عربي ودولي

الإثنين 06 يوليو 2026 4:44 مساءً - بتوقيت القدس

وعود 'بريكست' المتعثرة: هيريفورد البريطانية بلا متاحف رغم ملايين الدعم

تحولت وعود ما بعد الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي 'بريكست' في مدينة هيريفورد إلى رمز حي لتعثر المشاريع العامة وفشل الإدارة المحلية في ترجمة التمويلات إلى واقع ملموس. المدينة التي تكتنز تاريخاً عريقاً وتراثاً قوطياً فريداً، وجدت نفسها فجأة بلا متحف للمقاطعة ولا مكتبة مستقلة، رغم تدفق ملايين الجنيهات الإسترلينية المخصصة لنهضتها.

بجوار كاتدرائية هيريفورد الشهيرة، يقف تمثال الموسيقار السير إدوارد إلغار شاهداً على مفارقة حزينة؛ فبينما يخلد التمثال عظمة المدينة الثقافية، تظل المباني التاريخية خلفه مغلقة بالألواح الخشبية. هذا المشهد يعكس الفجوة العميقة بين الخطاب السياسي الحكومي حول 'النهوض بالمناطق' وبين واقع التنفيذ الذي اصطدم بالعقبات البيروقراطية والمالية.

في عام 2023، أُغلق مبنى المكتبة والمتحف المشيد على طراز مدينة البندقية منذ القرن التاسع عشر، تمهيداً لتحويله إلى مرفق عالمي بكلفة 18 مليون جنيه إسترليني. ومع ذلك، لم تبدأ أعمال البناء حتى الآن، مما أثار موجة من الإحباط لدى السكان الذين كانوا يأملون في رؤية ثمار تصويتهم لصالح 'بريكست' قبل نحو عقد من الزمان.

المشروع الذي حظي بدعم قدره 5 ملايين جنيه من تمويلات ما بعد 'بريكست' التي قدمتها حكومة المحافظين عام 2021، يواجه مستقبلاً غامضاً. وبحسب مصادر محلية، فإن القصة تتكرر مع مشروع المكتبة التي نُقلت إلى مقر مؤقت ثانٍ في مبنى البلدية، بعد سلسلة من التغييرات في الخطط والقرارات السياسية للمجلس المحلي.

يعد 'صندوق البلدات' الذي أطلقته الحكومة البريطانية لتعزيز الازدهار في المناطق الأقل نمواً، المصدر الرئيس لهذه التمويلات المتعثرة. ورغم حصول هيريفورد على منحة إجمالية بلغت 22.4 مليون جنيه إسترليني، إلا أن المشاريع الكبرى التي تمس الهوية الثقافية للمدينة لا تزال حبراً على ورق أو مواقع بناء مهجورة.

عضو مجلس المدينة جيريمي ميلن وصف الوضع بأنه 'غير قابل للتفسير أو التبرير'، مشيراً إلى أن الحماسة الأولية للأموال تبخرت أمام التعقيدات الإدارية. وأكد ميلن أن غياب متحف المقاطعة لفترة طويلة يمثل تقصيراً في المسؤولية الثقافية تجاه الأجيال القادمة وتاريخ المنطقة العريق.

من جانبها، تدافع مجموعة 'سترونغر هيريفورد' المسؤولة عن إدارة التمويل عن هذا التأخير، معتبرة أن المشاريع تتسم بالتعقيد الإنشائي وقد تضررت بشدة من ارتفاع تكاليف البناء العالمية. وأشارت المجموعة إلى نجاحات أخرى ثانوية مثل ملاعب كرة القدم ومسارات الدراجات، كدليل على فاعلية الصندوق في مجالات أخرى.

لكن هذه المبررات لا تقنع السكان الذين صوّت 59% منهم لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بناءً على وعود بالرخاء الاقتصادي والسيادة المالية. ويرى مواطنون مثل إيان بريسكوت أن الوعود البراقة بمكتبة ومتحف جديدين لم تكن سوى سراب، معرباً عن ندمه على عدم التصويت لصالح البقاء لو عاد به الزمن.

مارتن غرانت، أحد سكان المدينة، ذهب إلى أبعد من ذلك بوصف ما يحدث بأنه جزء من 'خديعة كبرى' طبعت مرحلة ما بعد 'بريكست'. وأوضح أن الناخبين يستفيقون الآن على حقيقة أن مناطقهم أصبحت أكثر إهمالاً مما كانت عليه، رغم كل التعهدات التي أطلقت من 'وستمنستر'.

تقارير هيئات الرقابة المستقلة، مثل 'مكتب التدقيق الوطني'، تدعم هذه المخاوف الشعبية؛ حيث خلصت إلى أن التضخم ونقص العمالة الماهرة أعاقا قدرة السلطات المحلية على إنجاز المشاريع. هذا العجز أدى إلى تمديد المهل الزمنية لإنفاق الأموال، وسط تحذيرات من وجود عجز مالي غير محدد الحجم في الموازنات المرصودة.

الوضع في هيريفورد ليس استثناءً، بل هو نموذج مصغر لأزمات تعاني منها بلدات بريطانية عديدة كانت تعول على 'صندوق البلدات' لإحداث تغيير جذري. فالمشاريع التي صُنفت بأنها 'عالية الأخطار' تضع القادة المحليين في مواجهة مباشرة مع جمهور فقد الثقة في الوعود الحكومية المتكررة.

رغم هذه السوداوية، تتمسك بعض القيادات المحلية بالأمل، حيث تشير التوقعات الرسمية إلى إمكانية افتتاح المكتبة نهاية العام الجاري، والمتحف في عام 2027. وتدعو أبيغيل آبلتون، رئيسة المجموعة المديرة للتمويل، السكان إلى 'التحلي بالإصرار'، مؤكدة أن المشاريع الطموحة في المباني التاريخية تتطلب وقتاً إضافياً.

في المقابل، تواجه مشاريع أخرى ناجحة ظاهرياً، مثل أسطول الحافلات الكهربائية، خطراً وجودياً بسبب نفاد التمويل التشغيلي. وهذا يطرح تساؤلات جدية حول استدامة المشاريع التي يمولها 'صندوق البلدات' بمجرد انتهاء المنح الحكومية الأولية، وما إذا كانت ستتحول إلى أعباء إضافية على كاهل دافعي الضرائب.

يبقى تمثال السير إدوارد إلغار صامداً في مكانه، بينما تتغير ملامح المدينة الثقافية نحو الأسوأ في نظر الكثيرين. إن أزمة هيريفورد هي تذكير دائم بأن الأموال وحدها لا تبني متاحف، وأن الوعود السياسية الكبرى غالباً ما تصطدم بصخرة الواقع الاقتصادي والبيروقراطية المحلية المعقدة.

دلالات

شارك برأيك

وعود 'بريكست' المتعثرة: هيريفورد البريطانية بلا متاحف رغم ملايين الدعم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.