تحليل

السّبت 13 يونيو 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس

أيباك وحرب النفوذ الخاسرة: كيف ساهمت إسرائيل في تقويض حلفائها داخل الحزب الديمقراطي

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 13/6،2026


تحليل إخباري


في مؤشر جديد على التحولات العميقة التي تضرب المشهد السياسي الأميركي، كشفت صحيفة نيويورك تايمز في مقال نشرته الجمعة 12 حزيران أن لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، التي كانت لعقود طويلة الحارس الأبرز للإجماع الأميركي الداعم لإسرائيل، باتت تواجه تمرداً متصاعداً داخل الحزب الديمقراطي نفسه، إلى درجة أن مهاجمتها انتخابياً أصبحت في بعض الدوائر الديمقراطية وسيلة لكسب الأصوات لا لخسارتها.


ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد خلاف سياسي عابر أو منافسة انتخابية محلية، بل بتحول استراتيجي يعكس إعادة تقييم واسعة للعلاقة الأميركية الإسرائيلية داخل أوساط الديمقراطيين، خصوصاً بين الأجيال الشابة والناخبين التقدميين الذين باتوا ينظرون إلى إسرائيل من زاوية الاحتلال والاستيطان والحرب على غزة، لا من زاوية الرواية التقليدية التي سادت لعقود في واشنطن.


وبحسب الصحيفة، برز اسم أيباك بقوة خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في نيويورك، حيث جعل بعض المرشحين من رفض الخضوع لنفوذ المنظمة محوراً أساسياً في حملاتهم. وهي ظاهرة كانت تُعد حتى وقت قريب ضرباً من الانتحار السياسي في الحياة العامة الأميركية.


لكن التحول الأهم لا يكمن في انتقاد أيباك بحد ذاته، بل في الأسباب التي دفعت إلى ذلك. فالجماعة التي بنت نفوذها على الادعاء بأنها تمثل توافقاً أميركياً واسعاً حول إسرائيل، باتت تُتهم اليوم بأنها تستخدم الأموال السياسية الضخمة لإسكات الأصوات المعارضة، وأنها تدافع عن سياسات الحكومة الإسرائيلية مهما بلغت درجة تطرفها أو تعارضها مع القيم التي يرفعها الحزب الديمقراطي.


لقد استند نفوذ أيباك لعقود إلى فكرة بسيطة: أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل متطابقة، وأن دعم إسرائيل يمثل جزءاً من الأمن القومي الأميركي. لكن هذه الفرضية تعرضت لتصدعات متلاحقة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع صعود حكومات اليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو، وتزايد الانتقادات الأميركية للاستيطان، ثم الحرب المدمرة على غزة التي أوقعت عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين.


وتشير نيويورك تايمز إلى أن نقطة التحول الرئيسية بدأت خلال معركة الاتفاق النووي مع إيران في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما. عندها لم تكتف حكومة نتنياهو بمعارضة الاتفاق، بل دخلت في مواجهة مباشرة مع البيت الأبيض، في مشهد غير مسبوق بلغ ذروته عندما ألقى نتنياهو خطاباً أمام الكونغرس ضد سياسة رئيس أميركي منتخب.


ومنذ ذلك الوقت، بدأت إسرائيل تفقد تدريجياً مكانتها كقضية تحظى بإجماع الحزبين، لتتحول إلى ملف حزبي مثير للانقسام. وكان نتنياهو، أكثر من أي شخصية أخرى، مسؤولاً عن هذا التحول بعدما راهن بصورة شبه كاملة على التحالف مع الجمهوريين واليمين الأميركي.


وفي محاولة لاحتواء هذا التراجع، انتقلت أيباك من أساليب الضغط التقليدية إلى استخدام أدوات أكثر هجومية، عبر إنشاء لجان إنفاق انتخابية ضخمة قادرة على ضخ ملايين الدولارات في الانتخابات التمهيدية. غير أن هذه الاستراتيجية أفرزت نتائج معاكسة في كثير من الأحيان.


فبدلاً من تعزيز صورة المنظمة، أصبحت الأموال الضخمة التي تنفقها دليلاً إضافياً لدى منتقديها على حجم النفوذ غير المتوازن الذي تمارسه داخل النظام السياسي الأميركي. والأسوأ من ذلك أن عدداً متزايداً من المرشحين الديمقراطيين بدأوا يكتشفون أن مهاجمة أيباك قد تكون أكثر شعبية بين قواعد الحزب من التقرب إليها.


المفارقة أن التحدي الأكبر الذي تواجهه المنظمة لا يأتي من الجناح التقدمي المعروف بمواقفه التاريخية تجاه إسرائيل، بل من شخصيات ديمقراطية "معتدلة" تؤكد دعمها لوجود إسرائيل وأمنها، لكنها ترفض منح الحكومات الإسرائيلية حصانة سياسية مطلقة أو دعماً عسكرياً غير مشروط.


وهنا تكمن الأزمة الحقيقية. فحين يصبح المنتقدون من داخل المعسكر المؤيد لإسرائيل نفسه، تتراجع فعالية الاتهامات التقليدية بمعاداة السامية أو التطرف السياسي. كما يصبح من الصعب تصوير أي انتقاد للحكومة الإسرائيلية باعتباره عداءً لإسرائيل أو للشعب اليهودي.


إن ما تكشفه هذه التطورات هو أن الأزمة لم تعد أزمة علاقات عامة بالنسبة لأيباك، بل أزمة شرعية سياسية وأخلاقية. فالأجيال الجديدة من الديمقراطيين لا تنظر إلى إسرائيل بالطريقة التي نظر بها آباؤهم وأجدادهم بعد الحرب العالمية الثانية. كما أن مشاهد الدمار في غزة والانتهاكات المتواصلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة أضعفت بصورة كبيرة الخطاب التقليدي الذي كانت المنظمة تعتمد عليه لتبرير الدعم غير المشروط لإسرائيل.


ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن أيباك، التي نشأت أصلاً للحفاظ على متانة العلاقة الأميركية الإسرائيلية، تبدو اليوم وكأنها تساهم، من حيث لا تريد، في تسريع التآكل الذي يصيب تلك العلاقة. فكلما رفعت سقف المواجهة ضد الأصوات المنتقدة لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، زادت حدة الجدل حول طبيعة هذا التحالف وحدوده ومستقبله.


وفي النهاية، لا تدور المعركة الحالية حول أيباك وحدها، بل حول سؤال أكبر يفرض نفسه بقوة داخل السياسة الأميركية: هل يستمر الدعم الأميركي لإسرائيل بوصفه التزاماً غير قابل للنقاش، أم يتحول إلى علاقة تخضع للمساءلة والمحاسبة مثل أي علاقة أخرى بين دولتين؟ المؤشرات الحالية توحي بأن هذا السؤال لم يعد هامشياً، وأن الإجابة عنه قد تعيد رسم ملامح السياسة الأميركية تجاه إسرائيل لعقود مقبلة.

دلالات

شارك برأيك

أيباك وحرب النفوذ الخاسرة: كيف ساهمت إسرائيل في تقويض حلفائها داخل الحزب الديمقراطي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.