عربي ودولي

الخميس 28 مايو 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب في العالم

لم تعد الكتابة باللغات الأجنبية مجرد خيار لغوي للروائيين العرب، بل تحولت إلى جسر ثقافي نحو العالمية يحمل هموم المجتمعات وذاكرة المنفى. وقد برزت أسماء لامعة في الفضاء الفرنكفوني جعلت من اللغة الفرنسية أداة لإعادة اكتشاف الذات، من بينهم الطاهر بن جلون وأمين معلوف وليلى سليماني.

تعتبر ليلى سليماني نموذجاً بارزاً لجيل من الكتاب الذين وصلوا إلى القارئ العالمي دون التخلي عن انشغالاتهم المغاربية. ورغم كتابتها بالفرنسية، إلا أن أعمالها تنبض بأسئلة الهوية والحرية والهجرة، مما جعلها صوتاً أدبياً مؤثراً في النقاشات الأوروبية المعاصرة.

في حوار حديث لها، أكدت سليماني أن الأدب يظل المساحة الأقدر على حماية التعقيد الإنساني والاختلاف في عالم يزداد استقطاباً يوماً بعد يوم. وأوضحت أن الكتابة الحقيقية تشبه الحب، فهي تُمارس في صمت وتعد سلاحاً فعالاً ضد التعصب والدوغمائية والغباء.

تخوض الكاتبة المغربية حالياً تجربة فريدة داخل متحف برادو في العاصمة الإسبانية مدريد، حيث تشارك في برنامج 'الكتابة في البرادو'. ويهدف هذا البرنامج إلى استضافة كتاب عالميين لإنجاز أعمال أدبية مستوحاة من كنوز المتحف الفنية وأجوائه التاريخية.

أعربت سليماني عن انجذابها الخاص للوحات الرسام الإسباني فرانسيسكو غويا، ولا سيما سلسلة 'اللوحات السوداء' التي أبدعها في أواخر حياته. ورأت أن غويا لم يرسم الماضي بل رسم المستقبل الذي نعيشه اليوم، مشيرة إلى ارتباطها بنظرته المتشائمة للمجتمع.

وُلدت ليلى سليماني في الرباط عام 1981، واشتهرت بتناول التناقضات الاجتماعية وقضايا الجسد والسلطة في مؤلفاتها. وقد حققت قفزة عالمية كبرى حين فازت بروايتها 'أغنية هادئة' بجائزة غونكور الفرنسية عام 2016، لتكون أول امرأة مغربية تحقق هذا الإنجاز.

استحضرت سليماني في حديثها تجربة والدها، الوزير والمصرفي السابق الذي واجه الاعتقال قبل أن تظهر براءته بعد رحيله. وأكدت أن الرغبة في استعادة العدالة للمظلومين كانت المحرك الأساسي الذي دفعها نحو عالم الكتابة والتدوين الروائي.

ترى سليماني أن الروائي يمتلك قدرة فريدة على النفاذ إلى أعماق النفس البشرية وكشف تناقضاتها الدفينة. فمن خلال الأدب، يمكن منح فرصة ثانية لأولئك الذين تعرضوا لسوء الفهم أو التهميش في الواقع المعاش، وهو ما تسعى لتحقيقه في نصوصها.

تناولت في ثلاثيتها الروائية 'بلاد الآخرين' تاريخ عائلتها الممتد، معرجة على أسئلة الانتماء والاقتلاع التي ترافق المهاجرين. وحذرت سليماني من أن تتحول الهجرة إلى حنين دائم للماضي، معتبرة أن 'النوستالجيا' قد تتحول إلى سم يعيق التقدم.

وفيما يخص المشهد السياسي الأوروبي، رأت الكاتبة أن القارة تشهد نوعاً جديداً من العنصرية القائمة على الخوف من 'التلوث الثقافي'. وأشارت إلى أن الخطاب الشعبوي بات يهيمن بشكل مقلق على المجال العام في دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا.

انتقدت سليماني محاولات بعض الأطراف السياسية في الغرب لتوظيف مواقفها من قضايا الحريات أو الإسلاميين لخدمة أجندات خاصة. وقالت إن المرء قد يشعر أحياناً بأنه يُستخدم من قبل أشخاص لا يشاركونه بالضرورة ذات القيم أو الأهداف.

ترفض الكاتبة المغربية بشدة اختزال هويتها المعقدة في قوالب جاهزة مثل 'المرأة العربية الجريئة'. وأكدت بوضوح أنها لا تسعى لتكون أيقونة لأي جهة، بل تريد فقط أن تكون نفسها، مشددة على أن العالم ليس مجرد مساحة للأبيض والأسود.

تقيم سليماني حالياً في العاصمة البرتغالية لشبونة مع زوجها وطفليها، حيث توازن بين حياتها العائلية والتزاماتها الأدبية. وأشارت إلى أن كثرة التنقلات جعلت من الصعب عليها إيجاد وقت كافٍ للتأمل، مما جعل إقامتها في مدريد فرصة لاستعادة العزلة.

تختتم سليماني رؤيتها بالتأكيد على أن الكتابة تظل الوسيلة الأهم لفهم العالم ومواجهة تناقضاته الصارخة. فالأدب بالنسبة لها ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة وجودية لاستيعاب التحولات المتسارعة التي تعصف بالمجتمعات الحديثة.

دلالات

شارك برأيك

ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب في العالم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.