب حزب الله العراقية كمنظمة إرهابية، محملة إياها المسؤولية عن عشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة. وتستهدف هذه الهجمات عادة القواعد العسكرية التي تضم قوات أمريكية ومستشارين من التحالف الدولي في العراق وسوريا.

وأظهرت وثائق المحكمة أن السعدي ظهر في مقاطع فيديو دعائية تم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي عقب وقوع هجمات في أوروبا. واعتبر الادعاء العام أن هذه المقاطع تمثل دليلاً على تبني الفصيل للعمليات التي استهدفت مدنيين ومواقع دينية في الخارج.

وخلال المحادثات التي رصدها مخبر سري، أقر السعدي بمسؤوليته أو مسؤولية شركائه عن العمليات التي نُفذت في القارة الأوروبية وكندا. وتكشف هذه التسجيلات عن هيكلية القيادة والسيطرة التي كان يدير من خلالها المتهم خلايا العمليات الخارجية التابعة للتنظيم.

ويقبع السعدي حالياً في الحبس الاحتياطي بانتظار استكمال إجراءات محاكمته التي قد تفضي إلى عقوبات بالسجن المؤبد في حال إدانته. وتأتي هذه القضية لتسلط الضوء من جديد على الصراع الأمني المحتدم بين واشنطن والفصائل المسلحة في الشرق الأوسط.

وختمت وزارة العدل بيانها بالتأكيد على استمرار الجهود لملاحقة كافة الأفراد المتورطين في تهديد الأمن القومي الأمريكي. وتعتبر هذه القضية واحدة من أبرز النجاحات الأمنية التي يعلن عنها مكتب التحقيقات الفدرالي في مواجهة ما يصفه بالإرهاب العابر للحدود.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 3:37 صباحًا - بتوقيت القدس

في ذكرى النكبة الـ78.. عواصم عالمية ومدن عربية تنتفض دعماً لغزة وحق العودة

خرجت حشود جماهيرية في عواصم ومدن عالمية وعربية، يوم الجمعة، لإحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، في حراك شعبي واسع يربط بين مأساة التهجير الأولى وما يتعرض له قطاع غزة حالياً. ورفعت في هذه المسيرات الأعلام الفلسطينية واللافتات التي تؤكد على حق العودة، منددة باستمرار الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.

في العاصمة اليونانية أثينا، تجمع المتظاهرون في وقفة احتجاجية أمام مقر السفارة الإسرائيلية، تعبيراً عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني في ذكرى تهجيره القسري عام 1948. وقد واجهت شرطة مكافحة الشغب اليونانية المحتجين بانتشار مكثف خارج مبنى السفارة، بينما أصر المشاركون على إيصال رسالتهم الرافضة للاحتلال.

أما في ألمانيا، فقد احتضنت مدينة هانوفر تجمعاً مؤيداً للقضية الفلسطينية أمام مبنى البلدية الجديدة، حيث شارك المئات في فعاليات إحياء يوم النكبة. وأكد المشاركون في كلماتهم على ضرورة محاسبة الاحتلال على جرائمه المستمرة منذ عقود، مطالبين بوقف الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل.

وشهدت العاصمة النمساوية فيينا مظاهرات صاخبة تزامنت مع ذكرى النكبة، حيث رفع المحتجون شعار 'لا مسرح للإبادة الجماعية'. وعبّر المتظاهرون عن رفضهم القاطع لمشاركة إسرائيل في مسابقة 'يوروفيجن'، معتبرين ذلك محاولة لتبييض صورة الاحتلال أمام الرأي العام العالمي في ظل ما يجري في غزة.

وفي فنلندا، انطلقت مسيرة حاشدة من ساحة محطة القطارات المركزية في هلسنكي تحت عنوان 'مسيرة من أجل فلسطين'. وجاءت هذه الفعالية بتنظيم من شبكة صمود الفنلندية، حيث ركزت الكلمات الملقاة على مرور 78 عاماً من الصمود الفلسطيني في وجه محاولات المحو والتهجير.

المدن الهولندية كانت حاضرة بقوة في هذا اليوم، حيث شهدت أمستردام أمسية تضامنية في كنيسة دومينيكوس، تخللتها شهادات حول النكبة المستمرة. كما نظمت احتجاجات صامتة في مدينتي أوتريخت وأبلدورن، رفع خلالها المشاركون لافتات تطالب بالعدالة والحرية لفلسطين.

وفي مدينة روتردام الهولندية، سار المتظاهرون في موكب صامت انطلق من وسط المدينة، تعبيراً عن الحزن والاحتجاج على المجازر المستمرة. وجمعت المسيرة أطيافاً مختلفة من المجتمع الهولندي والمقيمين، الذين أكدوا على تضامنهم الكامل مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وبالانتقال إلى أستراليا، شهدت مدينة سيدني فعالية كبرى أمام مبنى البلدية ضمن احتجاج وطني شامل بمناسبة يوم النكبة. وربط المنظمون في كلماتهم بين نكبة عام 1948 وعمليات التهجير القسري وتدمير المنازل التي تجري اليوم في قطاع غزة، داعين المجتمع الدولي للتدخل العاجل.

وفي القارة الآسيوية، شهدت مدينة كراتشي الباكستانية مسيرة ضخمة أحيا خلالها المشاركون ذكرى النكبة، معلنين دعمهم المطلق للمقاومة الفلسطينية. ورفع المتظاهرون شعارات مناهضة للاحتلال الإسرائيلي، مؤكدين أن قضية فلسطين هي قضية الأمة الإسلامية المركزية التي لا يمكن التنازل عنها.

وعلى الصعيد العربي، شهدت المملكة المغربية موجة من المظاهرات والوقفات التضامنية التي شملت عشرات المدن استجابة لدعوات هيئات مدنية. وطالب آلاف المغاربة في الرباط والدار البيضاء وطنجة بوقف كافة أشكال التطبيع مع إسرائيل، مؤكدين أن الشعب المغربي سيظل سنداً دائماً لغزة والقدس.

