لا تخضع العلاقات الدولية دائماً لمنطق البراغماتية والمصالح الكبرى، خاصة في المنطقة العربية التي تلعب فيها السيكولوجيا السياسية دوراً محورياً. إن تفسير المواقف والظواهر السياسية يتطلب أحياناً الغوص في الاختلاجات النفسية لصناع القرار، بعيداً عن الحسابات الاستراتيجية التقليدية التي قد لا تفسر السلوكيات الراهنة.
تتجلى هذه الحالة في الموقف المصري الأخير تجاه سوريا، حيث رفضت وزارة الخارجية في القاهرة اعتماد أوراق السفير السوري محمد طه الأحمد. ويشغل الأحمد منصب مدير الشؤون العربية في الخارجية السورية، إلا أن رفضه جاء دون توضيح الأسباب المباشرة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين البلدين.
تاريخياً، تنظم معاهدة فيينا لعام 1961 إجراءات تعيين السفراء، والتي تبدأ باختيار المرشح وتنتهي بتقديم أوراق الاعتماد لرئيس الدولة المستقبِلة. ورغم أن للدول حق الرفض، إلا أنه من النادر أن يرتبط تطوير العلاقات الثنائية بين دولتين بوزن مصر وسوريا بمسألة تعيين شخص بعينه في البعثة الدبلوماسية.
بالنظر إلى تجارب سابقة، نجد أن العلاقات الدبلوماسية قد تستمر رغم الاستياء من شخوص البعثات، كما حدث بين الأردن وسوريا عام 2009. حينها عين نظام الأسد شخصية أمنية مثيرة للجدل سفيراً في عمان، ورغم التحفظ الأردني، إلا أن المصالح العليا حالت دون اتخاذ مواقف تؤدي لقطيعة دبلوماسية.
منذ عام 2013، كان الهاجس الأمني هو المعيار الوحيد الذي حكم رؤية القاهرة للملف السوري، حيث نشأ تعاون أمني سري مع النظام السابق. هذا التعاون كان يرتكز بشكل أساسي على تلاقي المصالح في مواجهة الحركات الإسلامية، وهو ما جعل الموقف المصري أقل حدة تجاه دمشق مقارنة بدول عربية أخرى.
اليوم، وبعد سقوط النظام السابق وتغير المشهد في دمشق، يبدو أن الاعتبار الأمني لا يزال يحكم الرؤية المصرية، لكن بصبغة مختلفة. التحليلات تشير إلى أن الموقف الحالي قد يكون مرتبطاً باعتبارات شخصية وسياسية تتجاوز حدود المصالح الاستراتيجية المباشرة للدولة المصرية.
يبرز التباين في المواقف العربية بوضوح عند مقارنة السلوك المصري والسعودي تجاه التحولات السورية الأخيرة، فرغم العداء المشترك للإسلام الراديكالي، إلا أن الرياض سلكت طريقاً مختلفاً. هذا التباين يشير إلى أن الحسابات في القاهرة تتأثر بعوامل داخلية تتعلق بشرعية النموذج الحاكم وخوفه من البدائل.
الموقف المصري مرتبط بالاعتبارات الشخصية والخوف من نجاح التجربة السورية في الحكم، بما قد يعيد الثقة لهذا النمط في عيون الشارع العربي.
يكمن جوهر التخوف المصري، حسب القراءات التحليلية، في نجاح التجربة السورية الجديدة في تقديم نموذج حكم مستقر وناجح. هذا النجاح قد يعيد الاعتبار والثقة لأنماط من الحكم كانت القاهرة تسعى لتجاوزها، مما قد ينعكس على تطلعات الشارع المصري والعربي بشكل عام.
لو كانت القضية تتعلق فقط بوجود شخصيات مصرية معارضة في سوريا، لكان من الأجدى للقاهرة التقارب مع دمشق لممارسة ضغوط مباشرة. إن بناء علاقات قوية مع السلطة الجديدة يمنح مصر قدرة أكبر على التأثير في الملفات الأمنية الحساسة، بدلاً من سياسة البرود والابتعاد.
إن المخاطرة بخسارة العلاقة مع دولة بحجم مصر ليست في مصلحة الحكام الجدد في سوريا، مهما كانت أهمية الشخصيات المتواجدة لديهم. فالدولة المصرية تظل ركيزة أساسية في النظام الإقليمي، والتعاون معها ضرورة استراتيجية لأي نظام يسعى للشرعية والاستقرار في المنطقة.
تتطلب مرحلة التعافي في سوريا الانفتاح على القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها مصر والسعودية، بالإضافة إلى تركيا وقطر. هذا المربع الإقليمي هو الضمانة الوحيدة لاستعادة سوريا لمكانتها، وتظل مصر هي الطرف الأقوى والأقدر على ممارسة التأثير الفعلي في هذا المسار.
على الحكام الجدد في دمشق إدراك أن مصر أكبر من أي اعتبارات شخصية، وأن مكانتها ضرورة لكل بلد عربي يسعى للنهوض من الركام. إن الانصياع لبعض المطالب المصرية، حتى لو بدت صعبة، قد يكون ثمناً لا بد منه لتأمين الغطاء العربي اللازم للمرحلة الانتقالية.
في نهاية المطاف، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الدبلوماسية المصرية على تجاوز الهواجس النفسية والسياسية لصالح رؤية براغماتية شاملة. فاستقرار سوريا يصب في مصلحة الأمن القومي المصري، والقطيعة أو البرود الدبلوماسي لن يخدم سوى الأطراف التي تسعى لإبقاء المنطقة في حالة من السيولة.
إن مستقبل العلاقات بين القاهرة ودمشق سيبقى رهيناً بالتوازنات بين المخاوف الداخلية والمصالح الخارجية، وفي انتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية القادمة، يظل ملف السفير السوري الجديد مؤشراً على عمق الفجوة التي تحتاج إلى جسور من الثقة المتبادلة.





شارك برأيك
سيكولوجيا السياسة: لماذا تتوجس القاهرة من التحولات الجديدة في سوريا؟