عربي ودولي

الإثنين 06 يوليو 2026 6:31 مساءً - بتوقيت القدس

آندي بيرنهام.. 'ملك الشمال' الذي يهدد عرش ستارمر ويقلق طموحات فاراج

يُعد عمدة مدينة مانشستر، آندي بيرنهام، أحد أبرز الوجوه السياسية في حزب العمال البريطاني المرشحة لخلافة رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر. يلقب بيرنهام بـ 'ملك الشمال'، وهو لقب يعكس قدرته الفريدة على تمثيل تطلعات الأقاليم البعيدة عن مركز القرار في لندن، مما يجعله مصدر قلق ليس فقط لستارمر، بل ولرئيس حزب 'ريفورم' نايجل فاراج أيضاً.

لا ينظر المراقبون إلى بيرنهام كسياسي تقليدي، بل كظاهرة تعبر عن أزمة عميقة في الهوية السياسية البريطانية، حيث يشعر سكان الشمال بتهميش متعمد من قبل النخب في العاصمة. وقد نجح بيرنهام في تحويل هذا الشعور إلى قوة سياسية دافعة، مطالباً بإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم لضمان عدالة توزيع الثروة والخدمات.

تعود جذور بيرنهام السياسية إلى بيئة كادحة في ليفربول، حيث ولد عام 1970 لأب يعمل مهندساً للهواتف وأم موظفة استقبال. هذه الخلفية شكلت وعيه المبكر وجعلته يتحدث لغة الشارع الشمالي بعيداً عن المصطلحات الأكاديمية المعقدة التي تغلب على خطابات النخب السياسية في وستمنستر.

ارتبطت مسيرة بيرنهام المهنية بالدفاع عن هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، متأثراً بتجربة والده المريرة مع المرض قبل وفاته. ويرى بيرنهام أن الحفاظ على القطاع الصحي العام ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو ضرورة أخلاقية لحماية العائلات البريطانية العادية من شبح الخصخصة والانهيار.

رغم دراسته للأدب الإنجليزي في جامعة كامبردج العريقة، حافظ بيرنهام على هويته الشمالية ولهجته المميزة، وهو ما استثمره بذكاء في مسيرته اللاحقة. وقد بدأت رحلته مع الكلمة من بوابة الصحافة، حيث عمل في مجلات متخصصة قبل أن ينتقل إلى معترك السياسة، مما منحه قدرة فائقة على صياغة الرواية الإعلامية المؤثرة.

انخرط بيرنهام في صفوف حزب العمال في سن مبكرة جداً، وتحديداً في الخامسة عشرة من عمره، تزامناً مع الصدامات العنيفة بين حكومة مارغريت تاتشر والنقابات. تلك الفترة صقلت رؤيته لبريطانيا كدولة منقسمة طبقياً وجغرافياً، وهو ما أصبح لاحقاً الركيزة الأساسية لمشروعه السياسي الهادف لردم الفجوة بين الجنوب والشمال.

تدرج بيرنهام سريعاً في المناصب السياسية بعد انتخابه نائباً عام 2001، حيث تولى حقائب وزارية هامة في قطاعات الصحة والثقافة والخزانة. ومع ذلك، ظل يحتفظ بمسافة واضحة عن 'البليرية' التي اتسمت بالتقارب مع النخب المالية، مؤمناً بأن الحزب يجب أن يعود إلى جذوره المرتبطة بالطبقة العاملة.

بعد إخفاقه في قيادة الحزب مرتين في عامي 2010 و2015، قرر بيرنهام مغادرة أروقة البرلمان في لندن والتوجه نحو مانشستر لبناء نموذج حكم محلي مختلف. ومنذ انتخابه عمدة للمدينة عام 2017، قدم نفسه كحاكم إقليمي يركز على قضايا النقل العام والإسكان والعدالة الاجتماعية بعيداً عن التجاذبات الأيديولوجية الضيقة.

برز ملف مكافحة التشرد كأحد أهم الإنجازات التي ارتبطت باسم بيرنهام في مانشستر، حيث رفض التعامل مع الظاهرة كأزمة هامشية. وأطلق مبادرات مبتكرة مثل 'سرير كل يوم' لتوفير مأوى للمشردين، مؤكداً أن الفقر في بريطانيا هو نتاج لفشل النماذج الاقتصادية المتبعة منذ سنوات التقشف.

جاءت اللحظة الفارقة في مسيرة بيرنهام خلال جائحة كورونا عام 2020، حين دخل في صدام علني ومباشر مع حكومة بوريس جونسون. رفض بيرنهام حينها ما وصفه بـ 'الإهانة' المالية للمناطق الشمالية، وظهر كصوت غاضب يدافع عن كرامة وحقوق مواطنيه في مواجهة قرارات الإغلاق المركزية.

يتميز الموقع الأيديولوجي لبيرنهام بالمرونة، فهو يجمع بين لغة اليسار في العدالة الاجتماعية والنبرة الوطنية التي تجذب الناخب التقليدي. هذا المزيج هو ما يثير قلق نايجل فاراج، حيث يستطيع بيرنهام استعادة الناخبين الغاضبين من خلال خطاب اجتماعي شامل بدلاً من الخطاب القومي الإقصائي.

داخل أروقة حزب العمال الحاكم، يمثل بيرنهام تحدياً صامتاً لقيادة كير ستارمر التي تتسم بالهدوء والانضباط القانوني. فبينما يُنظر لستارمر كابن للمؤسسة اللندنية، يمتلك بيرنهام كاريزما شعبية تجعله البديل الجاهز في حال تراجعت شعبية الحكومة أو واجهت أزمات داخلية حادة.

تشير التحركات الأخيرة لبيرنهام إلى رغبة قوية في العودة إلى البرلمان الوطني عبر انتخابات فرعية، مما يعزز التكهنات حول طموحه لقيادة الحزب مستقبلاً. ويرى محللون أن هذه العودة قد تمهد الطريق لتحول تاريخي في السياسة البريطانية، بصعود زعيم يجسد الهوية الشمالية والروح العمالية القديمة.

في نهاية المطاف، تتجاوز قصة آندي بيرنهام حدود النجاح الشخصي لتصبح رمزاً للصراع حول هوية المملكة المتحدة ومستقبلها. ويبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان 'ملك الشمال' سيتمكن من الوصول إلى '10 داونينغ ستريت' ليحقق وعده بتغيير المشهد السياسي البريطاني بالكامل لصالح المدن المنسية.

دلالات

شارك برأيك

آندي بيرنهام.. 'ملك الشمال' الذي يهدد عرش ستارمر ويقلق طموحات فاراج

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.