وفي تونس، جابت مسيرة حاشدة شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، بدعوة من الشبكة التونسية للتصدي لمنظومة التطبيع. وردد المشاركون هتافات قوية تدعم خيار المقاومة وتؤكد أن 'البندقية هي الطريق الوحيد للتحرير'، معربين عن فخرهم بصمود الشعب الفلسطيني في وجه آلة الحرب الإسرائيلية.

أما في لبنان، فقد أحيا اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات ذكرى النكبة بفعاليات وطنية أكدت على التمسك بحق العودة المقدس. وفي مخيم البداوي شمالاً، شدد المتحدثون على أن مرور العقود لم يزد الأجيال الفلسطينية إلا إصراراً على العودة إلى قراهم ومدنهم التي هُجروا منها قسراً.

وفي العاصمة الأردنية عمان، انطلقت مسيرة كبرى من أمام المسجد الحسيني شارك فيها أكثر من ألفي شخص تحت شعار 'المقاومة هي طريق العودة'. وندد المشاركون بالانحياز الأمريكي للاحتلال، مطالبين بإلغاء الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل وفتح الممرات الإنسانية لإغاثة المحاصرين في قطاع غزة.

تأتي هذه التحركات العالمية والعربية الواسعة لتؤكد أن ذكرى النكبة هذا العام تكتسب زخماً إضافياً بسبب العدوان الوحشي على غزة. وأجمع المشاركون في مختلف القارات على أن نضال الشعب الفلسطيني هو نضال واحد من أجل الحرية والكرامة، وأن حق العودة سيبقى المحرك الأساسي للهوية الوطنية الفلسطينية.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

متحف إسطنبول الفلسطيني: 14 ألف عام من التاريخ تفند روايات الاحتلال

في قلب مدينة إسطنبول التركية، يقف 'المتحف الفلسطيني' كحصن منيع للهوية وحائط صد أمام محاولات محو التاريخ وتزييف الوعي. يدير هذا الصرح الثقافي إبراهيم العلي، الذي يسعى من خلاله إلى تقديم رواية فلسطينية متماسكة تواجه المشروع الإحلالي الذي يعمل على انتزاع أصحاب الأرض وإحلال الغرباء مكانهم.

تتزامن أهمية هذا المتحف مع مرور 78 عاماً على النكبة الفلسطينية، في وقت يعيش فيه الشعب الفلسطيني فصولاً جديدة من التهجير والإبادة في قطاع غزة والضفة الغربية. إن المعروضات لا تكتفي بكونها قطعاً صامتة، بل هي شهادات حية توثق الحق الفلسطيني الضارب في عمق التاريخ منذ آلاف السنين.

داخل 'غرفة الحكاية'، يخوض المتحف حرب الرواية عبر تفنيد واحدة من أكبر الأكاذيب التاريخية وهي فرية 'بيع الفلسطيني لأرضه'. تبدأ هذه الرحلة التاريخية من الحضارة النطوفية التي تعود إلى 14 ألف عام قبل الميلاد، وصولاً إلى التطورات الميدانية والسياسية المعاصرة التي تشهدها الأراضي المحتلة.

يستعرض المتحف خرائط تفصيلية توضح التآكل الممنهج للأراضي الفلسطينية، حيث كانت ملكية الفلسطينيين تزيد عن 94% قبيل عام 1947، لتنحسر تدريجياً بفعل الاحتلال. هذه الخرائط تمثل دليلاً بصرياً قاطعاً على أن الصراع في جوهره هو صراع وجود ورواية تاريخية لا تقبل القسمة.

تجسد 'الزنزانة الانفرادية' داخل المتحف معاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وهي مستوحاة من تجربة الأسير حسن سلامة. تضع هذه المحاكاة الزائر في قلب القهر الإنساني، مستندة إلى تفاصيل ذكرها سلامة في كتابه الشهير الذي يوثق آلاف الأيام التي قضاها في عالم البرزخ خلف القضبان.

وفي جناح 'الشهداء ليسوا أرقاماً'، يركز المتحف على الجانب الإنساني لضحايا حرب الإبادة الحالية في قطاع غزة، موثقاً أسماء الأطفال والصحفيين والأطباء. يهدف هذا الجناح إلى تحويل الأرقام الصماء في تقارير الأخبار إلى قصص إنسانية تعكس حجم المأساة والجرائم المرتكبة بحق المدنيين.

تتميز مقتنيات المتحف بأنها 'شهود عيان' مادية تم جمعها من مخيمات الشتات، مثل قالب كعك خشبي حملته عائلة مهجرة من مخيم عين الحلوة عام 1948. هذه الأدوات البسيطة، من أوانٍ نحاسية وعقود زواج صدرت في حيفا عام 1942، تثبت أن المجتمع الفلسطيني كان منظماً ومستقراً قبل وقوع الكارثة.

يؤكد مؤسس المتحف أن هذه المقتنيات التراثية، بما تشمله من فنون التطريز والمطبخ الفلسطيني كالمقلوبة والمنسف، هي أطول عمراً من عمر الاحتلال نفسه. وتعد هذه القطع رداً مباشراً على محاولات السرقة الثقافية التي يمارسها الاحتلال لنسب التراث الفلسطيني لنفسه أمام المجتمع الدولي.

يعرض المتحف أيضاً وثائق 'الكوشان' التي تثبت ملكية الأرض والدار، بالإضافة إلى جوازات السفر الفلسطينية القديمة التي سبقت قيام كيان الاحتلال. كما يخصص ركناً للعهد العثماني، مستذكراً مواقف السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض المساومة على فلسطين رغم الضغوط الدولية الكبيرة في ذلك الوقت.

تختتم الجولة في 'المضافة الفلسطينية' حيث يجتمع الزوار من مختلف الجنسيات حول جرن القهوة، في مشهد يجسد وحدة القضية الفلسطينية واعتبارها قضية الأمة المركزية. وتبرز 'المفاتيح' التي يحتفظ بها اللاجئون كرمزية قوية للإصرار على حق العودة الذي ينتقل من الأجداد إلى الأحفاد.

