أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

من الاستقرار إلى الهشاشة: الرواتب المفقودة كجرح نفسي اجتماعي


لا يكشف انقطاع الرواتب أو تقليصها عن أزمة مالية وحسب، بل يكشف عن واحدة من أشد الأزمات النفسية الاجتماعية في السياق الفلسطيني، لأنها تضرب شريحة تُشكّل إحدى ركائز الاستقرار داخل المجتمع الفلسطيني: موظف الخدمة المدنية.
باتت الرواتب المنقوصة والمتأخرة حالةً مزمنة لا استثناءً عارضًا؛ إذ يتقاضى الموظفون منذ سنوات نسباً متفاوتة من رواتبهم. وفي يناير 2026، أعلنت وزارة المالية صرف 2000 شيكل فقط لكل موظف، في مؤشر على تدهور متصاعد، وقد تحوّل خبر موعد صرف الرواتب إلى "خبر عاجل" يتابعه المجتمع بقلق يومي، وهو بحد ذاته دلالة رمزية بالغة على عمق الأزمة.
يرى باندورا في نظريته حول الفاعلية الذاتية أن الإنسان يحتاج، لكي يحتفظ بصحة نفسية متوازنة، إلى إحساس عميق بأن جهوده تُنتج نتائج ملموسة، وأن ما يبذله من طاقة ووقت لهما قيمة حقيقية في العالم من حوله. الموظف الذي يذهب يوميًا إلى عمله، ثم لا يجد في النهاية ما يُغطي به احتياجات أسرته، يعيش كسرًا تدريجيًا لهذه الفاعلية.
ليس الأمر مجرد ضائقة مالية؛ بل هو تفكيك منهجي لمعادلة "الجهد = النتيجة" التي تُشكّل عماد الدافعية الإنسانية، وحين تتكرر هذه التجربة شهرًا بعد شهر وسنةً بعد أخرى، ينتقل الموظف من حالة الإحباط العابرة إلى ما يُعرف بـ "العجز المهني المكتسب"، وهي حالة يتوقف فيها عن الاستثمار الوجداني في عمله، ويفقد الدافعية الجوهرية لأداء مهامه، لأن العقل قد بنى يقينًا راسخًا بأن الجهد لن يُجدي.
على الصعيد الأُسري، يشكل انقطاع الرواتب الزلزال الذي يُهدد التوازن الداخلي، حيث يتخطى أثر انقطاع الراتب حدود الفرد ليضرب الأسرة في صميم بنيتها، فالراتب ليس دخلًا فحسب، بل هو ضمان يومي لإحساس الوالدَيْن بقدرتهما على الحماية والإعالة والدعم، كما أنه في الثقافة الفلسطينية رمز يرتبط بالمكانة الاجتماعية، وعامل ضبط للدور الوالدي في الأسرة، تدني الدخل ليس مجرد غياب دخل؛ هو تفكيك منهجي للهوية المهنية والدور الاجتماعي للإنسان، حين يقف الإنسان لا يجد ما يُطعم به أبناءه، يجري في أعماقه تآكل تدريجي لإحساسه بالكفاءة والقدرة والكرامة. وما يزيد الأمر تعقيداً، الأرقام حول العمالة غير المنظمة، وهي مرادف للهشاشة والتذبذب التي تحرم الإنسان من الشعور بالاستقرار والتخطيط للمستقبل، فكيف يحلم إنسان لا يعرف إن كان سيعمل غدًا؟ كيف يُربّي أبناءه على التفاؤل في ظل مستقبل محاصر بالاحتلال والسياج والحاجز والشك وعدم اليقين؟
حين يعود الأب أو الأم من الوزارة أو المدرسة أو المستشفى برواتب منقوصة أو معدومة، تبدأ سلسلة من التحولات النفسية داخل الفضاء الأسري، حيث تتصاعد التوترات بين الزوجين حول توزيع الموارد الشحيحة، ويتآكل هامش التسامح والتفاهم، ويتضخم الإحساس بالتهديد، وقد رصدت أبحاث الضغوط الاقتصادية وانعكاسها على الديناميكيات الأسرية أن الضغط المالي المزمن يُضاعف معدلات النزاعات الزوجية، ويخفض جودة التواصل العاطفي، ويُضعف المشاركة الوالدية الفعّالة في تربية الأطفال.
أما الأطفال، وهم الأشد تأثرًا، فإنهم يقرأون المشهد بدقة، لأنهم ليسوا متلقين سلبيين؛ فهم يلاحظون القلق والعجز والانكسار في وجوه والديهم. وتُشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يشهدون ضغطًا ماليًّا حادًّا في أسرهم يُطوّرون مستويات أعلى من القلق، ويُعانون من تراجع في التحصيل الأكاديمي، ومن نمو صورة ذات أقل ثقةً وكفاءةً. ويزيد من مخاطر ذلك أن الطفل لا يملك الأدوات المعرفية لمعالجة ما يراه، ولأن ما يتشكّل في الطفولة المبكرة يُشكّل قاعدة للشخصية المستقبلية، فإن أحد الآثار الأعمق قد يتمثل فيما يُعرف بـ "اضطراب التعلق"؛ فحين يُحطم الوالد نفسيًا أمام عيني طفله، يُصاب نظام التعلق الأساسي بجرح قد يترك آثاره طوال الحياة. فالطفل الذي لا يجد ملجأً آمنًا، وتنهار أمامه صورة القدوة حينما يراها عاجزة، قد يُطوّر استراتيجيات تعلق مضطربة تنعكس على علاقاته الاجتماعية وثقته بالآخر وقدرته على بناء روابط صحية لاحقًا. فالأسرة هي أولى دوائر الحماية النفسية للفرد في أي مجتمع، وهي المستودع الأول للانتماء والأمان. وفي السياق الفلسطيني الحالي، تتعرض البنية الأسرية لضغوط تتراكم حتى تكاد تلغي وظيفتها الأساسية المتمثلة في الحماية.
