عربي ودولي

الإثنين 29 يونيو 2026 6:46 مساءً - بتوقيت القدس

الصين تحصد ثمار الحرب على إيران: مكاسب استراتيجية ودبلوماسية بلا رصاصة واحدة

مع بدء انقشاع غبار المعارك وتوقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، يتجه التركيز الدولي نحو تقييم نتائج أشهر من التصعيد العسكري. ورغم أن النقاش يتمحور حول التنازلات المتبادلة، إلا أن القراءة المتأنية للمشهد تكشف عن رابح صامت لم يطلق رصاصة واحدة في هذه المواجهة، وهي الصين التي استثمرت الأزمة لترسيخ مكانتها كقوة دولية متزنة.

بكين التي أدانت منذ اللحظات الأولى الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية، استنكرت بشدة عمليات الاغتيال التي طالت قيادات عليا في طهران. وقد حافظت الدبلوماسية الصينية على نهج يدعو للتفاوض، مقدمةً نفسها كبديل مسؤول يفضل الحوار على المغامرات العسكرية غير المحسوبة التي انتهجتها واشنطن.

أفادت مصادر بأن وزير الخارجية الصيني وانغ يي قاد حراكاً دبلوماسياً مكثفاً مع الجانب الإيراني طوال فترة النزاع، كما دعمت بكين جهود الوساطة الإقليمية. هذا الدور تجلى بوضوح في تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي قدم شكراً علنياً للصين على مساهمتها البناءة في دفع مسار المفاوضات نحو وقف إطلاق النار.

يرى محللون أن الصين نجحت في إبراز التناقض بين تحركاتها الدبلوماسية وبين ما وصفته بالحملة العسكرية المتهورة التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا الخطاب وجد صدى واسعاً في دول الجنوب العالمي، التي نظرت إلى الحرب بريبة وتخوف من تداعياتها على الاستقرار العالمي ونظام التجارة الدولية.

الحرب لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كشفت عن تصدعات عميقة في جبهة الحلفاء الغربيين، حيث أبدت حكومات أوروبية تردداً واضحاً في الانخراط بالنزاع. هذه الانقسامات العلنية بشأن شرعية الحرب وتكاليفها الاقتصادية وفرت لبكين مساحة من الراحة الاستراتيجية، وأضعفت قدرة واشنطن على قيادة تحالف دولي موحد.

استخدمت الماكينة الإعلامية الصينية أحداث الحرب لتعزيز رسالة مفادها أن الولايات المتحدة شريك غير موثوق ومتقلب في خياراته السياسية. ونقلت تقارير دولية عن باحثين أن صورة واشنطن تضررت بشكل كبير، حيث باتت تظهر في نظر الكثيرين كقوة قاسية تفرض تكاليف باهظة على حلفائها دون ضمان نتائج واضحة.

في خلفية المشهد، وظفت بكين تعثر الحسم العسكري الأمريكي في إيران لتوجيه رسائل مبطنة بشأن ملف تايوان. فإذا كانت القوة العسكرية الساحقة لواشنطن لم تفرض نتيجة سريعة ضد قوة إقليمية، فإن ذلك يضع تساؤلات كبرى حول قدرتها على التدخل في صراعات أكثر تعقيداً في شرق آسيا.

على صعيد الطاقة، واجهت الصين اختباراً حقيقياً لكونها تستورد نصف احتياجاتها النفطية من المنطقة، إلا أنها أثبتت مرونة غير متوقعة. فبفضل احتياطاتها الضخمة وتنويع مصادر الإمداد، تمكنت بكين من امتصاص صدمة تعطل الملاحة في مضيق هرمز دون حدوث انهيارات في اقتصادها المحلي.

لم تكتفِ الصين بحماية أمنها الطاقي، بل مارست 'دبلوماسية الطاقة' عبر زيادة صادراتها من المنتجات النفطية المكررة إلى دول إقليمية كانت تعاني من نقص حاد. هذا التحرك شمل حتى دولاً حليفة للولايات المتحدة مثل الفلبين، مما عزز من نفوذ بكين كمورد موثوق في أوقات الأزمات الكبرى.

أعطت أزمة ارتفاع أسعار النفط العالمية دفعة قوية لاستراتيجية الصين في التحول نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية. وباعتبارها الرائدة عالمياً في هذا القطاع، قدمت بكين نفسها كقوة تقود البدائل المستدامة في عالم مضطرب، محولةً التهديد الاقتصادي إلى فرصة استثمارية وسياسية بعيدة المدى.

أشارت مصادر تحليلية إلى أن الفشل في تحقيق أهداف استراتيجية واضحة من الحرب أضعف الردع الأمريكي عالمياً. الصين تراقب بدقة كيف أن التدخلات العسكرية الأمريكية غالباً ما تخلف وراءها عدم استقرار طويل الأمد، وتستخدم هذه الحجة لإقناع جيرانها بأن الرهان على الحماية الأمريكية قد يكون خاسراً.

التجربة الإيرانية أثبتت للصين أن التفوق التكنولوجي والعسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية. هذا الاستنتاج يعزز من ثقة بكين في نهجها القائم على القوة الناعمة والارتباط الاقتصادي الوثيق، كأدوات أكثر فاعلية من المواجهات المباشرة التي تستنزف الموارد والسمعة الدولية.

مع دخول المنطقة مرحلة سلام هش، تبدو الولايات المتحدة وكأنها استنزفت جزءاً كبيراً من رصيدها الدبلوماسي والسياسي في حرب لم تحقق أهدافها القصوى. في المقابل، تخرج الصين بأوراق ضغط جديدة، مستفيدة من دورها كوسيط نزيه وقوة اقتصادية قادرة على الصمود في وجه أعنف الهزات الجيوسياسية.

في المحصلة، فإن المكاسب الصينية من الحرب على إيران قد لا تظهر نتائجها النهائية بشكل فوري، لكنها وضعت أساساً لتحول في موازين القوى. بكين اليوم أكثر قدرة على طرح رؤيتها لنظام عالمي متعدد الأقطاب، مستندة إلى فشل المقاربات العسكرية الأحادية في تحقيق الاستقرار المنشود في الشرق الأوسط.

دلالات

شارك برأيك

الصين تحصد ثمار الحرب على إيران: مكاسب استراتيجية ودبلوماسية بلا رصاصة واحدة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.