تشير أحدث الإحصائيات الواردة في المتحف إلى أن عدد الفلسطينيين حول العالم وصل إلى 15.5 مليون نسمة بحلول عام 2026. ويتوزع هذا العدد بين 7.4 ملايين داخل فلسطين التاريخية و8.1 ملايين في الشتات، مما يؤكد أن الشعب الفلسطيني رغم التهجير لا يزال متمسكاً بجذوره وعدده في تزايد مستمر.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بين مرارة اللجوء وتهديدات الحاضر: مخيم البص يستحضر ذاكرة النكبة في ذكراها الـ78

لم تنجح ثمانية عقود من الزمن في محو تفاصيل النكبة من ذاكرة سكان مخيم البص للاجئين الفلسطينيين في مدينة صور اللبنانية. يعيش اللاجئون اليوم مزيجاً من ألم الذكرى الـ78 للتهجير، وقسوة الواقع المتمثل في التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة التي تلوح بموجات نزوح جديدة تعيد للأذهان مشهد الخروج الأول عام 1948.

تشهد منطقة صور حالة من التوتر الميداني دفعت أعداداً كبيرة من السكان للبحث عن ملاذات آمنة، حيث استقبل مخيم البص نازحين جدداً رغم محدودية موارده وضيق مساحته. هذا التوافد وضع الصمود الجماعي لأبناء المخيم أمام اختبار صعب، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وانعدام شبه كامل لفرص العمل والمقومات الأساسية.

أفادت مصادر ميدانية بأن أجواء المخيم يسودها قلق دائم تغذيه أصوات الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي لا تغادر سماء المنطقة على مدار الساعة. ورغم هذه الضغوط الأمنية والمضايقات المتواصلة، يتمسك اللاجئون بالبقاء في أماكن لجوئهم المؤقت، مستمدين قوتهم من حكايات الصمود التي توارثوها عن أجدادهم الذين واجهوا العصابات الصهيونية إبان النكبة.

تروي إحدى الحاجات المسنات في المخيم تفاصيل قريتها التي هُجرت منها وهي في الثالثة عشرة من عمرها، مؤكدة أنها لا تزال تحفظ معالمها داراً بدار. تستذكر السيدة بمرارة كيف فقدت شقيقها الذي دهسته عربة عسكرية تابعة للاحتلال، لتكمل رحلة شتاتها يتيمة من صفد إلى طبريا وصولاً إلى الساحل اللبناني.

تستحضر الذاكرة الفلسطينية ليلة الخروج القسري، حين طمأنهم البعض بأن العودة ستكون خلال يومين فقط، لتبدأ رحلة تيه استمرت عقوداً. من الناقورة الحدودية إلى مخيمات الرشيدية ثم البص، تنقلت العائلات الفلسطينية تحت وطأة الطرد الممنهج، لكن الحلم بالعودة ظل ثابتاً لا يتزعزع رغم مرور السنين.

تؤكد ابتسام الجمل، وهي من الجيل الثاني للاجئين أن المخيم يفتح ذراعيه للنازحين الجدد رغم شح الإمكانيات، معتبرة ذلك واجباً وطنياً وإنسانياً. وتضيف أن الألم اليوم مضاعف، حيث يمتزج ثقل الذاكرة التاريخية مع قسوة الحاضر الذي يهدد ما تبقى من استقرار مؤقت في بلاد اللجوء.

من جانبه، يستذكر الحاج محمد عبد المجيد زيداني، المنحدر من قرية الدامون بقضاء عكا، رحلة والده الذي اعتقل في سجن عتليت خلال عامي النكبة. زيداني الذي ولد في لبنان، زار قريته عام 1995 ليجدها ركاماً من الأحجار، لكنه لا يزال يحفظ أشعار الرثاء التي قيلت في 'عروس الساحل' وبداية الجليل.

تشير البيانات الرسمية لجهاز الإحصاء الفلسطيني إلى أن النكبة تسببت في تشريد نحو 957 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم التي تجاوز عددها 1300 تجمع سكاني. هؤلاء المهجرون توزعوا بين الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، إضافة إلى آلاف الفلسطينيين الذين تعرضوا لتهجير داخلي قسري.

وتوثق التقارير التاريخية ارتكاب العصابات الصهيونية لأكثر من 70 مجزرة مروعة خلال أحداث عام 1948، مما أسفر عن ارتقاء ما يزيد على 15 ألف شهيد. وقد أدت هذه السياسة الممنهجة إلى سيطرة الاحتلال على أكثر من 85% من مساحة فلسطين التاريخية، في محاولة فاشلة لطمس الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 3:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد يومين من استشهاد والده.. الشاب تامر المطوق يلتحق بقافلة الشهداء في جباليا

أفادت مصادر محلية باستشهاد الشاب تامر إياد المطوق جراء غارة شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على منطقة جباليا شمال قطاع غزة. وتأتي هذه الواقعة الأليمة في ظل تصاعد وتيرة القصف الجوي والمدفعي الذي يستهدف التجمعات السكنية والمدنيين في المناطق الشمالية للقطاع بشكل مكثف.

وتضاعفت مأساة عائلة المطوق برحيل نجلها تامر، حيث لم يمضِ سوى يومين فقط على استشهاد والده إياد المطوق في هجوم سابق. وقد أثار نبأ استشهاده حالة من الحزن العميق في صفوف المواطنين الذين شيعوا جثمانه وسط دعوات تندد بالجرائم المستمرة بحق العائلات الفلسطينية.

وتعيش منطقة جباليا ومخيمها ظروفاً إنسانية وأمنية بالغة القسوة، حيث تواصل الطائرات الحربية استهداف المربعات السكنية مما يؤدي إلى إبادة عائلات بأكملها ومسحها من السجل المدني. وتعتبر قصة عائلة المطوق نموذجاً متكرراً للمعاناة اليومية التي يكابدها سكان شمال غزة في ظل الحصار المطبق والقصف المتواصل.

ويؤكد شهود عيان أن القصف الذي استهدف المنطقة كان مفاجئاً وعنيفاً، مما أدى إلى وقوع إصابات وضحايا بين المدنيين العزل. وتستمر هذه الاستهدافات في وقت تفتقر فيه المنطقة لأدنى مقومات الرعاية الطبية والدفاع المدني نتيجة التدمير الممنهج للبنية التحتية والمرافق الصحية.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 2:38 صباحًا - بتوقيت القدس

حكومة علي الزيدي في العراق: رهان التوازنات بين واشنطن والإطار التنسيقي

برز اسم علي الزيدي على الساحة السياسية العراقية بشكل مفاجئ، حيث لم يسبق تداول اسمه في أروقة اجتماعات الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم قبل ترشيحه الرسمي. وجاء التصويت الجزئي على كابينته الوزارية ليعكس حالة من الاستعجال السياسي لترتيب مرحلة جديدة يراها البعض مشابهة لظروف ما قبل عام 2003.

