تتصاعد التحذيرات من تحول اللقب الأكاديمي في مجتمعاتنا من وسام يُمنح للمبدعين والمجتهدين إلى 'سلعة' معلبة تُباع لمن يملك المال ويفتقر إلى الكفاءة. نحن اليوم أمام ما يشبه 'بورصة الأوهام' التي تطعن في خاصرة كل شاب سهر الليالي لنيل شهادة حقيقية، بينما يتجاوزه آخرون بألقاب مشتراة من دكاكين أكاديمية مشبوهة.
إن المشهد الحالي يصور واقعاً سوداوياً حيث تكتظ زوايا المدن بمكاتب 'اعتماد' تسدد الرشوة بدلاً من طرح الأسئلة العلمية، وتعرض الشهادات كما تُعرض السلع في الأسواق. هذه الممارسات ليست مجرد تجاوزات إدارية بسيطة، بل هي خيانة صريحة لمشهد التعليم وخرق لحق المواطن في التعامل مع مؤسسات صادقة ونزيهة.
تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي صفحات تروج لدرجات علمية بنظام 'الدليفري'، مستغلة أسماء كبيرة في دعايات مضللة لجذب الباحثين عن الوجاهة الاجتماعية الزائفة. ما يجري في قطاع التعليم العالي اليوم يتجاوز الخلل الإداري ليصل إلى مرحلة التآكل المنظم لخريطة الثقة بالعلم والمهنة والهوية الوطنية على حد سواء.
عندما يتساوى 'الدبلوم' المزور مع الشهادة الحقيقية، يتبدد الفرق بين المجتهد الذي قضى سنوات في البحث وبين من اشترى ورقة مزينة بختم زائف. ثمن هذه المعادلة المختلة لا يقاس فقط بفرص العمل الضائعة، بل باغتيال القدوة في نفوس الأجيال الصاعدة التي باتت ترى أن الجد لا يجدي نفعاً.
إن المجتمع الذي يكافئ 'الظهور' على حساب 'الإنتاج' يحكم على مستقبله بالموت البطيء، حيث تصبح البنية المؤسسية معيبة نتيجة ضعف الرقابة وتواطؤ بعض الأطراف. من غير المقبول أن تُمنح صفة 'مشروعة' لكيانات تمنح دكتوراة مهنية مقابل مبالغ زهيدة دون أي معايير أكاديمية واضحة أو رقابة صارمة.
تتحمل الدولة مسؤولية باهظة تجاه هذا السوق المفتوح للألقاب المضروبة، حيث يتسلل غير المؤهلين إلى مواقع حساسة في الدولة بناءً على أوراق مزورة. هذا التغلغل يؤدي إلى اتخاذ قرارات إدارية خاطئة وهدر هائل في الموارد العامة والخاصة، فضلاً عن تعميق الفجوة الطبقية بين الكفاءة والمال.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكاتفاً بين الجمهور والدولة، فلا يكفي إلقاء اللوم على جهة واحدة بينما تستمر منظومة التظاهر بالعلم في التوسع. يجب على الدولة تطبيق قوانين صارمة وفتح تحقيقات فورية في أي تواطؤ إداري يسهل منح هذه الشهادات غير القانونية في مراكز التدريب والجامعات.
العلم الذي يفقد معيار الصدق يفقد قيمته، وعندما تصبح الشهادة مجرد ورقة تمنح لمن يدفع، نكون أمام جريمة منظمة ضد الحق العام.
من الضروري اليوم إنشاء سجل وطني موحد، يدوي وإلكتروني، يوثق كافة الشهادات والدرجات العلمية الصادرة عن جهات معتمدة ويكون متاحاً لأرباب العمل. إن ربط الاعتراف بالشهادات بقواعد شفافة ومعلنة سيجعل كل شهادة غير مطابقة لهذا السجل لاغية، ويعرض صاحبها ومصدرها للمساءلة القانونية المباشرة.
يجب تشديد العقوبات الجنائية على مزودي الشهادات المزيفة وعلى كل موظف عام يسهل إصدارها، مع اعتبار هذه الأفعال جرائم تزوير لا تقبل التساهل. إن حماية المجتمع من 'الأكاديميين الوهميين' تتطلب حزماً تشريعياً يوازي حجم الضرر الذي يلحق بالبنية العلمية والمهنية للبلاد.
إلى جانب العقوبات، تبرز الحاجة إلى حملات توعية مستمرة تشرح القيمة الحقيقية للكفاءة العملية والبحثية بعيداً عن بريق الألقاب الزائفة. يجب تسليط الضوء على قصص النجاح الحقيقية للعلماء والحرفيين الذين بذلوا جهداً حقيقياً، لتعزيز ثقافة الجدارة بدلاً من ثقافة 'الفهلوة' والوجاهة المشتراة.
نقترح تشكيل لجنة مستقلة تضم أساتذة جامعيين وممثلين عن النقابات والمجتمع المدني لمراجعة كافة الدرجات المهنية والفخرية الصادرة في العقد الأخير. أي كيان يثبت عدم ترخيصه أو مخالفته للمعايير الأكاديمية يجب إلغاء شهاداته فوراً وسحب الألقاب الممنوحة من خلاله لضمان تنقية الساحة العلمية.
إن ربط الترقيات والمناصب الحساسة بمقاييس موضوعية مثل الأبحاث المحكمة والخبرة الموثقة هو السبيل الوحيد لإنهاء سطوة 'الورقة' المزورة. لا يمكن بناء وطن يحترم الحقيقة إذا استمر المسؤولون في الاعتماد على شهادات لا تعكس أي قدرات حقيقية أو معرفة فعلية بصاحبها.
هذه الصرخة ليست مجرد كلمات بلاغية، بل هي إنذار أخير لكل من يهمه مستقبل هذا الوطن ومؤسساته التعليمية التي تمثل خط الدفاع الأول. إذا لم ننهِ هذا السوق الآن، سنستيقظ غداً على مجتمع يقدس المظاهر والبراويز الفخمة بينما يفشل في قراءة واقعه أو تصحيح مساره.
في الختام، نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما وطن يعتز بعلمائه الحقيقيين وصدق مؤسساته، أو وطن تُباع فيه الألقاب على أرفف رخيصة. إن اليقظة والتحقق قبل التصديق هما واجب كل مواطن غيور، فالوطن يحتاج إلى أهل علم حقيقيين لا إلى بائعين للأوهام.





شارك برأيك
سوق الألقاب الوهمية: صرخة ضد 'خصخصة' العلم وتزييف الكفاءات