تحليل

الثّلاثاء 23 يونيو 2026 3:00 صباحًا - بتوقيت القدس

صراع الإمبراطوريات: هل تستنزف واشنطن قوتها بينما يبني التنين الصيني مستقبله؟

تمر القوى العظمى في التاريخ بلحظات تحول فارقة لا يُسمع فيها صوت السقوط مدوياً، بل يتسلل كصدع خفي في جدار الإمبراطورية التي ظن الكثيرون أنها عصية على الانكسار. إن المتأمل في تاريخ الإمبراطوريات من إيطاليا إلى بريطانيا يدرك أن الخطر لم يكن دائماً عند الحدود، بل كان ينمو في الداخل عبر استنزاف الموارد في حروب لا تنتهي ومعارك تتراكم أعباؤها حتى تعجز الدولة عن حملها.

اليوم، وبعد عقود من انفراد الولايات المتحدة بقمة النظام الدولي عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، يبرز التساؤل حول قدرة واشنطن على الاستمرار في أداء دور 'شرطي العالم'. فالدولة التي ورثت التاريخ عام 1991 تجد نفسها الآن غارقة في التزامات عسكرية وأمنية تمتد من أوروبا إلى المحيطين الهندي والهادئ، في وقت يبرز فيه منافس شرقي يبني قوته بصمت.

تشير التقديرات الصادرة عن مؤسسات بحثية رصينة، مثل جامعة براون، إلى أن الكلفة الإجمالية للحروب الأمريكية بعد أحداث سبتمبر تجاوزت ثمانية تريليونات دولار. هذه الأرقام الفلكية لا تعكس فقط الإنفاق العسكري المباشر، بل تشمل رعاية المحاربين القدامى وفوائد الديون، مما يضع ضغطاً هائلاً على الاقتصاد الأمريكي الذي يواجه تحديات هيكلية.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في حجم الإنفاق فحسب، بل في الفجوة العميقة بين الكلفة والنتائج السياسية على الأرض. فالحرب في أفغانستان التي استمرت عقدين انتهت بعودة المشهد إلى ما كان عليه قبل التدخل، بينما تحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي معقد، مما يثبت أن كسب المعارك العسكرية أسهل بكثير من إدارة السلام الذي يليها.

جاءت الحرب الأخيرة على قطاع غزة لتكشف وجهاً جديداً من أوجه الاستنزاف الأمريكي، حيث وجدت واشنطن نفسها في مأزق أخلاقي وسياسي غير مسبوق. فبينما تحاول الحفاظ على التزامها تجاه إسرائيل، تواجه ضغوطاً دولية وانتقادات حادة بسبب حجم الدمار الإنساني، مما أدى إلى تآكل تدريجي في 'قوتها الناعمة' التي كانت تميزها دولياً.

لم يقتصر أثر حرب غزة على الخارج، بل امتد إلى الداخل الأمريكي عبر احتجاجات جامعية وانقسامات سياسية حادة بين النخب الفكرية والشباب. هذا الانقسام يضع صورة الولايات المتحدة كحامية للقانون الدولي وحقوق الإنسان تحت اختبار عسير، حيث أن استعادة الثقة المفقودة في أعين الشعوب قد تستغرق عقوداً من الزمن.

في المقابل، اختارت الصين مساراً مغايراً تماماً يعتمد على 'الصبر الاستراتيجي' والتركيز على مكامن القوة الحقيقية في العصر الحديث. لم تنخرط بكين في مغامرات عسكرية خارجية، بل ركزت جهودها على بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية جعلتها اليوم تنتج نحو ثلث الإنتاج الصناعي العالمي، وهو رقم لم تصله قوة اقتصادية من قبل.

لقد تحولت الصين من دولة زراعية فقيرة إلى عملاق تكنولوجي يهيمن على سلاسل التوريد العالمية، من الإلكترونيات إلى السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة. هذا الصعود الاقتصادي وفر لبكين قاعدة صلبة لتحديث جيشها وتطوير ترسانتها الصاروخية والسيبرانية، معتبرة أن المصانع والموانئ هي جزء لا يتجزأ من أمنها القومي الاستراتيجي.

ومع ذلك، فإن القول بأفول أمريكي حتمي أو صعود صيني مطلق يظل تبسيطاً يفتقر للدقة، نظراً لما تمتلكه الولايات المتحدة من أدوات قوة لا تستهان بها. فواشنطن لا تزال تسيطر على النظام المالي العالمي عبر الدولار، وتمتلك أرقى المنظومات البحثية والجامعية، بالإضافة إلى شبكة تحالفات عسكرية هي الأوسع في التاريخ المعاصر.

على الجانب الآخر، تواجه الصين تحديات داخلية قد تعيق طموحاتها، أبرزها تباطؤ النمو الاقتصادي وأزمة الشيخوخة السكانية المتفاقمة. كما أن التوترات الجيوسياسية في محيطها الإقليمي تفرض عليها حذراً دائماً، مما يجعل الصراع على قيادة العالم سباقاً طويلاً يعتمد على النفس الطويل وإدارة الموارد بحكمة.

إن جوهر الصراع الدولي الراهن لا يتعلق بمن يمتلك السلاح الأقوى اليوم، بل بمن يحسن تجديد قوته بدلاً من استهلاكها في صراعات جانبية. فعندما تنشغل دولة بخوض المعارك في كل زاوية من كوكب الأرض، بينما يركز منافسها على بناء البنية التحتية ومراكز الأبحاث، فإن ميزان القوى يتحرك ببطء تحت السطح.

تتحرك الصفائح التكتونية للنظام الدولي تماماً كما تتحرك تحت الأرض، حيث لا يظهر أثر الزلزال إلا عندما تكتمل لحظة التحول الكبرى. والإمبراطوريات تاريخياً غالباً ما تكون آخر من يعلم ببدء مرحلة الأفول، لأنها تظل متمسكة بصورة تفوقها العسكري القديم بينما يتسرب النفوذ الفعلي من بين أصابعها.

السؤال الذي يطرحه المحللون اليوم هو مدى قدرة الولايات المتحدة على تجنب مصير القوى العظمى السابقة عبر إعادة ترتيب أولوياتها الدولية. فهل تستطيع واشنطن الموازنة بين التزاماتها العالمية وبين حاجتها لتجديد رصيدها الاستراتيجي الداخلي قبل أن تصبح أعباء الإمبراطورية أثقل من قدرتها على الاحتمال؟

في نهاية المطاف، يبقى المشهد الدولي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، لكن الثابت أن القوة الصاعدة نادراً ما تعلن عن لحظة وصولها للقمة. فهي تكون مشغولة بصناعة الواقع الجديد على الأرض، بينما تظل الإمبراطورية المتعبة تحاول ترميم جدرانها المتصدعة في عالم لم يعد يعترف بالقوة العسكرية وحدها كمعيار للسيادة.

دلالات

شارك برأيك

صراع الإمبراطوريات: هل تستنزف واشنطن قوتها بينما يبني التنين الصيني مستقبله؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.