تتطلع الإدارة الأمريكية، وفقاً لتصريحات البيت الأبيض، إلى أن تكون حكومة الزيدي قادرة على بناء مستقبل مستقر وخالٍ من الإرهاب. وقد عكس الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزيدي رغبة واشنطن في فتح فصل جديد من العلاقات القائمة على الازدهار المشترك.

وصفت مصادر سياسية المكالمة التي جرت في الثلاثين من نيسان الماضي بأنها 'قنبلة سياسية' هزت أركان الإطار التنسيقي. حيث تضمنت الشروط الأمريكية ضرورة تفكيك الحشد الشعبي والابتعاد عن النفوذ الإيراني، مما أدى لانسحابات مفاجئة من المفاوضات السياسية.

يواجه الزيدي معضلة حقيقية في التعامل مع الفصائل المسلحة التي كانت جزءاً من القوى التي رشحته للمنصب. فبينما تطالب واشنطن بحصر السلاح بيد الدولة، تضمن منهاجه الحكومي فقرات صريحة تدعو لتطوير قدرات الحشد الشعبي القتالية وتعزيز دوره الأمني.

تحركات الزيدي نحو أربيل ولقاؤه بالقيادات الكردية تهدف إلى حلحلة الملفات العالقة، وعلى رأسها أزمة رواتب الموظفين. إلا أن اصطحابه لشخصيات قيادية من الحشد الشعبي في هذه الزيارة قد يرسل إشارات متناقضة للإدارة الأمريكية حول توجهاته الحقيقية.

تثار تساؤلات جدية حول السيادة العراقية في ظل التقارير التي تتحدث عن تدخلات خارجية وتحكم في القرار السيادي. وزاد من تعقيد المشهد ما نشرته تقارير صحفية دولية حول وجود أنشطة عسكرية أجنبية في مناطق صحراوية دون رد فعل واضح من الحكومة السابقة.

يمثل التيار الصدري رقماً صعباً في معادلة نجاح الزيدي، خاصة بعد الشروط الستة التي وضعها مقتدى الصدر لنيل رضا الشارع. وتتضمن هذه الشروط دمج الفصائل المسلحة تحت سلطة الدولة واستبعاد أي جهة تملك جناحاً عسكرياً من التشكيلة الحكومية.

حدد الصدر مهلة زمنية لا تتجاوز 90 يوماً للقضاء على ملفات الفساد الكبرى، وهو تحدٍ يضع الزيدي في مواجهة مباشرة مع حيتان المال. إن نجاح الحكومة في هذا الملف يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المحاصصة الحزبية التقليدية التي كبلت الحكومات السابقة.

تشير تسريبات من داخل الغرف المغلقة إلى أن الزيدي قدم تعهدات مكتوبة لقادة الإطار التنسيقي تضمن عدم خروجه عن الخطوط العريضة المرسومة له. وتشمل هذه التعهدات عدم تشكيل حزب سياسي خاص به أو المنافسة في الانتخابات التشريعية المقبلة.

يرى مراقبون أن الزيدي، بصفته رجل أعمال ناجح، قد يحاول استخدام خبرته الاقتصادية لانتشال العراق من أزماته المعيشية. لكن العوائق السياسية والأمنية تبدو أكثر ضخامة من القدرات الاقتصادية الفردية في ظل بيئة سياسية متلاطمة الأمواج.

تظل معضلة الدستور العراقي والفقرات المتعلقة بصلاحيات القائد العام للقوات المسلحة من الملفات التي تحتاج إلى معالجة جذرية. فإدارة المنظومة العسكرية تتطلب مهنية عالية بعيداً عن التجاذبات السياسية التي أضعفت مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية.

إن عودة العراق إلى محيطه العربي ومعالجة ملفات المهجرين وأحكام الإعدام المثيرة للجدل تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استقلالية القرار الحكومي. فبدون حل هذه القضايا المجتمعية، ستبقى الحكومة عرضة للاهتزازات وفقدان الثقة الشعبية.

يبدو أن الزيدي يحاول اللعب على التناقضات بين واشنطن وطهران، وهو أسلوب 'اللعب بالبيضة والحجر' الذي قد لا يدوم طويلاً. فالمطالب الدولية تتصادم بشكل مباشر مع مصالح القوى المحلية المسلحة التي ترفض التخلي عن نفوذها.

في الختام، فإن عمر حكومة الزيدي قد يكون قصيراً إذا لم يستطع إيجاد توازن دقيق بين الضغوط الخارجية والمطالب الداخلية. الأيام القادمة ستكون المرآة التي تكشف ما إذا كان الزيدي قادراً على التحول من واجهة سياسية إلى رجل دولة يمتلك زمام المبادرة.

عربي ودولي

السّبت 16 مايو 2026 1:53 صباحًا - بتوقيت القدس

الصومال يدخل 'مرحلة انتقالية' وسط أزمة دستورية وتهديدات ببرلمان موازٍ

أعلنت الحكومة الصومالية رسمياً دخول البلاد في 'مرحلة انتقالية' اعتباراً من اليوم الجمعة، وذلك تزامناً مع انتهاء الولاية القانونية للرئيس حسن شيخ محمود. يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه الساحة السياسية تعثراً كبيراً في التوصل إلى اتفاق نهائي مع قوى المعارضة حول آليات تنظيم الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وأفادت مصادر بأن جولات الحوار السياسي التي عُقدت مؤخراً لم تسفر عن أي نتائج ملموسة، مما أدى إلى تعميق الفجوة بين الأطراف المتنازعة. وتتركز الخلافات الجوهرية حول شكل النظام الانتخابي الجديد ومستقبل العملية الديمقراطية في ظل الانقسامات الحادة التي تعصف بالبلاد.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود قد دفع باتجاه خطة طموحة تهدف إلى استبدال نظام المحاصصة القبلية التقليدي بنظام الاقتراع العام المباشر. ويرى الرئيس أن هذه الخطوة ضرورية لتعزيز المسار الديمقراطي ومنح المواطنين حقهم الأصيل في اختيار ممثليهم بعيداً عن هيمنة شيوخ القبائل.

