تحليل

الأربعاء 20 مايو 2026 2:52 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة 'الفيتو' وشلل مجلس الأمن: هل يقترب العالم من ولادة نظام دولي جديد؟

يشهد النظام الدولي الحالي حالة من المخاض العسير في ظل تزايد مظاهر الشلل داخل مجلس الأمن الدولي، مما دفع بقوى دولية للبحث عن آليات جديدة لتقييد استخدام حق النقض (الفيتو). وتبرز المبادرة الفرنسية- المكسيكية كأحد أهم المسارات الدبلوماسية التي تدعو الدول الخمس دائمة العضوية للامتناع الطوعي عن استخدام الفيتو في حالات الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

وقد شهدت هذه المبادرة زخماً لافتاً خلال شهر مايو 2026، حيث أعلنت إحدى عشرة دولة أفريقية انضمامها الرسمي للمقترح خلال قمة عُقدت في العاصمة الكينية نيروبي. وبهذا الانضمام، ارتفع عدد الدول المؤيدة لتقييد الفيتو إلى 118 دولة، مما يعكس إحباطاً متزايداً لدى دول الجنوب العالمي من تحكم المصالح الجيوسياسية في قرارات الحماية الإنسانية.

تستند الفلسفة القانونية لهذا التحرك إلى المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أن مجلس الأمن يعمل نائباً عن الجمعية العامة في حفظ السلم والأمن. ويرى مراقبون أن استخدام الفيتو لتعطيل وقف المجازر يمثل خرقاً لهذه الأمانة القانونية والأخلاقية، ويحول المجلس من أداة لحفظ الأمن إلى ساحة لتكريس الإفلات من العقاب.

وتشير الإحصائيات التاريخية إلى أن حق النقض استُخدم مئات المرات منذ عام 1946، حيث تصدرت روسيا القائمة بأكثر من 130 مرة، تليها الولايات المتحدة بنحو 90 مرة. وقد لوحظ في العقدين الأخيرين بروز ظاهرة 'الفيتو المزدوج' بين الصين وروسيا، خاصة في الملفات المتعلقة بالشرق الأوسط وآسيا، مما أدى لتعطيل مسارات العدالة الدولية.

وفيما يخص القضية الفلسطينية، أفادت مصادر بأن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض ست مرات منذ أكتوبر 2023 لتعطيل قرارات تطالب بوقف إطلاق النار في قطاع غزة. هذا الاستخدام المتكرر ساهم في تعميق الكارثة الإنسانية وأضعف ثقة المجتمع الدولي في قدرة المنظومة الأممية على تنفيذ التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية.

أما الموقف الفرنسي الداعم للتقييد، فيأتي ضمن استراتيجية باريس لتقديم نفسها كقوة توفيقية تدافع عن 'أخلقة' النظام الدولي. وبما أن فرنسا لم تستخدم الفيتو منذ عام 1989، فإن انخراطها في هذه المبادرة يمنحها مكاسب دبلوماسية كبيرة بتكلفة سياسية منخفضة، مع تعزيز عقيدة 'المسؤولية عن الحماية' في سياستها الخارجية.

من الناحية القانونية، تواجه المبادرة تحديات جسيمة كونها تندرج تحت بند 'القانون الرخو' أو الإعلانات السياسية غير الملزمة. فهي لا تُحدث تعديلاً مباشراً في المادة 27 من الميثاق، مما يجعل الالتزام بها رهناً بالإرادة السياسية المنفردة للدول الكبرى، والتي غالباً ما تغلب مصالحها الاستراتيجية على الاعتبارات الإنسانية.

وتبرز معضلة إضافية تتعلق بآلية توصيف 'الفظائع الجماعية'، حيث تقترح المبادرة منح الأمين العام للأمم المتحدة دوراً في هذا التحديد. إلا أن هذا المقترح يضع الأمانة العامة في مواجهة مباشرة مع القوى العظمى، مما قد يعرضها لضغوط سياسية هائلة تؤثر على حيادها ودورها الفني في إدارة المنظمة الدولية.

ويرى محللون أن القوى العظمى قد تلجأ إلى ما يُعرف بـ'فيتو الجيب' للالتفاف على أي قيود أخلاقية، وهو الضغط الدبلوماسي المسبق لمنع تقديم مشاريع القرارات. هذا الأسلوب يفرغ المبادرات الإصلاحية من مضمونها، حيث يتم إجهاض التحركات الدولية في كواليس المفاوضات قبل أن تصل إلى مرحلة التصويت العلني في قاعة المجلس.

وبالنسبة للموقف الأمريكي، تظهر المؤشرات رفضاً قاطعاً لتحويل هذه المبادرة إلى التزام قانوني ملزم، انطلاقاً من عقيدة السيادة المطلقة. وتعتبر واشنطن حق النقض خط الدفاع الأخير لحماية أمنها القومي وحلفائها، خاصة في ظل الاستقطاب الحاد الذي يشهده الكونغرس تجاه أي تقليص لصلاحيات الولايات المتحدة الدولية.

ورغم ترحيب واشنطن سابقاً بمبادرة 'ليختنشتاين' التي تُلزم الدول بشرح أسباب الفيتو أمام الجمعية العامة، إلا أن ذلك كان يهدف لإحراج خصومها في الملف الأوكراني. وعندما انتقل الاختبار إلى ملف غزة ولبنان، فضلت الإدارة الأمريكية تحمل الإحراج الدبلوماسي على التخلي عن فاعلية الفيتو في حماية إسرائيل من العقوبات الدولية.

إن العجز المؤسسي الذي يشهده عام 2026، حيث سجلت معدلات إحباط القرارات أرقاماً قياسية، يشير إلى أن النظام الدولي يعيش حالة 'موت سريري'. ويشبه هذا الوضع المرحلة الانتقالية التي سبقت انهيار عصبة الأمم، مما يستوجب التفكير في نسق دولي جديد يستوعب التعددية القطبية الصاعدة والقوى الإقليمية المؤثرة.

التحولات الكبرى في التاريخ لم تكن وليدة إصلاحات هادئة، بل جاءت دائماً عقب صدمات كبرى أعادت رسم موازين القوى العالمية. واليوم، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة دراماتيكية قد تفضي إلى توسيع مجلس الأمن أو منح صلاحيات أوسع للجمعية العامة والمحاكم الدولية لكسر احتكار القوى الخمس للقرار العالمي.

ختاماً، فإن اتساع قاعدة الدعم للمبادرة الفرنسية- المكسيكية يمثل صرخة دولية ضد تسييس العدالة، لكنه يظل غير كافٍ لإحداث تغيير بنيوي. إن ولادة نظام دولي أكثر توازناً تتطلب تجاوز 'طوباوية' الوعي الأخلاقي نحو ميكانيكا جديدة توازن بين القوة والقانون، وتضمن حماية المدنيين بعيداً عن حسابات الفيتو الجيوسياسية.

دلالات

شارك برأيك

أزمة 'الفيتو' وشلل مجلس الأمن: هل يقترب العالم من ولادة نظام دولي جديد؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.