أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف في الدار البيضاء، ليل الخميس، الستار على الفصل الأول من قضية 'إسكوبار الصحراء' التي هزت الرأي العام المغربي. وقضت المحكمة بإدانة عبد النبي بعيوي، رئيس مجلس جهة الشرق السابق، بالسجن النافذ لمدة 12 عاماً، فيما نال سعيد الناصري، البرلماني والرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي، حكماً بالسجن لمدة 10 أعوام.
وتعود تفاصيل هذه القضية المثيرة للجدل إلى نهاية عام 2023، حينما جرى توقيف المتهمين على خلفية تحقيقات موسعة شملت أكثر من 20 شخصاً. وقد وُجهت للمدانين تهم ثقيلة تتنوع بين الاتجار الدولي في المخدرات، والتزوير في محررات رسمية، والمشاركة في اتفاقات إجرامية، فضلاً عن تهمة الإرشاء واستغلال النفوذ السياسي.
وشهدت قاعة المحكمة لحظات عصيبة أثناء النطق بالأحكام، حيث تعذر إكمال تلاوة القرارات القضائية بحق بقية المتهمين نتيجة تعالي أصوات النحيب والصراخ من ذوي الموقوفين. وقد غصت القاعة بأعداد غفيرة من المتابعين وعائلات المتهمين الذين صدموا بقسوة الأحكام الصادرة بحق الشخصيات التي كانت تعد من أعمدة العمل السياسي والرياضي.
وانطلقت شرارة هذه القضية بناءً على اعترافات وشكاوى قدمها المواطن المالي 'الحاج أحمد بنبراهيم'، المعروف بلقب 'إسكوبار الصحراء'، والذي يقضي حالياً عقوبة سجنية في المغرب. واتهم بنبراهيم كلاً من الناصري وبعيوي بالاستيلاء على ممتلكاته العقارية وسياراته الفارهة بطرق غير مشروعة أثناء تواجده خلف القضبان.
ولم تتوقف اتهامات بنبراهيم عند حدود السطو على الممتلكات، بل كشف عن تفاصيل شراكة إجرامية كانت تجمعه بالسياسيين البارزين في تهريب مخدر 'الحشيش'. وأوضح في إفاداته أن الشبكة كانت تنشط في نقل المخدرات من المغرب نحو دول الساحل وشمال أفريقيا، مستغلة نفوذ المتهمين لتسهيل العمليات اللوجستية.
وتشير التحقيقات إلى أن عبد النبي بعيوي كان يلعب دور 'زعيم الشبكة' والمخطط الرئيسي للعمليات، بينما تولى سعيد الناصري المهام اللوجستية وتأمين مسارات النقل. كما امتدت نشاطات الشبكة لتشمل تهريب الذهب من دولتي مالي وموريتانيا باتجاه الأراضي المغربية، وفقاً لما ورد في محاضر التحقيق الرسمية.
واعتمدت المحكمة في بناء قناعتها على مجموعة من الأدلة التقنية والمادية، شملت تفريغ مكالمات هاتفية ورصد تحويلات مالية مشبوهة بين أطراف القضية. ورغم محاولات الدفاع التشكيك في صدقية تصريحات 'إسكوبار الصحراء'، إلا أن النيابة العامة أصرت على كفاية الأدلة لإدانة جميع المتورطين في هذا الملف الضخم.
هذه المرة الأولى التي يحاكم فيها سياسيان بارزان في المغرب في قضية تهريب دولي للمخدرات، مما أثار صدمة واسعة في الأوساط السياسية والشعبية.
من جانبهما، تمسك الناصري وبعيوي بإنكار كافة التهم المنسوبة إليهما طوال جلسات المحاكمة التي استمرت لأكثر من عامين. ودفع الناصري بوجود تناقضات في أقوال الشاكي المالي، مقدماً وثائق ادعى أنها تثبت قانونية تملكه للعقارات موضوع النزاع، إلا أن المحكمة لم تأخذ بهذه الدفوع في حكمها الابتدائي.
ويعد هذا الحكم سابقة في القضاء المغربي، نظراً للمكانة السياسية التي كان يتمتع بها المتهمان، حيث كانا ينتميان لحزب 'الأصالة والمعاصرة' المشارك في الائتلاف الحكومي. وكان الحزب قد سارع إلى تجميد عضويتهما فور بدء الملاحقة القضائية، في محاولة للنأي بنفسه عن تداعيات الفضيحة التي طالت قياداته.
وأثارت القضية نقاشاً وطنياً محتدماً حول ظاهرة 'تغلغل المال الحرام' في المؤسسات المنتدبة والعمل السياسي في المملكة. ويرى مراقبون أن هذه الأحكام تعكس رغبة الدولة في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومواجهة الفساد الذي قد يتسرب إلى مفاصل المجالس الجماعية والبرلمان.
وبالإضافة إلى الجانب الجنائي، سلطت القضية الضوء على المسار المهني للمتهمين، فالناصري كان يجمع بين رئاسة نادي الوداد البيضاوي العريق وعضوية البرلمان. أما بعيوي، فقد كان يدير شؤون جهة الشرق، وهي منطقة استراتيجية حدودية، مما ضاعف من خطورة التهم المتعلقة بالتهريب الدولي عبر الحدود.
وفي سياق متصل، برأت المحكمة متهماً واحداً في القضية، بينما لا تزال الأحكام التفصيلية لبقية المتهمين العشرين قيد المراجعة الإدارية بعد الفوضى التي عمت الجلسة الختامية. ومن المتوقع أن يستأنف دفاع المدانين هذه الأحكام في غضون الآجال القانونية، مما يفتح الباب أمام جولة جديدة من التقاضي.
وتجدر الإشارة إلى أن 'إسكوبار الصحراء' المالي الجنسية، كان قد أوقف في عام 2019 فور دخوله المغرب، لتنفيذ حكم سابق بالسجن 10 سنوات. وجاءت اعترافاته الأخيرة لتكشف عن شبكة معقدة من العلاقات التي ربطت بين بارونات المخدرات العابرين للحدود وبعض النخب السياسية المحلية.
وختاماً، تترقب الأوساط الحقوقية والسياسية في المغرب ما ستسفر عنه مرحلة الاستئناف، في ظل مطالبات بتعميق البحث في ثروات المسؤولين. وتظل هذه القضية علامة فارقة في مسار مكافحة الجريمة المنظمة، وتأكيداً على أن الحصانة السياسية لا تحمي المتورطين في قضايا تمس أمن الدولة واقتصادها.





شارك برأيك
زلزال قضائي في المغرب: أحكام مشددة بحق سياسيين بارزين في ملف 'إسكوبار الصحراء'