تصاعدت حدة القلق داخل الأوساط الأمنية والسياسية في تل أبيب مع اقتراب موعد التوقيع الرسمي على تفاهمات جديدة بين واشنطن وطهران. ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق يترك دولة الاحتلال أمام تساؤلات استراتيجية معقدة دون إجابات واضحة، خاصة فيما يتعلق بمصير البرنامج النووي الإيراني واليورانيوم المخصب الذي لم يجرِ تفكيكه بعد.
واعتبر العقيد المتقاعد في الاستخبارات العسكرية، إلداد شافيت أن ما سيجري توقيعه يوم الجمعة ليس اتفاقاً تاريخياً بالمعنى الشامل، بل هو مخرج سياسي يحتاجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأوضح شافيت أن ترامب يسعى لوقف استنزاف الطاقة والضغوط السياسية الداخلية عبر تصوير هذه التفاهمات كإنجاز دبلوماسي شخصي له.
وتشير التقديرات إلى أن فترة الستين يوماً المخصصة للتفاوض قد تتحول إلى آلية للمماطلة الإيرانية بهدف الحفاظ على المكاسب الحالية. وفي ظل إعلان ترامب لنجاح مساره، سيجد صعوبة بالغة في العودة إلى خيار الحرب الشاملة، مما قد يحرم إسرائيل من الغطاء الأمريكي اللازم لأي عمل عسكري واسع النطاق في المستقبل القريب.
وعلى الرغم من التنسيق العملياتي العالي الذي ظهر بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي خلال الفترة الماضية، إلا أن التباين برز بوضوح في الرؤية السياسية لنهاية الصراع. فبينما كانت تل أبيب تطمح لترجمة تفوقها العسكري إلى تغيير استراتيجي يضعف إيران جذرياً، كان تركيز البيت الأبيض منصباً على تأمين الممرات المائية وفتح مضيق هرمز وتخفيف الأعباء الاقتصادية.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة هي الطرف الذي يمتلك صلاحية تحديد سقف العمليات العسكرية وتوقيت وقف إطلاق النار. واكتشفت القيادة الإسرائيلية أن قدرتها على ضرب العمق الإيراني تظل محكومة بالرؤية الأمريكية لما يسمى 'اليوم التالي'، وهو ما قلص من طموحات الحسم العسكري التي كان ينادي بها نتنياهو.
وشكل الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية في بيروت نقطة تحول في لغة الخطاب بين الحليفين، حيث اعتبره ترامب محاولة لتقويض مساره الدبلوماسي. وانعكس هذا الاستياء في تصريحات غير مألوفة من الرئيس الأمريكي تجاه نتنياهو، واصفاً إياه بالشخص 'صعب المراس' ومطالباً إياه بإظهار المزيد من الامتنان للدعم الأمريكي.
وتؤكد مصادر مطلعة أن التحالف الشخصي بين ترامب ونتنياهو لم يعد كافياً لتجاوز تضارب المصالح الحاد في هذه المرحلة. فترامب الذي يبدي استعداداً لدعم إسرائيل عسكرياً، لن يتردد في ممارسة ضغوط علنية وصارخة إذا ما شعر أن التحركات الإسرائيلية تهدد 'صورة النصر' التي يسوقها للجمهور الأمريكي.
إسرائيل تخرج من هذه الحملة أقوى عسكرياً، لكنها أكثر محدودية سياسياً، واكتشفت أن واشنطن هي من تحدد متى تتوقف وماهية النصر.
ويمثل هذا التحول جرس إنذار للمؤسسة الإسرائيلية التي راهنت طويلاً على حرية التصرف المطلقة في ظل إدارة جمهورية. وبات من الواضح أن التقارب مع ترامب لا يمنح شيكاً على بياض للتحرك ضد المنشآت الاستراتيجية الإيرانية، خاصة إذا كان ذلك يتعارض مع الاتفاقات المبرمة تحت رعاية واشنطن.
إقليمياً، لم تؤدِ الضغوط العسكرية إلى انهيار النظام الإيراني أو تفكيك قدراته النووية كما كانت تأمل تل أبيب. بل على العكس، يرى محللون أن طهران استطاعت الصمود والحصول على تنازلات اقتصادية مهمة، مع الاحتفاظ بأوراق ضغط استراتيجية مثل السيطرة على مضيق هرمز الذي أثبت فاعليته كأداة لابتزاز الاقتصاد العالمي.
وترى دول المنطقة أن واشنطن، رغم قوتها العسكرية الهائلة، تفتقر إلى الإرادة السياسية لخوض حروب طويلة الأمد لتحقيق نصر كامل. هذا الإدراك دفع العديد من العواصم الإقليمية لإعادة حساباتها والعودة لطاولة التفاوض مع طهران، باعتبارها لاعباً لا يمكن إقصاؤه من المعادلة السياسية حتى بعد تلقيه ضربات قاسية.
ويتمثل الشاغل الأكبر للاحتلال حالياً في تقلص 'حرية العمل' ضد الأصول الإيرانية، حيث سيُنظر لأي استهداف لكبار المسؤولين أو المنشآت كعمل تخريبي ضد إنجازات البيت الأبيض. هذا القيد السياسي يمتد ليشمل الساحة اللبنانية أيضاً، حيث ستخضع أي عمليات ضد حزب الله لمعايير الحفاظ على التفاهمات الكبرى مع إيران.
وفي قراءة نقدية للسياسة الخارجية الإسرائيلية، يظهر أن الرهان الكامل على المعسكر الجمهوري قد أدى إلى تآكل العلاقات مع الديمقراطيين والشرائح الليبرالية. واليوم، مع اتساع الفجوة مع ترامب نفسه، تجد إسرائيل نفسها بهامش مناورة ضيق جداً داخل أروقة صنع القرار في العاصمة الأمريكية واشنطن.
الخلاصة التي توصل إليها الخبراء هي أن القوة العسكرية الفائقة لم تكن بديلاً ناجحاً عن استراتيجية سياسية واضحة لإنهاء الحرب. فبينما خرجت إسرائيل من المواجهة بقدرات عملياتية استثنائية، إلا أنها وجدت نفسها في وضع سياسي أكثر تعقيداً وتبعية للقرار الأمريكي مما كانت عليه قبل بدء التصعيد.
إن حالة الإحباط السائدة تعكس حقيقة التبعية المطلقة لواشنطن في السلم والحرب على حد سواء. ورغم محاولات الظهور بمظهر القوة المستقلة، إلا أن فجاجة الضغوط التي مارسها ترامب أعادت تذكير القيادة الإسرائيلية بحدود قوتها أمام إرادة الحليف الأكبر والوحيد.





شارك برأيك
خيبة أمل في تل أبيب: اتفاق ترامب وإيران يقلص هوامش المناورة الإسرائيلية