أقلام وأراء

الجمعة 29 مايو 2026 7:47 مساءً - بتوقيت القدس

لبنان بين مطرقة استنزاف الاحتلال وسندان الانهيار الداخلي

يجد اللبنانيون أنفسهم اليوم أمام تساؤلات مصيرية تتجاوز موعد انتهاء العمليات العسكرية، لتطال جوهر وجود الدولة ودورها في الخارطة الإقليمية المتغيرة. فالمفاوضات التي تجري في أروقة واشنطن وعبر الوسطاء الدوليين تبدو حتى اللحظة بلا أنياب، في وقت يتوسع فيه القتل والتهجير بشكل يومي على الأرض.

تشير الوقائع الميدانية إلى أن المسار السياسي لا يزال متأخراً بخطوات عن وتيرة التصعيد، مما يضع البلاد في حالة استنزاف مفتوحة يدفع ثمنها المدنيون من أمنهم واقتصادهم. إن المشهد القائم يعكس عجزاً داخلياً واضحاً في مواجهة حسابات خارجية معقدة تضع لبنان في عين العاصفة.

تثبت التجربة التاريخية مع الاحتلال الإسرائيلي أن التفاوض بالنسبة له ليس سوى أداة للمناورة وكسب الوقت لفرض وقائع جديدة بالقوة. هذا النهج القائم على القضم التدريجي يجعل من أي وعود دبلوماسية مجرد حبر على ورق ما لم تقترن بضمانات دولية صارمة تفتقدها الساحة حالياً.

تدار المفاوضات الحالية تحت وطأة الغارات الجوية المكثفة والضغط النفسي والاقتصادي الممنهج، بهدف الوصول بالمجتمع اللبناني إلى مرحلة الإنهاك الكامل. إن الاحتلال لا يسعى فقط لضغط عسكري مؤقت، بل يعمل على إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في المنطقة برمتها عبر فرض تغييرات طويلة الأمد.

تتجاوز الحروب الحديثة مفهوم المواجهة الميدانية لتصبح أدوات لإضعاف البيئات الداخلية وإنتاج وقائع ديموغرافية جديدة عبر سياسة التهجير القسري. هذا الخطر يهدد لبنان بشكل مضاعف، حيث تتحول المناطق الحدودية إلى مساحات مفرغة، مما يغير من طبيعة التوازنات السكانية والسياسية المستقرة منذ عقود.

تعاني الدولة اللبنانية من هشاشة بنيوية تجعل من قدرتها على الصمود في وجه حرب طويلة الأمد أمراً شبه مستحيل. فالمؤسسات المشلولة والانهيار النقدي المستمر يحدان من قدرة الحكومة على تقديم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للمواطنين في ظل هذه الظروف القاسية.

يبرز ملف النزوح الداخلي كواحد من أخطر التحديات التي تواجه السلم الأهلي، مع تزايد الضغوط على المجتمعات المضيفة التي تعاني أصلاً من الفقر. إن غياب خطط الطوارئ الفعالة يجعل من حركة النزوح قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة نتيجة شح الموارد وتصاعد التوترات الاجتماعية.

على الصعيد الدولي، لا يزال الدعم المقدم للبنان خجولاً ولا يرتقي لمستوى الكارثة الإنسانية المتفاقمة، حيث تكتفي القوى الكبرى ببيانات القلق. وتبدو الأمم المتحدة محاصرة بعجز سياسي يجعل من قراراتها نصوصاً بلا قدرة تنفيذية أمام اختلال موازين القوى الدولية والإقليمية التي تتحكم في مسار الصراع.

في المقابل، يجد حزب الله نفسه أمام حسابات معقدة تتعلق بمعادلة الردع وحدود القوة في ظل الخشية من الانزلاق نحو حرب شاملة تدمر ما تبقى من البلاد. إن الاكتفاء بمواجهة مضبوطة يمنح الاحتلال فرصة لمراكمة الضغوط الميدانية، وهو ما يوصف بحالة الموت البطيء التي تستنزف قدرات المقاومة وبيئتها.

اقتصادياً، تبدو الصورة قاتمة للغاية مع توقف قطاعات السياحة والاستثمار وهرب ما تبقى من الرساميل الأجنبية نتيجة غياب الاستقرار. إن كلفة الحرب الحالية تتجاوز الدمار المادي المباشر لتضرب مقومات الصمود الاجتماعي، مما يجعل العودة إلى التعافي الاقتصادي مستقبلاً أمراً بعيد المنال وصعب التحقيق.

يهدد استمرار الاستنزاف بإعادة إنتاج الانقسامات الطائفية والسياسية، فالتاريخ اللبناني يؤكد أن ضيق الموارد يولد دائماً نزاعات داخلية حادة. ومع غياب الأفق السياسي، ينتقل الخوف من الجبهات الحدودية إلى عمق المدن والقرى، مما يهدد الاستقرار الهش الذي حافظ عليه اللبنانيون لسنوات.

الرهان على عامل الوقت قد يكون الرهان الأكثر خطورة، لأن تآكل قدرة المجتمعات على الاحتمال يحدث ببطء حتى يصل إلى لحظة الانفجار الكبير. إن استمرار الضغوط المعيشية والأمنية قد يدفع البلاد نحو تحولات داخلية قاسية لا يمكن التنبؤ بنتائجها على مستوى بنية الدولة ونظامها السياسي.

يظل لبنان رهينة للتفاهمات الكبرى بين واشنطن وطهران، حيث تنعكس أي عرقلة في تلك المسارات توتراً إضافياً على الساحة اللبنانية الهشة. لقد تحولت البلاد إلى ساحة انتظار مفتوحة لنضوج التسويات الإقليمية، بينما يواجه المواطن يومياً احتمالات الانهيار الشامل في كافة مناحي الحياة.

في الختام، تبقى الحقيقة المرة أن الحروب الطويلة لا تنتج منتصرين في ظل وجود دول ضعيفة واقتصادات منهكة ومجتمعات مثقلة بالجراح. وكلما طال أمد هذا الاستنزاف، زادت فرص الانفجار الذي لن تتوقف شظاياه عند الحدود اللبنانية، بل ستمتد لتطال استقرار المنطقة بأسرها.

دلالات

شارك برأيك

لبنان بين مطرقة استنزاف الاحتلال وسندان الانهيار الداخلي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.