لا يقف الأثر عند حدود الفرد وأسرته، بل يمتد إلى الأثر المجتمعي، حيث يشكل موظفو الخدمة المدنية مع عائلاتهم شريحة اجتماعية واسعة تربط قطاعات حيوية بالمجتمع: المعلم والأستاذ الجامعي والطبيب والمهندس ورجل الأمن، وحين تُصاب هذه الشريحة بالإحباط المزمن وتتراجع دافعيتها، يتراجع معها جودة الخدمات العامة بشكل تراكمي يصعب قياسه على المدى القريب لكنه يُثقل كاهل المجتمع على المدى البعيد.
ويُفضي انقطاع الراتب أيضًا إلى تآكل الثقة المؤسساتية، حيث يتسرب خطاب اليأس من المؤسسات وينتشر في النسيج الاجتماعي، ويُغذّي ما يعرف بـ "العجز المكتسب على المستوى الجمعي"، فالشعور بأن النظام لا يستطيع، وأن الجهد الفردي لن يُحدث فارقًا، يعد من أخطر الحالات النفسية الجماعية وأشدها ضررًا على مسارات التعافي والتغيير في المجتمعات.
يطرح السياق الفلسطيني الحالي إشكاليةً نفسية عميقة: كيف نستمر في تبني هوية متماسكة في ظل واقع يُهدد استمرارية الوجود ذاته؟
يشير إريكسون إلى "التشتت الهوياتي" بوصفه حالة تنشأ حين يفشل الإنسان في بناء روابط متسقة بين ماضيه وحاضره ومستقبله. وفي السياق الفلسطيني، وتحت واقع استعماري ممتد، يعيش المواطن نوعًا من هذا التشتت: ماضيه مُهجَّر، وحاضره مُقيَّد، ومستقبله مُعلَّق على حواجز ووعود وتسويات لا يملك فيها إرادته.
غير أن الصورة لا تخلو من بُعد آخر هام، هو الصمود الفلسطيني، الذي وثّقته الدراسات بوصفه ظاهرة نفسية-اجتماعية استثنائية تشكّلت في مواجهة واقع طويل من القهر والاقتلاع، حيث رصدت أبحاث الهوية الجماعية كيف يطور الفلسطيني "الصمود الاجتماعي" كمنظومة دفاع جماعية، قائمة على التفاعل اليومي، والتمسك بالأرض والذاكرة، لإنتاج هوية مقاومة للمحو والإزالة والتهجير.
الصمود لا يعني غياب الألم؛ هو قدرة على الاستمرار رغم الألم، ولا يعني الصحة النفسية المطلقة؛ فكثيرون ممن يبدون صامدين يحملون في أعماقهم جراحًا لم تُعالَج، وحري بنا أن نميز بين الصمود الإيجابي (الذي يقوم على المعنى والترابط والانتماء)، والصمود الدفاعي (الذي يقوم على القمع العاطفي والإنكار). كما لا بد من الإشارة إلى "اغتراب المستقبل"، الذي يتشكل حين يفقد الإنسان قدرته على تخيّل مستقبله، وحين يفقد إحدى أهم الدعائم النفسية وهو الأمل.
الصمود في السياق الفلسطيني هو نتاج لمنظومة متكاملةـ، تعكس عمق الانتماء للأرض والمكان، وقوة الترابط الأسري والمجتمعي، والايمان بالحق، والإيمان الديني الذي يُضفي معنى على المعاناة، والذاكرة الجمعية التي تربط الحاضر بتاريخ طويل من التحديات والنضال والبقاء.
وتتشكل درجة الصمود بناء على عوامل قابلة للبناء والتعزيز، ومن أهمها: القدرة على إشباع الحاجات البيولوجية والنفسية، ووجود شبكة دعم اجتماعي، والشعور بالفاعلية الفردية والجمعية، وامتلاك سرديات قادرة على استيعاب المعاناة وتجاوزها، وفي الحالة الفلسطينية، تُشكّل هذه العوامل وقوداً حقيقياً يحول دون الانهيار التام في مواجهة ضغوط وصفتها التقارير الدولية بأنها "غير مسبوقة".
يرى علماء علم نفس الصدمة بأن التعافي ممكن، لكنه يحتاج وقتًا وأمانًا وموارد، فالإنسان لا يتعافى في وسط الحريق؛ بل حين تنطفئ النار. وما يُميّز الجرح الفلسطيني أن نيرانه لم تنطفئ بعد، وأن ما يحدث في ظلها من صمود وتماسك واستمرار هو، في حد ذاته، شهادة على شخصية لا تُكسر.
الصمود لا يعني غياب الألم، ولا يعني غياب الحاجة للشفاء، بل هو توصيف لأزمة إنسانية غير مسبوقة تحتاج إلى استجابات جادة وعاجلة، محلية وإقليمية ودولية، لإنقاذ شعب يرزح تحت الاحتلال والحصار منذ عقود، غير أن حصاره الحالي قد يكون الأخطر والأكثر تأثيراً على الإنسان والمجتمع والقضية.

دلالات

شارك برأيك

من الاستقرار إلى الهشاشة: الرواتب المفقودة كجرح نفسي اجتماعي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.