تتجلى في الآونة الأخيرة ملامح تحول جذري في موازين القوى الإقليمية، حيث برزت تركيا كلاعب محوري من خلال تبنيها لـ 'أسطول الصمود' الإنساني. وقد أظهرت أنقرة جرأة سياسية لافتة برفضها الضغوط الأمريكية التي حاولت إعاقة انطلاق الأسطول من ميناء مرمريس، متحدية بذلك قوائم حظر الخزانة الأمريكية.
لم يقتصر الموقف التركي على الدعم اللوجستي، بل امتد ليشمل إدانة صريحة من وزير الخارجية هاكان فيدان لاستهداف الاحتلال الإسرائيلي للأسطول في أعالي البحار. هذا الموقف وضع تركيا في خندق واحد مع قوى دولية مثل إسبانيا وكوريا الجنوبية، التي أبدت مواقف نشطة ضد الغطرسة الإسرائيلية.
في المقابل، يرى مراقبون أن النظام الرسمي العربي لا يزال أسيراً لاستراتيجية 'السلام الاستراتيجي' العتيقة، التي باتت تفتقر للأدوات والبدائل في ظل بيئة دولية متغيرة. هذا الانكفاء أدى إلى حالة من التكيف السلبي مع الضغوط الخارجية، مما حدّ من قدرة الدول العربية على المناورة السياسية.
لقد أدى التمسك العربي بخيار أحادي إلى فراغ استراتيجي استغلته القوى الإقليمية الصاعدة لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها القومية. فبينما كانت العواصم العربية تلوذ بالصمت، كانت أنقرة تنقل خط التماس والمواجهة من غزة إلى شرق المتوسط، موظفة الأزمة لخدمة القضية الفلسطينية ومصالحها البحرية.
على صعيد آخر، مكنت المواجهة الأخيرة إيران من إضافة عناصر قوة جديدة عبر تفعيل سيطرتها على مضيق هرمز الحيوي. وتحولت طهران إلى نقطة ارتكاز في إعادة هندسة الإقليم من خلال شراكات اقتصادية وعسكرية متينة مع قطبي الشرق، روسيا والصين، مما جعلها فاعلاً لا يمكن تجاوزه.
باكستان بدورها لم تقف مكتوفة الأيدي أمام تغلغل التحالف الهندي الإسرائيلي في منطقة الخليج، والذي بدأ يهدد أمنها القومي بشكل مباشر. وبادرت إسلام آباد بإنزال قواتها على الضفة الغربية للخليج العربي، في خطوة استباقية لقطع الطريق على التسلل الإسرائيلي عبر بلوشستان وكشمير.
إن حالة 'التكلس' التي تعاني منها المنظومة العربية جعلتها تتبنى أحياناً الخطاب السياسي الأمريكي والإسرائيلي لمواجهة الأسئلة الوجودية الداخلية. هذا التوجه هدد مفهوم الدولة الوطنية وسيادتها، بعد أن أصبح الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من المناكفات الداخلية بدلاً من كونه تهديداً استراتيجياً.
أحادية الخيار الاستراتيجي العربي قابلها تنوع في الأدوات والتحالفات لدى القوى الإقليمية الصاعدة التي لم تعد تخشى تحدي الإرادة الأمريكية.
ورغم هذا القتامة، تبرز بعض بوادر 'التململ' الإيجابي، لا سيما في التحركات السعودية الأخيرة التي دعت إلى اتفاق يشبه 'اتفاق هلسنكي' يجمع العرب مع جيرانهم الإقليميين. تهدف هذه المبادرة إلى بناء منظومة أمنية مشتركة تقوم على احترام الحدود السياسية ومنع الاعتداءات المتبادلة.
ومع ذلك، تبقى هذه المبادرات رهينة بمدى قدرة النظام العربي على التحرر من التبعية المطلقة للمرجعيات الغربية وقرارات واشنطن. فالعالم اليوم لم يعد محكوماً بمركزية أمريكية أوروبية، خاصة بعد أن فقدت هذه القوى الكثير من شرعيتها الأخلاقية والاقتصادية في المنطقة.
لقد كشف أسطول الصمود أن القوة والتاثير في الإقليم يتطلبان مرونة في التحالفات وتعدداً في الخيارات السياسية والعسكرية. فالدول التي حاصرت نفسها بخيارات ضيقة وجدت نفسها خارج سياق التأثير، بينما حجزت القوى المبادرة مقاعدها في صياغة النظام الإقليمي الجديد.
إن استمرار الدوران في حلقة مفرغة من الرهانات الخاسرة يهدد بانهيار الخطاب السياسي العربي وتعميق الأزمات الداخلية للدول. فالبيئة الدولية المتسارعة لا ترحم المترددين، والبقاء فيها للأقدر على توظيف عناصر القوة وتجاوز 'خرافة' الخيار الاستراتيجي الوحيد.
لقد أثبتت التجربة أن التماهي مع الرواية الأمريكية في حصار غزة لم يجلب الاستقرار المنشود، بل زاد من شهية الاحتلال للتوسع. فالمناطق العازلة التي يحاول الاحتلال فرضها في عمق الجغرافيا العربية هي نتاج مباشر لغياب الردع العربي الموحد والفعال.
في الختام، يمثل الدعم التركي والتحرك الباكستاني والإيراني دروساً في كيفية إدارة الصراعات الجيوسياسية بعيداً عن الإملاءات الخارجية. إن استعادة الدور العربي تتطلب شجاعة في مراجعة المسارات السابقة والانفتاح على تحالفات إقليمية تضع مصالح الشعوب فوق الحسابات الضيقة.
يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة العواصم العربية على اللحاق بركب التحولات قبل فوات الأوان، خاصة وأن موازين القوى شرق المتوسط وفي الخليج تعاد صياغتها الآن. إن أسطول الصمود لم يكن مجرد سفن كسر حصار، بل كان اختباراً حقيقياً للإرادة السياسية في مواجهة الهيمنة.





شارك برأيك
خرافة الخيار الاستراتيجي: كيف أعاد 'أسطول الصمود' رسم خارطة النفوذ الإقليمي؟