رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات- 18/6/206
تحليل إخباري
في تحول تاريخي قد يُعدّ الأهم في العلاقات الأميركية–الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الأربعاء النص الكامل لمذكرة تفاهم مؤلفة من أربعة عشر بنداً بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أن وقّعها إلكترونياً إلى جانب مسؤولين من الجانبين، لتدخل حيز التنفيذ فوراً، فيما من المقرر أن يشارك نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس في مراسم التوقيع الرسمية المقررة يوم الجمعة في جنيف.
ويضع الاتفاق حداً لمرحلة من التصعيد العسكري الخطير الذي كاد يدفع المنطقة إلى حرب واسعة، قبل أن تتغلب اعتبارات الكلفة الاقتصادية والاستراتيجية على منطق المواجهة العسكرية. كما يفتح الباب أمام عملية تفاوضية تمتد ستين يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي أشمل يتناول الملفات النووية والاقتصادية والأمنية والعلاقات الإقليمية بين البلدين.
وبحسب مصادر مطلعة، كان من المقرر أن يتم التوقيع النهائي خلال اجتماع مباشر في سويسرا، غير أن وساطات دبلوماسية مكثفة دفعت الطرفين إلى تسريع العملية وإقرار التوقيع إلكترونياً بهدف الإسراع في تنفيذ البنود العاجلة، وفي مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز واستعادة حرية الملاحة الدولية في الخليج.
ويتضمن الاتفاق أربعة عشر بنداً رئيسياً تشمل وقفاً فورياً للأعمال العدائية، واحترام السيادة المتبادلة، والتوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً، وإعادة فتح مضيق هرمز، واستئناف صادرات النفط الإيرانية، وتجميد العقوبات الأميركية الجديدة، والتزام إيران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، وتجميد برنامجها النووي عند مستواه الحالي، وعودة التجارة البحرية إلى طبيعتها، ومنع أي تصعيد عسكري إضافي، وإنشاء آلية مشتركة للرقابة والتنفيذ، وإطلاق برنامج دولي لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني تصل قيمته التقديرية إلى 300 مليار دولار، إضافة إلى بدء مفاوضات حول الأصول الإيرانية المجمدة والعقوبات، وانتهاءً بعرض الاتفاق النهائي على مجلس الأمن الدولي.
ويعكس الاتفاق إقراراً متبادلاً بحدود القوة لدى الطرفين. فبعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط والعمليات العسكرية غير المباشرة، لم تنجح واشنطن في فرض تغيير جذري في السلوك الإيراني، كما لم تتمكن طهران من إقصاء النفوذ الأميركي من المنطقة أو تجاوز تأثير النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. ومن ثم جاء الاتفاق بمثابة اعتراف عملي بأن استمرار الصراع أصبح أكثر كلفة من التوصل إلى تسوية سياسية تحفظ الحد الأدنى من مصالح الجانبين.
ويكشف نص المذكرة أيضاً عن تحول واضح في المقاربة الأميركية. فبدلاً من الإصرار على معالجة جميع الملفات الخلافية دفعة واحدة، بما فيها البرنامج الصاروخي الإيراني وشبكة التحالفات الإقليمية لطهران، ركزت واشنطن على أهداف أكثر واقعية تتمثل في منع التسلح النووي، وضمان أمن الملاحة البحرية، وفتح مسار تدريجي لمعالجة العقوبات والملفات الاقتصادية. ويعكس ذلك اقتناعاً متزايداً داخل الإدارة الأميركية بأن توسيع جدول التفاوض إلى أقصى حد كان سيؤدي إلى انهيار العملية برمتها.
ورغم المقارنات المتكررة مع الاتفاق النووي المبرم عام 2015، فإن الوثيقة الجديدة تتجاوز ذلك النموذج بكثير. فالاتفاق السابق كان محصوراً في الملف النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، أما التفاهم الحالي فيضع إطاراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً أوسع يشمل أمن الخليج، وحرية الملاحة، وإعادة الإعمار الاقتصادي، وآليات خفض التصعيد، ومستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران نفسها. ولهذا فإن اعتباره مجرد نسخة معدلة من اتفاق عام 2015 يعد تبسيطاً مضللاً لطبيعته وحجمه.
