تتحول لحظة وصول شاحنة المياه إلى مخيمات النازحين في قطاع غزة إلى خلية نحل تضج بالحركة والترقب، حيث يسارع الأطفال والنساء لتأمين حصصهم الضئيلة. في هذه البقعة الجغرافية المنهكة، صار صهريج المياه موعداً أسبوعياً مقدساً يعاد بناءً عليه جدولة كافة تفاصيل الحياة اليومية من طبخ وتنظيف واستحمام.
مع اشتداد حرارة الصيف، تصبح الحسابات داخل الخيمة الواحدة أكثر تعقيداً ودقة، إذ يتعين على العائلات إدارة كميات محدودة جداً من المياه. يراقب النازحون عملية التوزيع بحذر شديد، فكل قطرة لها ثمنها، وأي خطأ في التقدير قد يعني الحرمان من الاحتياجات الأساسية حتى موعد الشاحنة القادم.
الطفل كنان، البالغ من العمر تسعة أعوام، يمثل وجهاً من وجوه هذه المعاناة، حيث يزاحم بجسده النحيل للحصول على حصة عائلته المكونة من 11 فرداً. نزحت عائلة كنان من مدينة بيت حانون، وهي تعتمد كلياً على هذه الشحنة الأسبوعية التي تتدبر من خلالها أمور حياتها القاسية في ظل ظروف النزوح.
تتضاعف مأساة كنان كونه يعاني من مرض عصبي وإصابات ناتجة عن قصف سابق، مما يجعل حاجته للماء النظيف لتناول الدواء أولوية قصوى. تضطر والدته نعمة لإجراء مفاضلات صعبة، حيث تقتطع من حصص الغسيل والطبخ لتضمن توفير مياه كافية لابنها المريض الذي يفتقر للعلاج المتخصص.
داخل الخيمة، تبدو الجالونات والبراميل السوداء كأنها مخازن استراتيجية للحياة، حيث يتم تخصيص كل وعاء لغرض محدد سلفاً. تقول مصادر محلية إن العائلات تضع خططاً دقيقة لتقسيم الثماني قِرب التي تحصل عليها، بحيث تغطي الشرب والطبخ والنظافة الشخصية على مدار سبعة أيام كاملة.
وفي خيمة أخرى، تعيش عائلة علاء القبج تجربة مشابهة، حيث تتحول عبوات المياه إلى خريطة زمنية لأسبوع كامل من الصمود. تقوم زوجته فرح بتوزيع المياه بدقة متناهية، مخصصة قدراً للشرب وآخر للطبخ، بينما يذهب القليل المتبقي لغسل الأطفال وتنظيف الأواني المتراكمة.
عند وصول الصهريج، يتحول المكان إلى ساحة سباق مع الزمن، حيث يسعى الجميع لملء أوعيتهم قبل مغادرة الشاحنة. يصف النازحون هذه الدقائق بأنها جزء من معركة البقاء اليومية، حيث يشارك الأب والأم والأطفال في نقل المياه وتخزينها بحرص شديد داخل زوايا خيمتهم الضيقة.
نقلل الماء عن الطبخ والغسيل، ونوفرها للدواء الخاص بطفلي المريض قبل كل شيء.
بمجرد اكتمال عملية التعبئة، تبدأ فرح في إنجاز المهام المؤجلة، فتشعل النار لطهي الطعام وتغسل الأواني التي انتظرت طويلاً. في هذه اللحظات، ينكشف حجم الأعباء التي يفرضها غياب المياه، حيث يصبح الاستحمام أو غسل الملابس حلماً لا يتحقق إلا مرة واحدة في الأسبوع.
على مقربة من هذه الخيام، تبرز معاناة الحاجة فتحية حمد، التي فقدت زوجها وأبناءها وأزواج بناتها خلال الحرب المستمرة. تعيش فتحية مع بناتها الثلاث وأحفادها في خيمة تفتقر للمعيل، مما يلقي بعبء تأمين المياه والحطب بالكامل على عاتق النساء.
تتحرك بنات فتحية بسرعة فائقة عند وصول شاحنة المياه، حاملات جالونات ثقيلة تضغط على رقابهن وأكتافهن المنهكة. يظهر غياب الرجال في هذه اللحظات بأوضح صوره، حيث تضطر النساء للقيام بأعمال شاقة تتطلب جهداً بدنياً كبيراً لنقل المياه من الصهريج إلى الخيمة.
تقول ياسمين، إحدى بنات فتحية إن الحياة تبدلت تماماً بعد فقدان السند، حيث أصبح لزاماً عليهن الركض خلف شاحنات المياه وجمع الحطب. تعبر كلمات ياسمين عن واقع مرير تعيشه آلاف النساء في غزة، اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع متطلبات العيش القاسية.
لا تقتصر المعاناة على نقل المياه فحسب، بل تمتد لتشمل الآلام الجسدية الناتجة عن حمل الأوزان الثقيلة لمسافات طويلة بين الخيام. سها، شقيقة ياسمين، تؤكد أن وجع الظهر والرقبة أصبح جزءاً لا يتجزأ من يومها، لكنها تضطر لمواصلة العمل لتأمين احتياجات أطفال شقيقتها والأم المسنة.
مريم، الابنة الثالثة، تعيش ثقلاً مضاعفاً وهي تحاول موازنة احتياجات أطفالها الأربعة مع الحصة المحدودة من المياه. تدخل الأمومة في حسابات معقدة؛ فكل قطرة ماء يتم استهلاكها يجب أن تكون في مكانها الصحيح، لضمان استمرار الحياة داخل الخيمة حتى الموعد القادم.
إن السبعين لتراً التي تحصل عليها العائلات ليست مجرد كمية من السائل، بل هي امتحان يومي لقدرة الإنسان على الصمود والتدبير. في خيام النازحين، تظل المياه هي عصب الحركة والنشاط، وبدونها تتوقف الحياة وتتراكم الأوجاع في انتظار صهريج قد يأتي أو يتأخر.





شارك برأيك
حياة على حافة العطش: كيف تتدبر عائلات غزة شؤونها بـ 70 لتر مياه أسبوعياً؟