في المقابل، قوبلت هذه التوجهات باعتراضات شديدة من قوى سياسية وإقليمية وازنة، رأت في المقترح الحكومي محاولة لفرض مركزية سياسية تقوض التوازنات القبلية التاريخية. وتعتبر المعارضة أن الظروف الأمنية والسياسية الراهنة لا تسمح بالانتقال الفوري إلى نظام الاقتراع المباشر دون توافق وطني شامل.

وتتزامن هذه الأزمة السياسية مع تحديات أمنية جسيمة، حيث لا تزال أجزاء واسعة من الأراضي الصومالية تحت سيطرة حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة. وقد تسبب هذا النفوذ المسلح في تعطيل أي تقدم حقيقي في ملف الانتخابات، وحصر العملية السياسية في نطاقات جغرافية محدودة للغاية.

وعلى الصعيد الدولي، بذلت الولايات المتحدة وبريطانيا جهوداً دبلوماسية مكثفة خلال الأيام الماضية لتقريب وجهات النظر بين الحكومة والمعارضة. ورغم هذا الدعم الدولي، انتهت المحادثات دون التوصل إلى صيغة مشتركة، مما زاد من حالة الانسداد السياسي والمخاوف من تدهور الأوضاع الميدانية.

وأكدت الحكومة في بيانها الأخير التزامها بمسار الإصلاح السياسي وبناء نظام ديمقراطي شامل رغم كل العقبات القائمة. وأشارت إلى أن النقاشات مع المعارضة كشفت عن مواقف تتعارض مع حق المواطنين الدستوري في التصويت والترشح، وهو ما ترفضه السلطة التنفيذية.

من جهتها، لوحت المعارضة الصومالية باتخاذ خطوات تصعيدية قد تشمل إطلاق عملية سياسية موازية وتشكيل برلمان جديد للضغط على الرئاسة. وحذر عبد الرحمن ظاهر عثمان، المتحدث باسم حزب 'حركة التغيير'، من أن استمرار التفرد بالقرار قد يجر البلاد إلى مواجهات مسلحة لا تحمد عقباها.

ويستند الرئيس محمود في استمراره بالسلطة إلى تعديلات دستورية أقرها البرلمان في مارس الماضي، تمنحه عاماً إضافياً لتنظيم الانتخابات. إلا أن المعارضة ترفض هذه التعديلات جملة وتفصيلاً، وتعتبرها فاقدة للشرعية القانونية والتوافقية، مما يضع الصومال أمام سيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 1:22 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد في الضفة والقدس: شهيد واعتداءات على المساجد واقتحامات استفزازية للأقصى

شهدت مدن الضفة الغربية والقدس المحتلة تصعيداً ميدانياً خطيراً تزامناً مع الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، حيث واصلت قوات الاحتلال والمستوطنون سلسلة من الانتهاكات الممنهجة. وأسفرت هذه الاعتداءات عن ارتقاء شهيد فلسطيني في محافظة نابلس، تزامناً مع اعتداءات طالت دور العبادة واستفزازات واسعة في محيط المسجد الأقصى المبارك.

وفي تفاصيل الميدان، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن استشهاد فتى يبلغ من العمر 15 عاماً، عقب إصابته برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في بلدة اللبن الشرقية جنوب نابلس. وتأتي هذه الجريمة في سياق استهداف مباشر للمدنيين الفلسطينيين في مختلف القرى والبلدات التي تشهد اقتحامات يومية من قبل آليات الاحتلال.

وفي انتهاك صارخ لحرمة المساجد، اقتحمت قوات الاحتلال مسجداً في مدينة نابلس أثناء تأدية المواطنين لصلاة الجمعة، حيث أجبر الجنود المصلين على قطع صلاتهم وإخلاء المكان. وأظهرت توثيقات مصورة جندياً مدججاً بالسلاح وهو يدفع الإمام والمصلين داخل المسجد، مما حال دون إتمام الشعائر الدينية في مشهد يعكس حجم الاستهداف للمقدسات.

ولم تتوقف اعتداءات المستوطنين عند هذا الحد، بل أقدمت مجموعات متطرفة على إضرام النار في مسجد بقرية جيبيا شمال غرب رام الله، مما أدى لاندلاع حريق في قبو المسجد وتضرر عدد من المركبات الفلسطينية المجاورة. وتنفذ هذه المجموعات هجمات منظمة تحت حماية جيش الاحتلال الذي غالباً ما يتجاهل بلاغات المواطنين حول هذه الجرائم.

وفي محافظة جنين، اقتحم مستوطنون أراضي زراعية في قرية رابا شرق المدينة، مصطحبين معهم قطعان الأبقار في محاولة لفرض واقع استيطاني جديد وتخريب المحاصيل. وتزامن ذلك مع قيام جرافات الاحتلال بشق طرق استيطانية وتجريف مساحات واسعة في جبل المسالمة المحيط بالقرية لربط البؤر الاستيطانية ببعضها البعض.

أما في القدس المحتلة، فقد حولت سلطات الاحتلال البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية، حيث نشرت نحو 14 ألف عنصر أمن لتأمين ما يسمى بـ 'مسيرة الأعلام'. وأغلقت الشرطة أبواب المسجد الأقصى، وتحديداً باب الأسباط وباب الملك فيصل، ومنعت المئات من المصلين من الوصول إلى باحات المسجد لتأدية الصلاة.

وقاد الحاخام المتطرف إسرائيل أريئيل، مؤسس 'معهد الهيكل'، حفلاً استفزازياً أمام باب الأسباط، تخلله رقصات وعزف على الآلات الموسيقية ورفع لرايات الهيكل المزعوم. وجاءت هذه الفعالية بمناسبة الذكرى السنوية لاحتلال شرقي القدس وفق التقويم العبري، وسط هتافات عنصرية أطلقها المشاركون ضد العرب والمقدسيين.

