واشنطن – سعيد عريقات – 14/5/2026
تحليل إخباري
برز اسم عبد الرحمن محمد السيد (عبد السيد)، السياسي التقدمي المنحدر من أصول مصرية من ولاية ميشيغان، كأحد أكثر الوجوه صعوداً داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تقدمه في السباق التمهيدي لشغل مقعد السيناتور غاري بيترز في مجلس الشيوخ. ووفق استطلاع نُشر في الحادي عشر من أيار، يتقدم عبد السيد على منافسته النائبة هايلي ستيفنز بفارق عشر نقاط، كما يتصدر متوسط استطلاعات موقع "ريال كلير بوليتيكس". وإذا فاز في الانتخابات، فسيصبح أول مسلم ينتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي، وأحد أبرز الأصوات العربية الأميركية المدافعة عن الحقوق الفلسطينية داخل المؤسسة السياسية في واشنطن.
ويحمل عبد السيد، 41 عاما، وهو طبيب مرموق في ولاية ميشيغان (كما كان السيد أستاذاً مساعداً في قسم علم الأوبئة بجامعة كولومبيا) ، برنامجاً تقدمياً واسعاً يشمل الرعاية الصحية الشاملة، وإصلاح منظومة العدالة الجنائية، وفرض حظر كامل على إرسال الأسلحة إلى إسرائيل، وهي مواقف كانت حتى وقت قريب تُعد شديدة الهامشية داخل السياسة الأميركية التقليدية. لكن صعوده يأتي في لحظة سياسية مختلفة، تتسع فيها رقعة الغضب الشعبي من الحرب الإسرائيلية على غزة، وتتزايد فيها قوة التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، خاصة بين الشباب والنقابات والحركات الطلابية.
وفي هذا السياق، بدا فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك عام 2025 لحظة مفصلية في السياسة الأميركية المعاصرة، بعدما أثبت أن المرشح المؤيد بوضوح للحقوق الفلسطينية يمكنه تحقيق انتصار انتخابي كبير في واحدة من أهم المدن الأميركية. وقد فتح ذلك الفوز الباب أمام موجة جديدة من المرشحين التقدميين الذين يضعون القضية الفلسطينية في قلب خطابهم السياسي، بعد سنوات طويلة كان فيها انتقاد إسرائيل يُنظر إليه باعتباره مخاطرة سياسية قد تنهي مستقبل أي مرشح داخل الحزب الديمقراطي.
ويرى مراقبون أن صعود عبد السيد لا يرتبط فقط بتحولات الرأي العام بعد الحرب على غزة، بل أيضاً بالإرث السياسي والاجتماعي العميق لمدينة ديترويت وضواحيها، حيث تشكلت عبر عقود طويلة تحالفات بين العرب الأميركيين والحركات العمالية والسوداء التقدمية. فمنذ ستينيات القرن الماضي، تبنت منظمات سوداء راديكالية مواقف داعمة للفلسطينيين ضمن رؤيتها المناهضة للاستعمار العالمي، بينما ساهم ناشطون عرب أميركيون، بينهم المحامي اللبناني الأميركي عابدين جبارا، في بناء مؤسسات سياسية وأكاديمية دعمت القضية الفلسطينية وربطتها بقضايا العدالة الاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
يشار إلى أن إحدى المحطات المفصلية في هذا التاريخ عام 1973، كانت عندما أضرب نحو ألفي عامل سيارات في ديترويت احتجاجاً على علاقات قيادة اتحاد عمال السيارات الأميركي بإسرائيل. وقاد الإضراب عندئذ "تجمع العمال العرب"، الذي واصل لاحقاً حملاته لدفع النقابات إلى سحب استثماراتها من إسرائيل، في خطوة سبقت بعقود طويلة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات المعروفة اليوم باسم "بي دي إس BDS ". ويرى ناشطون أن هذه الخلفية التاريخية تفسر لماذا أصبحت ميشيغان اليوم مركزاً متقدماً للحراك السياسي المؤيد للفلسطينيين داخل الحزب الديمقراطي.
