رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات-15/5/2026
في تحول سياسي لافت يحمل الكثير من التناقضات، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لقبول تجميد البرنامج النووي الإيراني لمدة عشرين عاماً، مقابل ما وصفه بـ"التزام حقيقي" من جانب طهران. هذا الطرح لا يمثل مجرد تعديل تكتيكي في الموقف الأميركي، بل يعكس تراجعاً واضحاً عن الخطاب الذي تبناه ترمب لسنوات، والقائم على ضرورة "التفكيك الكامل" للبرنامج النووي الإيراني ومنع إيران نهائياً من امتلاك أي قدرة يمكن أن تقود مستقبلاً إلى إنتاج سلاح نووي.
وجاء تصريح ترمب على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان" أثناء مغادرته بكين بعد قمة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، حيث سُئل عمّا إذا كان تعليق البرنامج النووي لعشرين عاماً كافياً لضمان عدم تحوّل إيران إلى قوة نووية لاحقاً، فأجاب بأن "عشرين عاماً مدة كافية، لكن المطلوب التزام حقيقي طوال هذه الفترة".
غير أن هذا التصريح يضع ترمب أمام مفارقة سياسية يصعب تجاهلها. فالرئيس الأميركي نفسه كان قد انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بحجة أن "بنود الغروب" تسمح لإيران باستئناف نشاطها النووي بعد انتهاء القيود الزمنية. حينها وصف تلك البنود بأنها "كارثية" لأنها لا تنهي البرنامج الإيراني بشكل دائم، بل تؤجله فقط. أما اليوم، فيبدو أن الإدارة الأميركية تعود عملياً إلى الفكرة نفسها التي رفضتها سابقاً، وإنْ تحت تسمية مختلفة: "تجميد طويل الأمد" بدلاً من "اتفاق مؤقت".
هذا التحول لا يمكن فصله عن فشل سياسة "الضغط الأقصى" التي روّج لها ترمب باعتبارها الطريق لإجبار إيران على الاستسلام الكامل. فبعد سنوات من العقوبات الخانقة، والتهديدات العسكرية، والمواجهة المباشرة التي شاركت فيها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران قبل أسابيع، لم تتمكن واشنطن من تحقيق أهدافها الأساسية: لا تفكيك البرنامج النووي، ولا إنهاء القدرات الصاروخية الإيرانية، ولا إضعاف النظام الإيراني داخلياً كما كان مأمولاً.
والأهم أن ترمب اضطر في نهاية المطاف إلى إعلان وقف إطلاق النار دون تحقيق أي من تلك الأهداف الكبرى، ما يجعل الحديث اليوم عن "تجميد" البرنامج النووي أقرب إلى محاولة لحفظ ماء الوجه السياسي أكثر منه انتصاراً استراتيجياً.
ورغم استمرار الخطاب الأميركي المتشدد، وحديث ترمب عن قرب نفاد صبره، فإن الوقائع تشير إلى أن واشنطن انتقلت من سياسة "الحسم" إلى سياسة "الاحتواء". فالإدارة الأميركية باتت تدرك أن القضاء الكامل على القدرات النووية الإيرانية شبه مستحيل دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة ذات كلفة هائلة على الأمن الإقليمي وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
كما أن واشنطن تدرك أن استمرار المواجهة العسكرية يحمل مخاطر لا يمكن السيطرة عليها، خصوصاً في ظل التوتر المستمر في الخليج، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، وتصاعد القلق الدولي من توسع دائرة الصراع.
في المقابل، تبدو إيران أكثر ثقة بقدرتها على الصمود والمناورة. فمجرد انتقال الولايات المتحدة من مطلب "الإنهاء الكامل" إلى "التجميد المؤقت" يمنح طهران انطباعاً بأن الزمن يعمل لصالحها، وأن الضغوط الأميركية لم تنجح في كسر إرادتها السياسية.
كما أن استمرار الصين في شراء النفط الإيراني، رغم العقوبات الأميركية، وفّر لطهران متنفساً اقتصادياً مهماً حدّ من فعالية سياسة “الضغط الأقصى”، وأضعف قدرة واشنطن على عزل إيران اقتصادياً.
وفي الوقت نفسه، تستثمر طهران بذكاء في التناقضات الأميركية الواضحة بين التصعيد العسكري والانفتاح التفاوضي، مقدمة نفسها باعتبارها الطرف الأكثر ثباتاً في مواقفه، بينما تبدو واشنطن مترددة بين التهديد والتسوية.
وقد عبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوضوح عن هذا المناخ عندما تحدث عن "انعدام الثقة" تجاه الإدارة الأميركية، معتبراً أن الرسائل الأميركية المتناقضة تثير شكوكاً عميقة حول النوايا الحقيقية لواشنطن. ورغم تأكيده استمرار الوساطة الباكستانية، فإنه أقر بأن المفاوضات تمر بمرحلة "صعبة"، مع التشديد على أن إيران مستعدة للحفاظ على وقف إطلاق النار، لكنها "جاهزة أيضاً للعودة إلى القتال إذا اقتضت الضرورة".
لكن الجانب الأكثر خطورة في المشهد يتمثل في الدور الإسرائيلي، الذي لم يكتفِ بالدفع نحو التصعيد، بل سعى منذ البداية إلى جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران. فالحكومة الإسرائيلية، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعاملت مع الحرب باعتبارها فرصة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وليس مجرد وسيلة لاحتواء البرنامج النووي الإيراني.
وقد عبّر نتنياهو بوضوح عن هذا التوجه خلال مقابلة مع برنامج "60 دقيقة" على شبكة سي.بي.إس نيوز يوم الأحد الماضي، عندما تحدث عن رغبته في رؤية قوات أميركية خاصة تدخل إيران لاستخلاص اليورانيوم المخصب بالقوة. ويكشف هذا الطرح إلى أي حدّ باتت إسرائيل تدفع نحو عسكرة الأزمة بالكامل، حتى لو قاد ذلك إلى حرب إقليمية واسعة تتحمل الولايات المتحدة كلفتها البشرية والاقتصادية والسياسية.
وبحسب الخبراء، فإن ما يجري اليوم لا يبدو تسوية نهائية بقدر ما هو هدنة مؤقتة فرضتها حدود القوة الأميركية وعجز الخيار العسكري عن تحقيق أهدافه. وقد تنجح هذه الهدنة في تأجيل الانفجار، لكنها لا تبدو قادرة على إنهاء جذور الأزمة أو بناء توازن دائم ومستقر في المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار القوى الدافعة نحو الحرب، وفي مقدمتها الحكومة الإسرائيلية، التي لا تزال ترى في التصعيد العسكري الخيار الأكثر انسجاماً مع رؤيتها لمستقبل المنطقة.





شارك برأيك
ترمب يتراجع عن شرط "التفكيك الكامل"… هدنة نووية مؤقتة تكشف حدود القوة الأميركية والدفع الإسرائيلي نحو الحرب