تترقب الأسواق العالمية أسبوعاً محفوفاً بالمخاطر والتقلبات الحادة، مدفوعة بمزيج من البيانات الاقتصادية الأمريكية المترقبة والاضطرابات السياسية الدولية. وتأتي استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بالتزامن مع ترقب نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية، لتزيد من حالة عدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين في مختلف البورصات.
إلى جانب العوامل السياسية، برز عامل اقتصادي جوهري وصفته مصادر صحفية بأنه 'جرس إنذار' للأسواق، ويتمثل في تحول شركات التكنولوجيا الكبرى إلى بيع أسهمها. وتهدف هذه الشركات من خلال هذه الخطوة إلى توفير السيولة الضخمة اللازمة لتمويل استثماراتها المتسارعة في قطاع الذكاء الاصطناعي الذي بات يستنزف موارد مالية هائلة.
وشهدت تعاملات مطلع الأسبوع تراجعاً ملحوظاً في أسهم شركة 'سبيس أكس' بنسبة قاربت 6%، مواصلة بذلك سلسلة من الهبوط بدأت منذ منتصف الأسبوع الماضي. ورغم هذا التراجع، لا يزال سعر السهم أعلى بنحو الثلث من قيمة طرحه الأولي الذي تم في الثاني عشر من يونيو الجاري، وهو الطرح الذي دفع بالقيمة السوقية للشركة لتتجاوز عمالقة مثل أمازون ومايكروسوفت لفترة وجيزة.
وتشير التقارير إلى أن إيلون ماسك، مؤسس 'سبيس أكس' ومنصة 'إكس'، يسعى لاستغلال الارتفاع السعري لأسهم شركاته لتمويل صفقات استحواذ جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي. وبدلاً من اللجوء إلى الاقتراض التقليدي عالي الكلفة، يفضل ماسك بيع حصص من أسهمه لتوفير نحو 60 مليار دولار لشراء شركة 'كيرسور' المتخصصة في تطبيقات البرمجة.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على شركات ماسك فحسب، بل تمتد لتشمل معظم شركات التكنولوجيا الكبرى التي بدأت تضخ أموالاً طائلة في هذا القطاع الواعد. وأفادت مصادر بأن هذا التوجه أصبح استراتيجية عامة لتجنب أعباء الديون في ظل استمرار أسعار الفائدة المرتفعة التي تجعل الاقتراض خياراً مكلفاً للميزانيات العمومية.
ويرى محللون أن عمليات البيع المكثفة لأسهم 'سبيس أكس' قد تكون ناتجة عن رغبة المضاربين في جني الأرباح السريعة بعد القفزات السعرية الأخيرة. ويأتي هذا التوجه في وقت تعاني فيه الشركة من ضغوط مالية، حيث سجلت خسائر بلغت 4.9 مليار دولار خلال العام الماضي، بالإضافة إلى خسارة تجاوزت 4 مليارات دولار في الربع الأول من العام الحالي.
وتسود حالة من الإحباط بين بعض المستثمرين الذين راهنوا على نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي التابعة لماسك، مثل تطبيق 'غروك' الذي لم يحقق التوقعات المرجوة. هذا الإخفاق دفع بالإدارة نحو البحث عن بدائل تقنية أخرى عبر الاستحواذ على شركات برمجية متطورة لتعزيز قدراتها التنافسية في السوق العالمي.
تحول شركات التكنولوجيا الكبرى إلى 'بائع' لأسهمها يمثل جرس إنذار حقيقي للأسواق العالمية، ويشير إلى مغالاة في التقييمات الحالية.
تاريخياً، تمتلك الشركات خيارات متعددة للتمويل تشمل الاقتراض أو إصدار أسهم جديدة، وعادة ما يكون الاقتراض مفضلاً حين تكون الفائدة منخفضة. أما في الوقت الراهن، ومع وصول تقييمات الأسهم إلى مستويات قياسية، فإن إصدار أسهم إضافية يعتبر وسيلة أقل كلفة لتوفير السيولة دون إثقال كاهل الشركة بديون طويلة الأمد.
ومع ذلك، يحذر خبراء من أن لجوء الشركات لبيع أسهمها وهي في حالة ضعف مالي قد يؤدي إلى انهيار قيمتها السوقية والإضرار بمصالح المساهمين القدامى. فالشركات التي تعاني من تعثر وشيك غالباً ما تضطر لإصدار أسهم بأسعار منخفضة، مما يرسل إشارات سلبية للمستثمرين حول متانة وضعها المالي وقدرتها على الاستمرار.
وتشير مصادر اقتصادية إلى أن لجوء مجموعة واسعة من الشركات لبيع أسهمها في وقت واحد يعد مؤشراً قوياً على وجود مغالاة في الأسعار الحالية. وتكررت هذه الظاهرة مع شركات كبرى مثل 'ألفابيت' التي أصدرت أسهماً إضافية بنسبة 1.17%، مما يعزز فرضية أن السوق قد وصل إلى مرحلة 'الغليان' السعري.
ويقارن المراقبون بين الوضع الحالي وما حدث إبان 'فقاعة دوت كوم' في نهاية القرن الماضي، حيث كانت عمليات الاندماج والاستحواذ تمول بنسبة 66% عبر بيع الأسهم. تلك الفترة شهدت تدفقات مالية ضخمة من الصناديق الخاصة قبل أن تنفجر الفقاعة وتؤدي إلى تصحيح عنيف في الأسواق العالمية.
كما تكرر هذا النمط بدرجة أقل خلال عامي 2020 و2021، حيث بلغت نسبة التمويل عبر الأسهم نحو 45% من إجمالي صفقات الاندماج. ويجمع الاقتصاديون على أن هذه الفورات التمويلية غالباً ما تسبق الأزمات الكبرى، كما حدث قبيل الأزمة المالية العالمية في عام 2008 التي نتجت عن تراكم الديون والمشتقات الائتمانية.
ويطرح التساؤل نفسه حول ما إذا كان الاعتماد على تمويل الأسهم سيقلل من مخاطر 'فقاعة الديون' التي أطاحت بالنظام المالي سابقاً. فبينما يرى البعض أن هذا التوجه يحمي الميزانيات من أعباء السداد، يعتقد آخرون أن وفرة المعروض من الأسهم ستؤدي حتماً إلى انخفاض قيمتها السوقية وحدوث تصحيح واسع.
وفي الختام، ينصح خبراء المال بضرورة اعتماد معايير دقيقة لتقييم السوق، تعتمد على الأساسات الاقتصادية مثل الأرباح المتوقعة والقيمة الدفترية وحجم التدفقات النقدية. فالرهان على الذكاء الاصطناعي، رغم إمكاناته الهائلة، يجب أن يظل مرتبطاً بالقدرة على تحقيق عوائد حقيقية تبرر التقييمات المرتفعة الحالية.





شارك برأيك
مخاوف من 'فقاعة' تكنولوجية جديدة: شركات الذكاء الاصطناعي تلجأ لبيع أسهمها لتمويل توسعاتها