وفي خطوة تصعيدية، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير المسجد الأقصى رفقة مئات المستوطنين، وقام برفع العلم الإسرائيلي داخل باحاته في تحدٍ واضح للمشاعر الإسلامية. وردد المستوطنون خلال مسيرتهم في منطقة باب العمود شعارات تحريضية تدعو لحرق القرى الفلسطينية وقتل العرب، وسط حماية أمنية مشددة.

وأثارت هذه التحركات موجة من الإدانات العربية والدولية، حيث حذرت مصادر دبلوماسية من مغبة تحويل الصراع السياسي إلى مواجهة دينية مفتوحة. واعتبرت دول عربية أن هذه الاستفزازات تمثل خرقاً صريحاً للوضع التاريخي والقانوني القائم في مدينة القدس المحتلة ومقدساتها.

من جانبها، أدانت وزارة الخارجية القطرية اقتحام بن غفير للأقصى، واصفة إياه بالانتهاك الصارخ للقانون الدولي ومحاولة لفرض أمر واقع جديد في القدس. وأكدت الدوحة في بيان لها أن هذه التصرفات تمثل استفزازاً مرفوضاً لمشاعر ملايين المسلمين حول العالم وتزيد من حدة التوتر في المنطقة.

وفي السياق ذاته، استنكرت الخارجية الأردنية الممارسات الاستفزازية للمستوطنين ورفع الأعلام الإسرائيلية في باحات الأقصى، مشددة على ضرورة احترام الوصاية الهاشمية. كما أدانت مصر واليمن هذه الاقتحامات، واعتبرتها تقويضاً لفرص السلام وتعدياً سافراً على حرمة الأماكن المقدسة التي يجب أن تظل بعيدة عن التجاذبات السياسية.

وتشير بيانات السلطة الفلسطينية إلى أن عدد الشهداء في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 قد تجاوز 1071 شهيداً، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء. وتتزايد هذه الأرقام في ظل استمرار سياسة الإعدامات الميدانية التي ينتهجها جيش الاحتلال والمستوطنون المسلحون في مختلف المحافظات.

ويعيش في الضفة الغربية حالياً أكثر من نصف مليون مستوطن يتوزعون على بؤر استيطانية تعتبر غير شرعية بموجب القانون الدولي، مما يفاقم من معاناة الفلسطينيين. ويسعى الاحتلال من خلال هذه السياسات إلى تهويد مدينة القدس وطمس هويتها العربية، وسط صمود فلسطيني مستمر في مواجهة هذه المخططات.

أقلام وأراء

السّبت 16 مايو 2026 12:37 صباحًا - بتوقيت القدس

جيل الحرب في سوريا: قنبلة موقوتة تهدد مستقبل السلم المجتمعي

تتجاوز آثار الحروب والصراعات الدمار المادي والاقتصادي لتطال البنية النفسية والأخلاقية للإنسان، وهو ما يتجلى بوضوح في الحالة السورية. إن الجيل الذي تفتحت مداركه وسط أصوات المدافع وفوضى السلاح يواجه اليوم أزمة هوية وانتماء، حيث تشكل وعيه بعيداً عن مؤسسات الدولة والأسرة والمدرسة، مما جعل من قوانين الغابة والقوة البديلة للحق والمنطق.

إن من كان طفلاً في بداية الأحداث السورية بات اليوم شاباً في مقتبل العمر، لكنه يحمل إرثاً ثقيلاً من سنوات التكوين التي خلت من منظومات الردع والقيم العامة. هذا الواقع أنتج سلوكيات عدائية تظهر بوضوح في الفضاء الرقمي، حيث يسود خطاب التخوين والشتائم والاستهانة بالقيم، وهو ما يعكس اضطراباً اجتماعياً عميقاً يتجاوز مجرد كونه 'تنفيسًا' عن الغضب أو ممارسة لحرية التعبير.

تكمن الخطورة الكبرى في تحول هذا الجيل من ضحية للظروف إلى منتج للفوضى إذا لم يتم تدارك الأمر عبر برامج إعادة تأهيل حقيقية. إن التبرير المستمر لهذه السلوكيات بذريعة 'ظروف الحرب' يساهم في إزالة الحواجز النفسية أمام الانحدار الأخلاقي الكامل، ويجعل من الجريمة والوقاحة أمراً مقبولاً سياقياً، مما يعيق أي فرصة لبناء مجتمع صالح للإعمار في المستقبل.

إن الحل لا يتوقف عند الوعظ الأخلاقي، بل يتطلب تدخلاً مؤسساتياً حازماً يعيد الاعتبار للقانون كمرجعية وحيدة لا تقبل التفاوض. التجارب الدولية في دول مثل البوسنة والعراق تؤكد أن تجاهل الأثر النفسي والاجتماعي للحروب يؤدي حتماً إلى موجات عنف متجددة، لذا فإن المعركة الحقيقية اليوم تكمن في إعادة تعريف 'الطبيعي' بوصفه النظام والمسؤولية، وليس الفوضى والاستباحة.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 12:36 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تدرس توجيه أموال الضرائب الفلسطينية لتمويل 'مجلس السلام' وخطة ترمب لإعمار غزة

كشفت مصادر مطلعة عن دراسة تجريها الإدارة الأمريكية لمطالبة إسرائيل بتحويل جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية المحتجزة إلى 'مجلس السلام' الذي أسسه الرئيس دونالد ترمب. وتهدف هذه الخطوة إلى توفير التمويل اللازم لتنفيذ خطة واشنطن لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، والتي تواجه تحديات مالية وسياسية كبيرة.

وأفادت التقارير بأن إدارة ترمب لم تتخذ بعد قراراً نهائياً بشأن تقديم طلب رسمي للجانب الإسرائيلي بهذا الخصوص، إلا أن المباحثات لا تزال جارية خلف الكواليس. وتتضمن المقترحات المطروحة تقسيم الأموال بين حكومة انتقالية مدعومة أمريكياً في غزة، وبين السلطة الفلسطينية في رام الله شريطة تنفيذها حزمة إصلاحات شاملة.

