أقلام وأراء

الثّلاثاء 30 يونيو 2026 1:51 مساءً - بتوقيت القدس

لماذا ينتصر العمل المؤسسي على بطولة الفرد؟

من يتأمل في تجارب الدول المتقدمة، أو حتى في طريقة إدارة الاحتلال لمشاريعه وأهدافه، يكتشف حقيقة بسيطة لكنها مؤلمة: الانتصارات لا تصنعها الشخصيات، بل تصنعها المؤسسات.
فالمؤسسة الناجحة لا تسأل: من هو البطل؟ بل تسأل: ما هو النظام؟ ولا تبحث عن الرجل المعجزة القادر على حل كل المشكلات، بل عن الآليات التي تضمن استمرار الإنجاز بغض النظر عن الأشخاص. لذلك تقوم على رؤية واضحة، وأهداف محددة، وخطط قابلة للتنفيذ، وتوزيع دقيق للمهام والمسؤوليات، ومؤشرات أداء تقيس النجاح والفشل، ومحاسبة تضمن تصويب المسار عند الحاجة.
في المؤسسات الحقيقية يعرف كل فرد دوره وحدود مسؤوليته وصلاحياته. فلكل دائرة اختصاصها، ولكل موظف مهمته، ولكل مشروع أهدافه ومراحله الزمنية ومؤشراته القابلة للقياس. لذلك تستطيع المؤسسة أن تدير ملفات متعددة ومتداخلة في الوقت نفسه دون أن تتعطل أو تفقد بوصلتها.
في المقابل، ما زالت كثير من مؤسساتنا العربية والفلسطينية تعاني من هيمنة ثقافة الفرد على حساب ثقافة المؤسسة. فالموقع يرتبط بالشخص أكثر مما يرتبط بالنظام، والقرار يرتبط بالنفوذ أكثر مما يرتبط بالإجراءات، والولاء للأشخاص يتقدم أحياناً على الكفاءة والإنجاز.
وهنا تتحول المؤسسة إلى رهينة لشخص واحد، فإذا حضر تحركت، وإذا غاب تعطلت، وإذا كان قوياً بدت قوية، وإذا ضعف انعكس ذلك على أدائها. ويتحول المدير إلى دائرة كاملة، والرئيس إلى لجنة كاملة، والمسؤول إلى مؤسسة كاملة، بينما تذوب الأدوار وتتداخل الصلاحيات وتضيع المسؤوليات.
وفي بيئة كهذه لا يعود السؤال: من المسؤول عن الإنجاز؟ بل يصبح السؤال: من المسؤول عن التقصير؟ وعند وقوع الخطأ تبدأ لعبة تبادل المسؤوليات، فكل طرف يلقي العبء على غيره، وكل دائرة تشير إلى دائرة أخرى، حتى تضيع المهمة بين الأيدي كما تضيع الكرة بين لاعبين لا يعرف أي منهم من يجب أن يسدد نحو المرمى.
أما المؤسسات الناجحة فتقوم على مبدأ مختلف تماماً؛ لا يقوم الموظف بعمل المدير، ولا المدير بعمل الموظف، ولا يتدخل غير المختص فيما لا يدخل ضمن اختصاصه. لكل موقع وصف وظيفي واضح، ولكل مهمة مسؤول محدد، ولكل قرار جهة مخولة باتخاذه، ولذلك تكون المحاسبة ممكنة والنتائج قابلة للقياس والتطوير.
إن الفارق الحقيقي بين المجتمعات الناجحة والمتعثرة لا يكمن في حجم الموارد أو عدد الكفاءات فحسب، بل في القدرة على تحويل الطاقات إلى عمل منظم. فالأمم لا تُبنى بالأفراد مهما بلغت قدراتهم، وإنما تُبنى بالمؤسسات التي تجعل الإنجاز جزءاً من النظام لا استثناءً مرتبطاً بشخص بعينه.
ولهذا فإن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا ليس نقص الإمكانيات، بل غياب ثقافة المؤسسة. فحين تتحول الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى خطط، والخطط إلى برامج، والبرامج إلى نتائج قابلة للقياس، يبدأ التقدم الحقيقي. وحين يصبح السؤال داخل المؤسسة: “ماذا أنجزنا؟” بدلاً من “من صاحب القرار؟”، تبدأ رحلة النجاح.
ولأن القناعة وحدها لا تكفي، فإننا في مجلس بلدية الخليل نسعى إلى تحويل هذا الفكر إلى نهج عمل، من خلال ترسيخ الإدارة المؤسسية القائمة على التخصص، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات، وتعزيز المساءلة، وقياس الأداء، وتطوير الموارد البشرية، والانتقال التدريجي نحو الحوكمة والرقمنة بوصفهما ركيزتين للإدارة الحديثة.
إن طموحنا لا يقتصر على تحسين الخدمات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار والتطور، تكون فيها الأنظمة أقوى من الأشخاص، والعمل الجماعي أقوى من الاجتهادات الفردية، وتكون الكفاءة والإنجاز هما المعيار الحقيقي للتقييم والتكليف.
قد لا يتحقق هذا التحول بين ليلة وضحاها، لكنه خيار استراتيجي نؤمن به، لأن المؤسسات القوية هي وحدها القادرة على حماية المدن، وتعزيز صمودها، وصناعة مستقبلها، مهما تغيرت المواقع أو تعاقب المسؤولون.
فالمستقبل لن يكون لمن يملك الشخص الأقوى، بل لمن ينجح في بناء المؤسسة الأقوى.

دلالات

شارك برأيك

لماذا ينتصر العمل المؤسسي على بطولة الفرد؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.