تواصل المؤسسات الدولية رصد مسارات الاستقرار والتنمية في المنطقة العربية، وفي هذا السياق أصدرت مؤسسة 'بيرتلسمان ستيفتانغ' الألمانية تقريرها الجديد حول مؤشر تحول الأعمال (BTI). شمل التقرير تقييماً شاملاً لـ 137 دولة، من بينها ليبيا، مغطياً الفترة الزمنية الممتدة بين عامي 2023 و2025، ليعكس صورة دقيقة عن واقع التحولات الهيكلية.
استند المؤشر في تصنيفه إلى ثلاثة محاور جوهرية تمثل أعمدة الدولة الحديثة، وهي التحول الديمقراطي، وآليات الحوكمة، ومدى فاعلية اقتصاد السوق. وقد جاءت النتائج الليبية مخيبة للآمال، حيث حصلت البلاد على 2.31 نقطة فقط من أصل 10 نقاط، مما وضعها في المرتبة 128 عالمياً، وهو مركز يعكس حجم التحديات الجسيمة.
أفادت مصادر تحليلية بأن هذا التراجع الحاد في النقاط يعبر عن عمق الأزمة السياسية وحالة التخلف المؤسساتي التي تعاني منها البلاد منذ سنوات. ويرى مراقبون أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي انعكاس لواقع يعيشه المواطن الليبي في ظل تعثر المسارات الإصلاحية وغياب الرؤية الوطنية الموحدة.
عند تفكيك محور التحول السياسي، تظهر البيانات أن ليبيا تعاني من ضعف شديد في معايير المشاركة السياسية وسيادة القانون. وقد سجلت هذه المعايير مستويات متدنية لم تتجاوز النقطتين، مما يشير إلى فجوة واسعة بين الطموحات الشعبية في التغيير وبين الواقع المؤسساتي المتهالك الذي يفتقر لأدوات الإدارة الرشيدة.
أما على صعيد الحوكمة، فإن التقرير يسلط الضوء على غياب التنسيق الفعال بين السلطات التشريعية والتنفيذية، مما أدى إلى تضارب في القرارات والقوانين. هذا التخبط الإداري ساهم في إضعاف قدرة الدولة على تنظيم الشأن العام وتحقيق الأهداف الكلية في مجالات الأمن والاجتماع، مما زاد من تعقيد المشهد العام.
وفيما يخص الجانب الاقتصادي، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث لم تتخطَّ مؤشرات الاستقرار المالي والنقدي حاجز الثلاث نقاط في أحسن الظروف. يعكس هذا الأداء المتواضع غياب الاستراتيجيات الواضحة لتحقيق الاستدامة الاقتصادية، في ظل اعتماد كلي على موارد ريعية وتذبذب في السياسات النقدية التي تؤثر مباشرة على حياة المواطنين.
تؤكد القراءة التحليلية للمؤشر أن الوضع الراهن يتطلب جهوداً استثنائية لتصحيح المسار، حيث أن الاختلالات البنيوية في المنظومة السياسية والاقتصادية باتت تهدد أي فرص مستقبلية للنمو. إن الحاجة أصبحت ملحة لإصلاحات جذرية تطال البناء المؤسسي بالكامل، بعيداً عن الحلول الترقيعية التي لم تثبت جدواها خلال العقد الماضي.
الحالة الليبية المأزومة في حاجة إلى عقل ريادي رؤيوي مبدع تلتف حوله نخبة وطنية نزيهة لقلب الواقع البائس إلى نهضة شاملة.
يشير التقرير إلى أن ميزة مؤشر 'BTI' تكمن في قدرته على تحديد زاوية التحول المطلوب والاتجاه الصحيح للإصلاح. ومع ذلك، فإن نجاح أي خطط مستقبلية يظل رهناً بتوفر بيئة سياسية مستقرة، وهو ما تفتقده ليبيا حالياً في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية التي تؤثر على القرار السيادي المحلي.
إن الهوة الكبيرة بين الواقع الراهن وسقف التغيير المنشود تتطلب نفض غبار الهزال عن مؤسسات الدولة والمجتمع على حد سواء. ويتطلب هذا الانتقال وعياً جمعياً من الشرائح الفاعلة والنخب السياسية بضرورة الالتزام باشتراطات التحول الديمقراطي الحقيقي، بعيداً عن المصالح الضيقة التي عرقلت مسارات التنمية.
تنتقد المصادر غياب 'بوصلة التغيير' لدى السلطات الحالية، حيث يبدو الحراك السياسي والمدني، سواء الذي تشرف عليه البعثة الأممية أو المكونات المحلية، في صدام مستمر مع متطلبات البناء الصحيح. هذا الصدام يمنع امتصاص الآثار الخطيرة لحالة التأزيم الراهنة ويحول دون تحويلها إلى مسار نهوضي صاعد.
الحالة الليبية المأزومة، كما يصفها المحللون، بحاجة ماسة إلى عقل ريادي قادر على ابتكار حلول خارج الصندوق التقليدي للأزمات. هذا العقل يجب أن تلتف حوله نخبة وطنية تتمتع بالنزاهة والكفاءة، وتكون قادرة على استقطاب الجماهير من كافة المناطق والشرائح لضمان شمولية المشروع الإصلاحي.
إن التغيير المنشود يجب أن يطال المنظومة الثقافية والاجتماعية بجانب السياسة والاقتصاد، لضمان استدامة أي تحول ديمقراطي مستقبلي. فبدون إصلاح جذري في المفاهيم العامة حول الدولة والمواطنة، ستظل المؤشرات الدولية تسجل تراجعاً مستمراً في أداء المؤسسات الليبية.
ختاماً، يمثل تقرير مؤسسة 'بيرتلسمان ستيفتانغ' جرس إنذار للقائمين على الشأن الليبي، بضرورة الالتفات إلى مواطن الخلل الهيكلية التي رصدها المؤشر بدقة. إن الاستمرار في تجاهل هذه الحقائق الدامغة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور في ترتيب ليبيا العالمي وفي واقعها المعيشي المأزوم.
يبقى الأمل معقوداً على قدرة المجتمع الليبي على إنتاج مشروع وطني جامع يقلب الواقع البائس إلى نهضة شاملة طال انتظارها لعقود. إن الطريق نحو التحول الديمقراطي واقتصاد السوق يتطلب إرادة سياسية صلبة وتوافقاً وطنياً يتجاوز الخلافات الراهنة من أجل مصلحة الأجيال القادمة.





شارك برأيك
ليبيا في ذيل مؤشر 'BTI' العالمي: أزمة هيكلية تعصف بطموحات التحول الديمقراطي والاقتصادي