غير أن البعد الأكثر إثارة للانتباه في هذا التطور يتمثل في تداعياته على إسرائيل، وتحديداً على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أمضى سنوات طويلة محذراً من أي انفتاح أميركي على إيران، وجعل من سياسة المواجهة والعزل والضغوط القصوى حجر الزاوية في استراتيجيته تجاه طهران.
فمنذ بداية الأزمة الأخيرة، راهن نتنياهو على أن التصعيد العسكري سيدفع واشنطن إلى تبني سياسة أكثر تشدداً تجاه إيران، وربما إلى فرض شروط قاسية عليها أو الدخول في مواجهة مفتوحة معها. إلا أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً. فبدلاً من توسيع دائرة الحرب، انتهت الأزمة إلى اتفاق يعيد إطلاق الحوار الأميركي–الإيراني ويمنح طهران فرصة للخروج من العزلة الاقتصادية تدريجياً، ويعيد إدماجها في ترتيبات إقليمية ودولية جديدة.
ولهذا ينظر كثير من المراقبين إلى الاتفاق باعتباره هزيمة سياسية واستراتيجية واضحة لنتنياهو، ليس لأنه فشل في منع التفاهم فحسب، بل لأن الحرب التي دافع عنها انتهت عملياً إلى النتيجة ذاتها التي سعى طوال سنوات إلى الحيلولة دون تحقيقها: تفاوض مباشر بين واشنطن وطهران برعاية دولية، واعتراف متبادل بضرورة إدارة الخلافات عبر الدبلوماسية لا عبر المواجهة المفتوحة.
كما أن الاتفاق يوجه ضربة إضافية للرواية الإسرائيلية التقليدية التي قامت على تصوير الصراع مع إيران باعتباره صراعاً وجودياً لا يمكن تسويته إلا عبر الضغوط المتواصلة والعقوبات والتلويح بالقوة العسكرية. فنجاح واشنطن وطهران في التوصل إلى هذا الإطار التفاوضي يثبت أن البديل الدبلوماسي ما زال ممكناً حتى بعد سنوات طويلة من العداء وانعدام الثقة.
إقليمياً، قد يفتح الاتفاق الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات. فالعداء الأميركي–الإيراني كان أحد المحركات الرئيسية للأزمات في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج. وإذا نجح الطرفان في تثبيت التفاهمات الحالية، فقد تنشأ فرص حقيقية لتخفيف حدة الصراعات وفتح مسارات سياسية جديدة في عدد من الملفات الإقليمية المعقدة.
ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاق بل في استمراره. فالتجربة السابقة للاتفاق النووي عام 2015 أظهرت أن أي تفاهم يمكن أن يتعرض للانهيار مع تغير الإدارات أو تبدل الحسابات السياسية. كما أن معارضي الاتفاق في واشنطن وطهران وتل أبيب سيعملون على اختبار صلابته منذ اللحظة الأولى.
لكن، حتى لو واجه الاتفاق عقبات كبيرة في المستقبل، فإن مجرد التوصل إليه بعد نحو سبعة وأربعين عاماً من القطيعة والعداء يمثل حدثاً تاريخياً بحد ذاته. فهو لا يعكس فقط نهاية جولة من المواجهة، بل يؤشر إلى بداية إعادة رسم التوازنات الإقليمية على أسس جديدة، ويكرس حقيقة سياسية يصعب تجاهلها: أن الحرب التي كان نتنياهو يأمل أن تعزز موقعه انتهت بتعزيز الدبلوماسية التي سعى طويلاً إلى منعها.





شارك برأيك
الاتفاق الأميركي الإيراني يعيد رسم الشرق الأوسط ويكرّس هزيمة نتنياهو السياسية