ويكشف صعود عبد السيد عن تغير عميق داخل المزاج السياسي الأميركي، يتجاوز حدود الانتخابات التقليدية. فالحرب على غزة دفعت أعداداً متزايدة من الشباب والناخبين التقدميين إلى إعادة النظر في العلاقة الأميركية الإسرائيلية، بعدما باتت صور الدمار والقتل تصل يومياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعيداً عن الرواية الرسمية التقليدية. ولهذا أصبح الحديث عن حقوق الفلسطينيين أقل حساسية سياسياً مما كان عليه في العقود السابقة، بينما اكتسبت المطالب بوقف تسليح إسرائيل شرعية متزايدة داخل الأوساط التقدمية والنقابية والطلابية، خصوصاً بين الأجيال الجديدة التي تنظر إلى الصراع من زاوية حقوق الإنسان والعدالة الدولية وليس الحسابات الجيوسياسية وحدها.
وتعكس تجربة ميشيغان خصوصية سياسية واجتماعية قلما تحظى بالاهتمام في الإعلام الأميركي التقليدي. فالقضية الفلسطينية هناك لم تتشكل فقط بوصفها قضية هوية عربية أو دينية، بل نتيجة عقود من العمل المشترك بين العرب الأميركيين والحركات العمالية والسوداء. هذا الإرث صنع خطاباً سياسياً يربط بين العدالة الاقتصادية ومناهضة العنصرية ورفض الحروب الخارجية. ولذلك فإن الدعم الذي يحظى به عبد السيد داخل النقابات والمنظمات التقدمية لا يرتبط بخلفيته العربية وحدها، بل بقدرته على تمثيل تيار أوسع يرى أن السياسة الخارجية الأميركية يجب أن تخضع أيضاً لمعايير العدالة وحقوق الإنسان.
ويمثل تنامي التيار المؤيد للفلسطينيين داخل الحزب الديمقراطي تحدياً استراتيجياً للمؤسسة السياسية التقليدية في واشنطن، التي تعاملت لعقود مع دعم إسرائيل باعتباره أحد الثوابت غير القابلة للنقاش. لكن التحولات الديموغرافية والثقافية داخل الولايات المتحدة بدأت تفرض معادلات جديدة، خاصة مع صعود جيل أكثر انتقاداً للحروب وأكثر حساسية تجاه قضايا التمييز والاحتلال. وإذا نجحت شخصيات مثل عبد السيد وممداني في تحقيق اختراقات انتخابية إضافية، فقد تجد القيادات الديمقراطية نفسها مضطرة لإعادة صياغة خطابها تجاه الشرق الأوسط، بما يعكس تغير المزاج الشعبي داخل القاعدة الانتخابية للحزب خلال السنوات المقبلة بصورة تدريجية لكنها مؤثرة.
واليوم يرى كثير من المراقبين أن حملة عبد السيد تمثل امتداداً لمسار تاريخي، قاده شخصيات سياسية وإصلاحية بارزة، مثل القس الراحل، جيسي جاكسون، والسيناتور الحالي من ولاية فيرمونت، بيرني ساندرز وآخرين، لكنها تأتي في لحظة أكثر حساسية وتأثيراً، بعدما أصبحت غزة محوراً مركزياً في النقاش السياسي الأميركي، وبعدما تحولت الجامعات والنقابات وحركات الاحتجاج إلى منصات ضغط علنية على إدارة الرئيس ترمب والقيادات الديمقراطية معاً. كما أن حصول عبد السيد مؤخراً على دعم منظمات سوداء وتقدمية بارزة في ديترويت يشير إلى اتساع التحالف المؤيد له داخل الولاية، وإلى أن القضية الفلسطينية لم تعد ملفاً خارجياً معزولاً، بل أصبحت جزءاً من النقاش الأميركي الداخلي حول العدالة والهوية ومستقبل السياسة الأميركية نفسها.





شارك برأيك
عبد الرحمن السيد بعد زهران ممداني: كيف أصبحت فلسطين جزءاً من التحول السياسي الأميركي؟