لم تعد رواية 'أليس في بلاد العجائب' مجرد قصة فانتازية عن طفلة تسقط في حفرة أرنب، بل تحولت بمرور الزمن إلى استعارة كبرى لفهم العوالم التي يختل فيها المنطق. يبرز هذا التحول في شهادة الصحافي الأميركي بوب وودوارد في كتابه 'الغضب'، حيث كشف عن نصيحة قدمها جاريد كوشنر لفهم شخصية دونالد ترمب عبر قراءة هذا العمل الأدبي الكلاسيكي.
أحال كوشنر المحللين بشكل خاص إلى شخصية 'قط شيشاير' في الرواية، معتبراً أن فهم هذا القط هو المفتاح لاستيعاب نهج ترمب. ففي عالم أليس، يخبر القط البطلة أن اختيار الطريق لا يهم ما دامت لا تملك وجهة محددة، وهو ما يراه كوشنر تجسيداً لواقع سياسي يتسم بالسيولة واللايقين.
تجاوزت الرواية التي كتبها لويس كارول عام 1865 حدود الأدب لتصبح نصاً مرجعياً في حقول العلوم الاجتماعية والطب النفسي. وقد أُطلق اسمها على متلازمة عصبية نادرة تجعل المصابين بها يفقدون القدرة على تقدير الأحجام الحقيقية للأشياء، حيث يرون العالم مشوهاً أو متغيراً في أبعاده الزمنية والمكانية.
يربط المحللون بين أعراض هذه المتلازمة وبين الخطاب السياسي المعاصر، خاصة في حالة الرئيس ترمب الذي يتأرجح خطابه بين تضخيم الأخطار وتصغيرها. تظهر هذه الاستعارة بوضوح في تعامله مع الملف الإيراني، حيث يصور الخطر تارة كتهديد وجودي وتارة أخرى كقوة عسكرية متهالكة لا تستدعي القلق.
في أروقة الأمم المتحدة، لم تغب 'أليس' عن السجالات الدبلوماسية الحادة، خاصة خلال أزمة تسميم العميل الروسي سكريبال عام 2018. فقد استدعى المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا أجواء الرواية ليصف التحقيقات البريطانية بأنها 'مسرح عبث' يفتقر إلى الأدلة المنطقية، مشبهاً إياها بمحاكمة 'صبي الكبة' الشهيرة.
ردت المندوبة البريطانية كارين بيرس باقتباس مضاد من الرواية ذاتها، مشيرة إلى أن الجانب الروسي يؤمن بأشياء مستحيلة قبل الإفطار. هذا السجال يعكس كيف أصبحت شخوص لويس كارول أدوات بلاغية تستخدمها القوى العظمى لتوصيف الخصوم وتبرير المواقف السياسية المعقدة.
مؤلف الرواية، تشارلز دودغسون، المعروف باسمه المستعار لويس كارول، كان في الأصل أستاذ رياضيات في جامعة أكسفورد. وقد انعكس خلفيته العلمية في بناء الرواية التي تعتمد على التلاعب بالمنطق الرياضي واللغوي، مما جعلها مادة دسمة للدراسات الأكاديمية العميقة التي تتجاوز حكايات الأطفال.
إذا كنت لا تعرف إلى أين أنت ذاهب، فإن أي طريق سيوصلك إلى هناك!
بدأت الحكاية بشكل شفوي خلال نزهة في نهر التايمز عام 1862 لتسلية بنات عميد الكلية، ومن بينهن أليس ليدل. وبناءً على طلب أليس الحقيقية، قام كارول بتدوين المغامرة التي أصبحت لاحقاً واحدة من أكثر الكتب ترجمة وانتشاراً في تاريخ الأدب العالمي.
تتضمن الرواية رموزاً أيقونية مثل الأرنب الأبيض الذي يرتدي صدرية، واليرقانة التي تدخن الأرجيلة، وملكة القلوب الغاضبة. كل هذه الشخصيات تساهم في بناء عالم 'اللامعقول' الذي يجد فيه السياسيون اليوم مرآة تعكس تعقيدات الواقع الدولي وتناقضاته الصارخة.
في الجزء الثاني من الرواية 'عبر المرآة'، تطرح الشخصيات تساؤلات وجودية حول طبيعة الحقيقة والحلم. يخبر 'تويدلدي' أليس أنها ليست سوى فكرة في حلم شخص آخر، وهو مفهوم فلسفي يستخدمه النقاد لوصف حالة التيه السياسي التي يعيشها العالم المعاصر.
طبياً، تم تشخيص متلازمة أليس لأول مرة في الخمسينيات، حيث لاحظ الأطباء أن بعض المرضى يعانون من هلوسات بصرية تجعل الأشياء تبدو أصغر أو أكبر من حقيقتها. ويرى بعض الباحثين أن كارول نفسه ربما كان يعاني من هذه الحالة، مما ألهمه لوصف تحولات حجم أليس في الرواية.
إن استخدام 'أليس في بلاد العجائب' كاستعارة سياسية لا يعني تشخيصاً طبياً للقادة، بل هو وسيلة لفهم كيفية تبدل أحجام القضايا في الخطاب العام. فالخطر الذي يُضخم اليوم قد يُصغر غداً بناءً على مقتضيات الدعاية الإعلامية والمصالح السياسية المتغيرة.
تظل الرواية قادرة على تفسير ما يبدو عصياً على الفهم في عالمنا الحديث، حيث تختلط الحقيقة بالاستعراض والمنطق بالعبث. إنها قاموس كامل يمنحنا الأدوات اللازمة لقراءة المشاهد السياسية التي تبدو أحياناً وكأنها فصول من محاكمة غير منطقية في بلاد العجائب.
في نهاية المطاف، تبرهن 'أليس' على أن الأدب العظيم لا يموت، بل يتجدد مع كل أزمة سياسية أو اكتشاف علمي. فمنذ سقوطها في حفرة الأرنب قبل قرن ونصف، لا تزال أليس تقودنا في رحلة لاستكشاف حدود العقل البشري وتقلبات السلطة في عالم يفتقد إلى اليقين.





شارك برأيك
أليس في بلاد العجائب: استعارة كبرى لفهم تقلبات السياسة ومتلازمات الإدراك