تترقب الأوساط السياسية الدولية التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة في التاسع عشر من حزيران/يونيو الحالي، وهو الاتفاق الذي يهدف إلى وضع حد لأربعة أشهر من التصعيد العسكري الذي طال تأثيره منطقة الشرق الأوسط برمتها. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن التفاصيل الكاملة لن تُعلن رسمياً إلا بعد مراسم التوقيع، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق يمهد لمرحلة جديدة من المفاوضات التكميلية.
وتشير المعلومات المسربة إلى أن الاتفاق يتألف من 14 بنداً أساسياً، تضع في مقدمة أولوياتها الوقف الفوري والدائم لكافة الأعمال القتالية على جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية. ويهدف هذا البند إلى ضمان استقرار إقليمي يتيح للطرفين الدخول في مفاوضات تقنية وسياسية معقدة حول الملفات العالقة منذ سنوات.
وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، تضمنت المسودة بنوداً تقضي برفع الحصار البحري الذي فرضته واشنطن على الموانئ الإيرانية منذ منتصف نيسان/أبريل الماضي، بالإضافة إلى سحب القوات الأمريكية من المناطق المحيطة بإيران. كما تلحظ المذكرة تعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط والمنتجات البتروكيميائية، مما يمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً حيوياً.
وتعد قضية الأموال المجمدة من أبرز مكاسب طهران في هذا الاتفاق، حيث كشفت مصادر إعلامية عن توجه للإفراج عن نحو 24 مليار دولار خلال فترة المفاوضات النهائية التي ستمتد لستين يوماً. ومن المتوقع أن تتسلم إيران نصف هذا المبلغ كبادرة حسن نية قبل البدء الفعلي في جولات التفاوض المقررة حول البرنامج النووي.
أما بخصوص مضيق هرمز، فقد برز تباين في التصريحات بين واشنطن وطهران؛ فبينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المضيق سيكون مفتوحاً دون رسوم، أكدت مصادر إيرانية أن إعادة الفتح ستتم خلال شهر وفق ترتيبات سيادية خاصة. وأوضحت المصادر أن طهران أضافت بنداً يضمن حقها في فرض رسوم خدمات بحرية بالتعاون مع سلطنة عُمان.
وشدد وزير الخارجية الإيراني على أن بلاده اتخذت قراراً حاسماً بأن إدارة الممر المائي الاستراتيجي لن تعود إلى سابق عهدها، معتبراً إياه أداة ردع استراتيجية. وأشار عراقجي إلى أن فرض رسوم العبور قد يتعارض مع القانون الدولي، لكن رسوم الخدمات هي حق سيادي ستتم ممارسته لضمان أمن وسلامة الملاحة تحت الإشراف الإيراني.
ومن المقرر أن تنطلق عقب التوقيع مفاوضات مكثفة لمدة 60 يوماً تركز بشكل أساسي على البرنامج النووي الإيراني ومستويات تخصيب اليورانيوم. وستبحث هذه الجلسات مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، والآليات الدولية التي تضمن عدم تحول البرنامج النووي نحو الأغراض العسكرية في المستقبل.
إدارة مضيق هرمز لن تعود كما كانت، والممر سيظل أداة ردع بيد الجمهورية الإسلامية.
وفي تصريحات صحفية، ألمح الرئيس الأمريكي إلى أن المفاوضات قد تفضي إلى تعليق تخصيب اليورانيوم في إيران لمدة تتراوح بين 15 إلى 20 عاماً. وأكد ترامب أن الهدف الأساسي هو ضمان عدم تجاوز قدرات التخصيب الإيرانية للمستويات السلمية المسموح بها دولياً، وهو ما يمثل جوهر القلق الغربي تجاه الأنشطة النووية لطهران.
من جانبه، أوضح نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن المفاوضات لن تقتصر على الجانب النووي، بل ستشمل ملفات إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية لما بعد الحرب. وتسعى طهران من خلال هذه المباحثات إلى وضع آلية دولية تضمن التزام كافة الأطراف ببنود الاتفاق ومنع تنصل واشنطن منه مستقبلاً كما حدث في تجارب سابقة.
وعلى الرغم من شمولية الاتفاق، إلا أن هناك ملفات حساسة لا تزال خارج إطار التفاهم المبدئي، وعلى رأسها برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. وأفادت تقارير إعلامية بأن طهران نجحت في استبعاد ملف الصواريخ ودعمها لحلفائها في المنطقة من جدول أعمال المفاوضات الحالية، وهو ما قد يثير تحفظات واسعة لدى أطراف إقليمية أخرى.
ويرى مراقبون أن استبعاد 'محور المقاومة' وبرنامج الصواريخ من المذكرة يمثل انتصاراً ديبلوماسياً لإيران، التي تصر على أن هذه الملفات مرتبطة بالأمن القومي ولا تقبل التفاوض. وفي المقابل، تركز الإدارة الأمريكية الحالية على تحييد الخطر النووي كأولوية قصوى لضمان عدم انزلاق المنطقة نحو سباق تسلح نووي غير مسيطر عليه.
وتشير المصادر إلى أن الأيام القادمة ستشهد تحركات ديبلوماسية مكثفة لوضع اللمسات الأخيرة على صياغة البنود التقنية قبل موعد التاسع عشر من حزيران. ويهدف الطرفان من خلال هذه السرية المحيطة بالتفاصيل إلى تجنب الضغوط السياسية الداخلية والمعارضة التي قد تظهر من قبل التيارات المتشددة في كلا البلدين.
إن نجاح هذه المذكرة في التحول إلى اتفاق دائم يعتمد بشكل كبير على مدى التزام واشنطن برفع القيود المالية والمصرفية عن طهران بشكل فعلي وملموس. فإيران تربط أي تقدم في الملف النووي بمدى قدرتها على الوصول إلى أموالها المجمدة في الخارج واستعادة حصتها الطبيعية في سوق النفط العالمي دون عوائق.
ختاماً، يمثل هذا الاتفاق المرتقب نقطة تحول جوهرية في مسار العلاقات الإيرانية الأمريكية، وقد يؤدي في حال نجاحه إلى صياغة نظام أمني جديد في المنطقة. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة حول كيفية التوفيق بين المطالب الأمنية الإسرائيلية وبين بنود الاتفاق التي يبدو أنها منحت طهران هامشاً واسعاً في ملفاتها الدفاعية والإقليمية.





شارك برأيك
تفاصيل مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية: خارطة طريق لإنهاء الحرب ورفع العقوبات