وتشير تقديرات السلطة الفلسطينية إلى أن إجمالي الأموال التي تحتجزها إسرائيل من عائدات الضرائب (المقاصة) وصل إلى نحو 5 مليارات دولار. ويؤدي استمرار حجز هذه الأموال إلى تفاقم الأزمة المالية في الضفة الغربية، مما يهدد قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والخدمات العامة.

وفي سياق متصل، حذر مراقبون من أن إعادة توجيه هذه الأموال نحو خطة ترمب لإعادة الإعمار قد يؤدي إلى تهميش دور السلطة الفلسطينية بشكل كامل. وتأتي هذه التطورات في وقت تقدر فيه تكلفة خطة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، وهو مبلغ يسعى مجلس السلام لتأمينه من موارد مختلفة.

على الصعيد الميداني والسياسي، كشفت قيادات في الفصائل الفلسطينية عن ترتيبات لعقد اجتماع موسع في العاصمة المصرية القاهرة يوم الثلاثاء المقبل. ويهدف الاجتماع إلى تدارس مصير المفاوضات المتعلقة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وأكدت مصادر قيادية أن المفاوضات لا تزال تصطدم باشتراط إسرائيل وممثل قطاع غزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، نزع سلاح المقاومة كشرط أساسي للمضي قدماً. وترى الفصائل أن هذا الشرط يمثل عقبة كأداء أمام أي تقدم حقيقي، خاصة مع فشل الوسطاء في إلزام إسرائيل باستحقاقات المرحلة الأولى.

من جانبه، شدد وفد حركة حماس المفاوض على أن مسألة السلاح غير قابلة للتفاوض أو المقايضة تحت أي ظرف من الظروف. وأبلغت الحركة الوسطاء في القاهرة بأن التنازل عن السلاح يعني إنهاء مشروع المقاومة، وهو أمر لا يمكن لأي قيادي فلسطيني أن يقبل به أو يوقع عليه مهما بلغت الضغوط.

وفيما رفض مجلس السلام التعليق رسمياً على أنباء استخدام أموال الضرائب، أكد مسؤولون فيه ضرورة حشد كافة الموارد المتاحة لدعم خطة الإعمار. وتعتمد الخطة بشكل أساسي على خلق بيئة أمنية وسياسية جديدة في القطاع تضمن عدم العودة إلى مربع المواجهة العسكرية الشاملة.

يُذكر أن إسرائيل تقوم بتحصيل الضرائب على البضائع المستوردة للفلسطينيين بموجب اتفاقيات اقتصادية قديمة، إلا أنها تستخدم هذه الأموال كورقة ضغط سياسي. ويشكل حرمان الخزينة الفلسطينية من هذه التدفقات النقدية عصب الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تضرب كافة مناحي الحياة في الأراضي المحتلة.

فلسطين

السّبت 16 مايو 2026 12:06 صباحًا - بتوقيت القدس

فرنسا تبدأ إجراءات ترحيل الناشط الفلسطيني رامي شعث بدعوى تهديد النظام العام

أعلنت مصادر قانونية أن السلطات الفرنسية بدأت رسمياً في اتخاذ إجراءات قانونية تهدف إلى ترحيل الناشط السياسي الفلسطيني رامي شعث من أراضيها. وجاء هذا التحرك بعد أن صنفت دائرة نانتير شعث كـ 'تهديد خطير للنظام العام'، وهو ما يمهد الطريق لإنهاء إقامته في البلاد التي استقبلته قبل سنوات عقب الإفراج عنه من السجون المصرية.

وأفدت المحامية داميا طهراوي بأن الإدارة المحلية أبلغت فريق الدفاع بعزمها المضي قدماً في ملف الترحيل، حيث تم تحديد موعد لجلسة استماع أمام لجنة مختصة في الحادي والعشرين من مايو/أيار الجاري. ورغم تحديد هذا الموعد، حذرت المحامية من أن القوانين تتيح للسلطات إصدار أمر الترحيل وتنفيذه بشكل مفاجئ في أي توقيت تراه مناسباً.

تستند الرؤية الأمنية الفرنسية في هذا القرار إلى تقييم ينتقد النشاط السياسي المكثف لشعث منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023. وتتهم السلطات الناشط الفلسطيني بتوطيد علاقاته مع كيانات توصف بالمتشددة، من بينها منظمة 'أورجنس بالستين' التي ساهم في تأسيسها، والتي تنشط في تنظيم الفعاليات الاحتجاجية ضد الممارسات الإسرائيلية.

وتضمنت لائحة الاتهامات الموجهة لشعث تبني مواقف سياسية وُصفت بأنها 'راديكالية'، لا سيما فيما يتعلق بمعارضته لخطط وقف إطلاق النار وتعبيره عن آمال بتوسع الصراع إقليمياً. كما رصدت التقارير الأمنية تصريحاته في تظاهرات باريس، حيث وصف الاحتلال الإسرائيلي بـ 'الإجرامي' واتهم تل أبيب بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين الفلسطينيين.

من جانبه، رد رامي شعث، وهو نجل الوزير والمفاوض الفلسطيني السابق نبيل شعث، على هذه الإجراءات بالقول إنها محاولة واضحة لإسكات صوته السياسي. وأكد في تصريحات صحفية أنه لم يقم سوى بالمشاركة في فعاليات سلمية تطالب بوقف الإبادة الجماعية وفرض عقوبات دولية وحظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وهي مواقف يراها منسجمة مع مبادئه.

ويُعرف شعث بدوره البارز كأحد وجوه ثورة يناير في مصر، بالإضافة إلى كونه منسقاً لحركة المقاطعة الدولية (BDS) التي تدعو لسحب الاستثمارات من إسرائيل. وقد أمضى سابقاً نحو 900 يوم قيد الاعتقال في السجون المصرية بتهم تتعلق بالتحريض، قبل أن تتدخل الرئاسة الفرنسية لتأمين إطلاق سراحه ونقله إلى باريس في عام 2022.

