برز اسم علي الزيدي على الساحة السياسية العراقية بشكل مفاجئ، حيث لم يسبق تداول اسمه في أروقة اجتماعات الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم قبل ترشيحه الرسمي. وجاء التصويت الجزئي على كابينته الوزارية ليعكس حالة من الاستعجال السياسي لترتيب مرحلة جديدة يراها البعض مشابهة لظروف ما قبل عام 2003.
تتطلع الإدارة الأمريكية، وفقاً لتصريحات البيت الأبيض، إلى أن تكون حكومة الزيدي قادرة على بناء مستقبل مستقر وخالٍ من الإرهاب. وقد عكس الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزيدي رغبة واشنطن في فتح فصل جديد من العلاقات القائمة على الازدهار المشترك.
وصفت مصادر سياسية المكالمة التي جرت في الثلاثين من نيسان الماضي بأنها 'قنبلة سياسية' هزت أركان الإطار التنسيقي. حيث تضمنت الشروط الأمريكية ضرورة تفكيك الحشد الشعبي والابتعاد عن النفوذ الإيراني، مما أدى لانسحابات مفاجئة من المفاوضات السياسية.
يواجه الزيدي معضلة حقيقية في التعامل مع الفصائل المسلحة التي كانت جزءاً من القوى التي رشحته للمنصب. فبينما تطالب واشنطن بحصر السلاح بيد الدولة، تضمن منهاجه الحكومي فقرات صريحة تدعو لتطوير قدرات الحشد الشعبي القتالية وتعزيز دوره الأمني.
تحركات الزيدي نحو أربيل ولقاؤه بالقيادات الكردية تهدف إلى حلحلة الملفات العالقة، وعلى رأسها أزمة رواتب الموظفين. إلا أن اصطحابه لشخصيات قيادية من الحشد الشعبي في هذه الزيارة قد يرسل إشارات متناقضة للإدارة الأمريكية حول توجهاته الحقيقية.
تثار تساؤلات جدية حول السيادة العراقية في ظل التقارير التي تتحدث عن تدخلات خارجية وتحكم في القرار السيادي. وزاد من تعقيد المشهد ما نشرته تقارير صحفية دولية حول وجود أنشطة عسكرية أجنبية في مناطق صحراوية دون رد فعل واضح من الحكومة السابقة.
يمثل التيار الصدري رقماً صعباً في معادلة نجاح الزيدي، خاصة بعد الشروط الستة التي وضعها مقتدى الصدر لنيل رضا الشارع. وتتضمن هذه الشروط دمج الفصائل المسلحة تحت سلطة الدولة واستبعاد أي جهة تملك جناحاً عسكرياً من التشكيلة الحكومية.
إن مهمة الزيدي تبدو أكبر من قدراته، وقد لا تستمر حكومته لعام واحد إذا لم يحصل على دعم حقيقي من القوى السياسية الفاعلة.
حدد الصدر مهلة زمنية لا تتجاوز 90 يوماً للقضاء على ملفات الفساد الكبرى، وهو تحدٍ يضع الزيدي في مواجهة مباشرة مع حيتان المال. إن نجاح الحكومة في هذا الملف يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المحاصصة الحزبية التقليدية التي كبلت الحكومات السابقة.
تشير تسريبات من داخل الغرف المغلقة إلى أن الزيدي قدم تعهدات مكتوبة لقادة الإطار التنسيقي تضمن عدم خروجه عن الخطوط العريضة المرسومة له. وتشمل هذه التعهدات عدم تشكيل حزب سياسي خاص به أو المنافسة في الانتخابات التشريعية المقبلة.
يرى مراقبون أن الزيدي، بصفته رجل أعمال ناجح، قد يحاول استخدام خبرته الاقتصادية لانتشال العراق من أزماته المعيشية. لكن العوائق السياسية والأمنية تبدو أكثر ضخامة من القدرات الاقتصادية الفردية في ظل بيئة سياسية متلاطمة الأمواج.
تظل معضلة الدستور العراقي والفقرات المتعلقة بصلاحيات القائد العام للقوات المسلحة من الملفات التي تحتاج إلى معالجة جذرية. فإدارة المنظومة العسكرية تتطلب مهنية عالية بعيداً عن التجاذبات السياسية التي أضعفت مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية.
إن عودة العراق إلى محيطه العربي ومعالجة ملفات المهجرين وأحكام الإعدام المثيرة للجدل تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استقلالية القرار الحكومي. فبدون حل هذه القضايا المجتمعية، ستبقى الحكومة عرضة للاهتزازات وفقدان الثقة الشعبية.
يبدو أن الزيدي يحاول اللعب على التناقضات بين واشنطن وطهران، وهو أسلوب 'اللعب بالبيضة والحجر' الذي قد لا يدوم طويلاً. فالمطالب الدولية تتصادم بشكل مباشر مع مصالح القوى المحلية المسلحة التي ترفض التخلي عن نفوذها.
في الختام، فإن عمر حكومة الزيدي قد يكون قصيراً إذا لم يستطع إيجاد توازن دقيق بين الضغوط الخارجية والمطالب الداخلية. الأيام القادمة ستكون المرآة التي تكشف ما إذا كان الزيدي قادراً على التحول من واجهة سياسية إلى رجل دولة يمتلك زمام المبادرة.





شارك برأيك
حكومة علي الزيدي في العراق: رهان التوازنات بين واشنطن والإطار التنسيقي