تثير هذه الخطوة الفرنسية تساؤلات واسعة حول حدود حرية التعبير والنشاط السياسي للمدافعين عن الحقوق الفلسطينية في أوروبا. ويترقب المراقبون ما ستسفر عنه جلسة الاستماع المقبلة، في ظل ضغوط حقوقية تطالب بوقف إجراءات الترحيل وضمان حماية الناشط الذي لجأ إلى فرنسا بحثاً عن الأمان السياسي.

اسرائيليات

الجمعة 15 مايو 2026 11:37 مساءً - بتوقيت القدس

تضارب الروايات حول زيارة نتنياهو للإمارات: حدود التنسيق الأمني والمخاوف السياسية

سلط تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الضوء على حالة التضارب الدبلوماسي النادرة بين إسرائيل والإمارات، عقب نفي الأخيرة القاطع لزيارة سرية أعلن عنها بنيامين نتنياهو. ويعكس هذا التراشق الإعلامي حدود ما يمكن أن تتحمله دول الخليج من علاقات علنية مع مسؤول إسرائيلي بات يُنظر إليه كعامل عدم استقرار في المنطقة.

وكان نتنياهو قد صرح يوم الأربعاء بأنه أجرى رحلة غير معلنة إلى الإمارات خلال فترة المواجهة العسكرية مع إيران، حيث التقى برئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. ويعد هذا الإعلان الأول من نوعه الذي يكشف فيه نتنياهو عن لقاء مباشر مع الزعيم الإماراتي، مما أثار ضجة واسعة في الأوساط السياسية.

في المقابل، لم يتأخر الرد الإماراتي سوى ساعات قليلة، حيث أصدرت وزارة الخارجية بياناً حازماً نفت فيه التقارير المتداولة بشأن الزيارة المزعومة. وأكدت الوزارة عدم استقبال أي وفد عسكري إسرائيلي، في خطوة وصفها مراقبون بأنها نادرة جداً في بروتوكولات الدبلوماسية رفيعة المستوى بين الحلفاء.

ورغم النفي الرسمي، نقلت مصادر مطلعة أن اجتماعاً جرى بالفعل في 26 مارس الماضي، حيث رافق نتنياهو كبار المسؤولين الأمنيين في رحلته. وأشارت بيانات تتبع الرحلات الجوية إلى هبوط طائرتين خاصتين قادمتين من تل أبيب في مدينة العين الإماراتية، حيث مكثتا هناك نحو ست ساعات قبل العودة.

وعزز زيف أغمون، المتحدث السابق باسم نتنياهو، هذه الرواية بمنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي أكد فيه مشاركته في تلك الرحلة التي وصفها بالتاريخية. وأوضح أغمون أن الوفد الإسرائيلي حظي باستقبال رسمي رفيع في أبو ظبي، وهو ما استدعى نفياً إماراتياً متجدداً عند سؤال الوزارة عن هذه التفاصيل.

ويرى محللون أن الإمارات تفضل إبقاء قنوات التنسيق مع إسرائيل بعيدة عن الأضواء لتجنب الإحراج السياسي، خاصة في ظل الغضب الإقليمي من الحرب على غزة. واعتبرت مصادر مقربة من المسؤولين في أبو ظبي أن تسريب نتنياهو للمعلومات كان يهدف لخدمة أغراض سياسية داخلية قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

وتشير التقارير إلى أن التنسيق الأمني بين الطرفين وصل لمستويات متقدمة، شملت نشر منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية في الأراضي الإماراتية لأول مرة. ويهدف هذا التعاون العسكري إلى حماية الدولة الخليجية من التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية التي لا تزال تشكل خطراً رغم الهدنة الهشة.

وذكرت مصادر أن رئيس جهاز الموساد زار الإمارات مرتين على الأقل خلال حملة القصف الأخيرة على إيران لتنسيق العمليات المشتركة. كما أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن رئيس جهاز الأمن العام "الشاباك" أجرى هو الآخر زيارات سرية مماثلة في الأشهر الأخيرة لتعزيز التعاون الاستخباراتي.

وتبرز الحساسية الإماراتية تجاه نتنياهو بشكل خاص مقارنة بقادة إسرائيليين آخرين استضافتهم الدولة علناً في سنوات سابقة. فقد سبق وزار الإمارات كل من نفتالي بينيت ويائير لبيد، بالإضافة إلى زيارات متعددة قام بها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، دون أن تثير تلك الزيارات نفياً أو جدلاً.

ويعزو خبراء في الجغرافيا السياسية هذه الحساسية إلى النظرة السلبية تجاه شخص نتنياهو في المنطقة، خاصة مع صدور مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية. وتخشى دول المنطقة من أن الارتباط العلني بنتنياهو قد يصورها كأداة في يد حكومته التي توصف بالمتطرفة والقومية.

كما تسببت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا، وعمليات الاغتيال التي طالت قادة فصائل في عواصم عربية، في زيادة الفجوة السياسية. وينظر القادة العرب إلى تصرفات الحكومة الإسرائيلية الحالية باعتبارها تقويضاً لجهود الاستقرار الإقليمي التي تسعى دول الخليج للحفاظ عليها.

وفي سياق متصل، رفض الرئيس اللبناني مؤخراً لقاء نتنياهو، مشترطاً توقف الغارات الجوية الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية قبل أي حديث عن مفاوضات. وتعكس هذه المواقف المتصلبة صعوبة تسويق أي تقارب علني مع نتنياهو في ظل استمرار التصعيد العسكري في عدة جبهات.

ويبدو أن الإمارات تحاول الموازنة بين حاجتها للأنظمة الدفاعية الإسرائيلية المتطورة وبين التزاماتها السياسية تجاه القضايا العربية والإقليمية. فبينما يستمر التعاون التقني والأمني خلف الأبواب المغلقة، تظل الصورة العامة واللقاءات الرسمية مع نتنياهو خطاً أحمر لا ترغب أبو ظبي في تجاوزه حالياً.

ختاماً، يظهر هذا الخلاف أن الشراكة الأمنية لا تعني بالضرورة توافقاً سياسياً كاملاً، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات مثيرة للجدل مثل نتنياهو. وستبقى العلاقة بين الطرفين محكومة ببراغماتية أمنية عالية، يقابلها حذر سياسي شديد لتجنب التبعات الشعبية والدبلوماسية في العالم العربي.